الْحَاجَةُ إِلَى الْقُرْآنِ

إنضم
21/12/2015
المشاركات
1,716
مستوى التفاعل
13
النقاط
38
الإقامة
مصر
-وَمَا أَشَدَّ شَبَهَ الْإِنْسَانِيَّةِ الْيَوْمَ بِالْإِنْسَانِيِّةِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فِي جَفَافِ الْعَوَاطِفِ، وَضَرَاوَةِ الْغَرَائِزِ، وَتَحَكُّمِ الْأَهْوَاءِ، وَالْتِبَاسِ السُّبُلِ، وَتَحْكِيمِ الْقُوَّةِ، وَتَغَوُّلِ الْوَثَنِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ.

-وَمَا أَحْوَجَ الْإِنْسَانِيَّةَ الْيَوْمَ إِلَى الْقُرْآنِ، وَهِيَ فِي هَذَا الظَّلَامِ الْحَالِكِ مِنَ الضَّلَالِ، وَقَدْ عَجَزَ الْعَقْلُ عَنْ هِدَايَتِهَا وَحْدَهُ، كَمَا عَجَزَ قَدِيمَاً عَنْ هِدَايَتِهَا، لَوْلَا تَأْييِدُ اللهِ لَهُ بِالْأَمْدَادِ السَّمَاوِيَّةِ مِنَ الْوَحْي الَّذِي يُقَوِّي ضَعْفَهُ إَذَا أَدْرَكَهُ الْوَهَنُ، وَيُصْلِحُ خَطَأَهُ إِذَا اخْتَلَّ مِيزَانُهُ.

-وَكَمَا أَتَى الْقُرْآنُ لِأَوَّلِ نُزُولِهِ بِالْعَجَائِبِ الْمُعْجِزَاتِ فِي إِصْلَاحِ الْبَشَرِ, فَإِنَّهُ حَقِيقٌ بَأَنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، إِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الطِّرَازُ الْعَالِي مِنَ الْعُقُولِ الَّتِي تَفَهَّمَتْهُ، وَذَلِكَ النَّمَطُ السَّامِي مِنَ الْهِمَمِ الَّتَي نَشَرَتْهُ وَعَمَّمَتْهُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَأْتِي بِمُعْجِزَاتِهِ وَلَا يُؤْتِي آثَارَهُ فِي إِصْلَاحِ النُّفُوسِ إِلَّا إِذَا تَوَلَّتْهُ بِالْفَهْمِ عُقُولٌ كَعُقُولِ السَّلَفِ، وَتَوَلَّتْهُ بِالتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ نُفُوسٌ سَامِيَةٌ وَهِمَمٌ بَعِيدَةٌ كَنُفُوسِهِم وَهِمَمِهِم.

-أَمَّا انْتِشَارُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الْجَافَّةِ مِنَ الْحِفْظِ الْمُجَرَّدِ، وَبِهَذِا النَّمَطِ السَّخِيفِ مِنَ الْفَهْمِ السَّطْحِيِّ، وَبِهَذَا الْأُسْلُوبِ التَّقْلِيدِيِّ مِنَ التَّفْسِيرِ اللَّفْظِيِّ- فَإِنَّهُ لَا يُفِيدَهُم شَيْئَاً، وَلَا يُفِيدُ بِهِم شَيْئَاً، بَلْ يَزِيدُهُم بُعْدَاً عَنْ هِدَايَتِهِ، وَيَزِيدُ أَعْدَاءَهُم اسْتِخْفَافَاً بِهِم، وَإِمْعَانَاً فِي التَّكَالُبِ عَلَيْهِم، وَالتَّحَكُّمِ فِي رِقَابِهِم وَأَوْطَانِهِم.

-وَلَوْ فَهِمْنَا الْقُرْآنَ كَمَا فَهِمَهُ السَّلَفُ، وَعَمِلْنَا بِهِ كَمَا عَمِلُوا بِهِ، وَحَكّمْنَاهُ فِي نُفُوسِنَا كَمَا حَكَّمُوهُ، وَجَعَلْنَا أَهْوَاءَنَا وَمَشَارِبَنَا تَابِعَةً لَهُ، وَمَوْزُونَةً بِمِيزَانِهِ، لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لَكُنَّا بِهِ أَعِزِّةً فِي أَنْفُسِنَا, وَأَئمَّةً لِغَيْرِنَا. (الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ الْبَشِيرُ الْإِبْرَاهِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي مُقَدِّمَة تَفْسِيرِ ابْنِ بَادِيس رَحِمَهُ اللهُ.. (خَصَائِصُ التَّفْسِيرِ الْبَادِيسِيِّ).
 
-إِذَا ‌أَرَدتَ ‌الانْتِفَاعَ ‌بالقُرْآنِ

-إِذَا ‌أَرَدتَ ‌الانْتِفَاعَ ‌بالقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وَسَمَاعِهِ, وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّم بِهِ سُبْحَانَهُ, مِنْهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ خِطَابٌ مِنْهُ لِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ. قَالَ تَعَالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وَذَلِكَ أَنْ تَمَامَ التَّأْثِيرِ لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثِّرٍ مُقْتَضٍ وَمَحِلٍ قَابِلٍ وَشَرْطٍ لِحُصُولِ الْأَثَرِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ –فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ بَيَانَ ذَلِكَ كُلِّهِ بَأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَبْيَنهِ عَلَى الْمُرَادِ.

- فَإِذَا حَصَلَ الْمُؤَثِّرُ وَهُوَ الْقُرْآنُ, وَالْمَحِلُّ الْقَابِلُ وَهُوَ الْقَلْبُ الْحَيُّ ,وَوُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ الْإِصْغَاءُ, وَانْتَفَى الْمَانِعُ ,وَهُوَ اشْتِغَالُ الْقَلْبِ وَذُهُولُهُ عَنْ مَعْنَى الْخِطَابِ, وَانْصِرَافُهُ عَنْهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ, حَصَلَ الْأَثَرُ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالتَّذَكُّرُ. (كِتَابُ الْفَوَائِدِ لابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ ).

-قَالَ أَحْمَدُ بنُ ثَعْلَبَةَ: سَمِعْتُ سَلْماً الخَوَّاصَ، قَالَ: قُلْتُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ، اقْرَئِي القُرْآنَ كَأَنَّكِ سَمِعْتِيْهِ مِنَ اللهِ حِيْنَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَجَاءتِ الْحَلاَوَةُ.(سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاءِ لِلإِمَامِ الذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ).
 
ازْدَحَمَتْ مَعَانِي الْمَسْمُوعِ

-فَمَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَلْيُقَدِّرْ نَفْسَهُ كَأَنَّمَا يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ يُخَاطِبُهُ بِهِ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ السَّمَاعُ بِهِ وَلَهُ وَفِيهِ ازْدَحَمَتْ مَعَانِي الْمَسْمُوعِ وَلَطَائِفُهُ وَعَجَائِبُهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَازْدَلَفَتْ إِلَيْهِ بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ، فَمَا شِئْتَ مِنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، وَتَعَرُّفٍ وَبَصِيرَةٍ، وَهِدَايَةٍ وَغَيْرَةٍ.

وَهَذَا السَّمَاعُ الْقُرْآنِيُّ سَمَاعُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ. وَيَحْصُلُ لِلْأَذْهَانِ الصَّافِيَةِ مِنْ مَعَانٍ وَإِشَارَاتٍ، وَمَعَارِفَ وَعُلُومٍ. تَتَغَذَّى بِهَا الْقُلُوبُ الْمُشْرِقَةُ بِنُورِ الْأُنْسِ. فَيَجِدُ بِهَا وَلَهَا لَذَّةً رُوحَانِيَّةً. يَصِلُ نَعِيمُهَا إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ. وَرُبَّمَا فَاضَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْأَجْسَامِ. فَيَجِدُ مِنَ اللَّذَّةِ مَا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ مِنَ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ. (كِتَابُ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ).
 
- اسْتِمَاعُ اللهِ لِقِرَاءَةِ عِبَادِهِ

-وَهُوَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ كُلِّهِمْ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ. وَلَكِنَّ اسْتِمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}(يُونُسَ:61)، ثُمَّ اسْتِمَاعُهُ لِقِرَاءَةِ أَنْبِيَائِهِ أَبْلَغُ.(تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ).

- فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

-وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ لَهُ خَوَاصُّ وَمَنَافِعُ مُجَرَّبَةٌ، فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي فَضْلُهُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ الَّذِي هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ، وَالْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ، وَالنُّورُ الْهَادِي، وَالرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلَى جَبَلٍ؛ لَتَصَدَّعَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الْإٍسْرَاء: 82) ، وَ" مِنْ " هَاهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الْفَتْح: 29) وَكُلُّهُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.(زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ لِابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ).
 
عودة
أعلى