محمود عبدالله إبراهيم نجا
Member

النبي سبق القضاء في إثبات النسب بالصفات الوراثية، وعلاقة ذلك بحُكم القضاء بنسب ولد الإغتصاب للمُغتصب
■ حكم تاريخي في مصر بإثبات نسب طفلة للمُغتصب
من ٦ سنوات تقريباً تم اغتصاب فتاة مصرية غير متزوجة وللأسف حملت من الإغتصاب ولم تجهض الحمل لأسباب غير معلومة، وطبعاً تقدمت ببلاغ في المغتصب، ورفعت قضية إثبات نسب استمرت في المحاكم لسنوات، وتم إثبات جريمة الإغتصاب بالبصمة الوراثية، ثم لاحقا تم الحكم بنسب الطفلة للمُغتصب بالبصمة الوراثية.
■ النبي سبق القضاء في إثبات النسب بالصفات الوراثية
هناك دليل شرعي يثبت جواز استخدام الصفات الوراثية في قضايا إثبات النسب، وهو ما لم ينتبه له الفقها ولا تنبهت له المحاكم، والدليل في قضية تميمة بنت وهب التي طلبت الطلاق بحجة أن زوجها عاجز جنسياً.
روي البخاري عن أمنا عائشة أن تميمة طلقها زوجها رفاعة ثلاث طلقات، فتزوجت عبدالرحمن ابن الزبير، وكانت مُحبة لطليقها، كارهة لعبدالرحمن، فلم تمكنه من نفسها، وكانت تريد الطلاق والعودة لرفاعة، فجاءت تشتكي لأمنا عائشة أنه يضربها ولا يقدر على الجماع، فتأثرت ونقلت شكواها لرسول الله، فلما عرف عبدالرحمن #أخذ #ولديه #من #زوجة #سابقة وحضر لرسول الله، وحضرت تميمة.
ونلاحظ هنا أن عبدالرحمن أحضر معه دليل براءته من التهمة، فهو يرى أن إنجابه من زواج سابق هو دليل كافي على صدق دعواه في أنه قادر جنسياً، وكذب دعوى زوجته، فهل سيقبل النبي دليل عبدالرحمن ويحكم له؟!!!
ولأن رسول الله عادل فقد انتبه لأهمية معرفة إذا كان الزوج قادر جنسياً أو لا، فهل يطلب رؤية الجماع في الفراش؟، أو هل يكتفي بأنه أنجب من زواج سابق؟، أليس من الوارد أن يكون الولدان ليسا من صلبه؟. وهذه كلها أسئلة منطقية ومشروعة وينبغي أن يهتم بجوابها أي قاض عادل، فماذا فعل رسول الله؟
بالطبع لا يجوز الإطلاع على العورات ومشاهدة الجماع بين الزوجين، ولذا عدل رسول الله عن الرؤية المباشرة للرؤية غير المباشرة بإستعمال القرائن، وهذا ما أراده عبدالرحمن حين أحضر ولديه معه، فلما سأله رسول الله (بنوك هؤلاء؟)، فقال نعم. فقدم الزوج قرينتان على أنه مستطيع للجماع، الأولى قرينة الفراش، فله أولاد من زوجة غيرها، والثانية الإقرار بأنهما ولديه.
أمام هذه الأدلة يُفترض أن يحكم الرسول بكذب تميمة وصدق زوجها، ولكن كما قلت من الوراد أن زوجته الأولى خانت فراشه، وأدخلت على نسبه من ليس من صلبه؟، فهل يخفى ذلك على قاضٍ بمكانة رسول الله؟!
بالطبع مُحال، فلجأ رسول الله للقرينة الأقوى من الفراش وهي القيافة، فقال لتميمة (هذا الذي تَزْعُمِينَ ما تَزْعُمِينَ؟! فَوَاللَّهِ لهمْا أشْبَهُ به مِنَ الغُرَابِ بالغُرَابِ). أي هَذا الَّذي تَزعُمينَ عَدَمِ قدرتِه على الجِماعِ، أولاده أَشْبَهُ بِه مِن شبه الغُرابِ بالغُرابِ، فاستدَلَّ الرسول على كَذِبِها بالقيافة (شبه الصفات الوراثية) كقرينة يقينية، وحكم لعبدالرحمن باستمرار الزواج ورفض الخلع.
■ مما سبق يتبين لنا الآتي؛
١. النبي أول من استخدم الصفات الوراثية في إثبات النسب، ولا حرج على الفقهاء والقضاة في التأسي بالنبي.
٢. هذا الحديث حُجة في تقديم القيافة على الفراش والإقرار في قضايا إثبات النسب، والبصمة الوراثية تأخذ نفس الحكم بالقياس.
■ هل أصاب الحُكم بنسب ولد الإغتصاب للمُغتصب؟
الأصل عند جمهور الفقهاء هو إعتبار ماء الإغتصاب هدر كماء الزنا، فلا يُنسب ولد الإغتصاب للمُغتصِب. والمحكمة قد خالفت قول الجمهور لأنهم رأوا أن المُغتصبة مظلومة فليست كالزانية، ولا ذنب لولدها في أن يُحرم من نسب وشهادة ميلاد تؤهله للعيش بين الناس بكرامة، ويحصل على كافة حقوقه. وللأمانة الحُجة قوية، ومن الجور أن نساوي بين ولد المُغتصبة وولد الزانية، ولذا غالباً الكُل سيكتفي بالنظر لإيجابيات الحكم ولن يناقش سلبياته الآتية؛
١. قريباً سنجد مُطالبات للزانيات بالمساواة مع حكم المُغتصبات، ولو حدث هذا لا قدر الله فسينتشر الزنا في العلن بلا خوف من الحمل، فالولد سيُنسب للزاني.
٢. إذا خافت الزانية بعد حملها من تهمة الزنا فسيسهل عليها إدعاء أنها مُغتصبة، وربما تأتي بشهود زور، وطبعا البصمة الوراثية ستؤكد قول شهود الزور. ويترتب على ذلك تطبيق حد الحرابة على الزاني إذا صدٌق القاضي أنه مُغتصب.
٣. حكم المغتصب هو حكم الحرابة، أي أنه سيُقتل، ولن ينفق على ولد الإغتصاب، ولن يستفيد منه ولد الإغتصاب الا في وجود اسم وشهادة ميلاد، فما هو الشرف الذي سيعود على ولد الإغتصاب بالنسب للمُغتصب؟، هل سيفخر بأب مُغتصب؟، أليس من الأشرف لولد الإغتصاب أن تموت قصة إغتصاب أُمه، وأن تعطيه الدولة اسم من عندها وشهادة ميلاد بدلا من فتح باب يجر معه مظالم كثيرة؟!
■ هل سنرى استعمال البصمة الوراثية في قضايا نفي النسب؟
معلوم أن المحاكم في مصر وأغلب الدول العربية تستعمل البصمة الوراثية في قضايا إثبات النسب، وترفض استعمالها في قضايا نفي النسب بزعم أن الولد للفراش، وأن البصمة الوراثية ليست يقينية، وهو ما يتعارض مع حكم المحكمة بيقينية البصمة الوراثية، حيث تم اثبات حادثة الإغتصاب بالبصمة الوراثبة، وهناك قضايا زنا تم فيها اثبات الزنا بالبصمة الوراثية، ومعلوم ان هذه الأحكام سيترتب عليها جزاءات قانونية، فهل سنجازي المجرم بدون قرينة يقينية؟!. وعليه فقد سقطت حجة القضاء في أن البصمة الوراثية ليست يقينية.
وكما بينت أعلاه أن النبي استخدم القيافة (الشبه) في إثبات النسب، بل وقدمها على الفراش والإقرار، ورتب على هذا الإثبات الحكم بين المتخاصمين، مما يثبت أن التحاكم للصفات الوراثية هو يقين لا ظن فيه.
والنبي لم يكتف باستعمال الصفات الوراثية (القيافة) في الإثبات فقط، ولكن أيضا في النفي كما في حادثة زنا زوجتيّ هلال، وعويمر العجلاني، فالنبي عرف بالقيافة أن الولد ليس لفراش الزوجين المخدوعين هلال وعويمر، والنبي لا يحتكم الا ليقين، فالقيافة قرينة قوية استخدمها النبي في الإثبات والنفي، ولنا فيه الأسوة الحسنة، فمتى سنرى اول حكم بنفي نسب ولد الفراش اذا اشتكى صاحب الفراش انه ليس له، وأيدت البصمة الوراثية صدق دعواه؟!
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك، وما كان من ظن أو خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية طب - جامعة المنصورة، مصر

