(المشي) في القرآن...

أبو عبد المعز

Well-known member
إنضم
20/04/2003
المشاركات
757
مستوى التفاعل
52
النقاط
28
سبق لنا بضع كلمات عن المنهج الموضوعاتي في التدبر ومثلنا له بموضوعة (أنواع الولد في سورة مريم) ونواصل البيان لهذا المنهج من خلال موضوعة ( المشي) ...وسننظر فيها من خلال مجموعة من السور...وبذلك يتبين المنهج بفرعيه: اختيارالموضوعة الواحدة بين مواضيع السورة الواحدة (أنواع الولد في سورة مريم) أوتتبع الموضوعة الواحدة بين السور المتعددة...

وأذكر أنني أقصد بمصطلح "موضوعة " المعنى الجزئي المفرد وليس الموضوع العام كالتوحيد وسير الأنبياء والأحكام... فيتعين الفرق بين المنهج الموضوعي وبين المنهج الموضوعاتي (thematique)



جاء المشي في القرآن على أربعة وجوه – حسب تصنيفنا الموضوعي-

الوجه الأول: المشي في السياق السردي (الوصف والإخبار).

الوجه الثاني: المشي في السياق الحجاجي ( إثبات الربوبية)

الوجه الثالث : المشي في سياق الجدال ( نفي النبوة)

الوجه الرابع : المشي في سياق التقييم ( الصورة الأخلاقية –النفسية)



1- الوجه الأول: المشي في سياق الوصف والإخبار

المشي حركة طبعية لانتقال الكائن الحي من مكان إلى مكان حسب الحاجة

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه : 40]

هذا الوجه بين معتاد فلا يحتاج إلى تفصيل....




2- الوجه الثاني: المشي في سياق الحجاج:

يتضمن هذا الوجه – فضلا عن المعنى السابق- الاستدلال على وجود الخالق وصفاته (خالق مختارحكيم قدير... )

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النور : 45]

الآية استقصاء لكل أوضاع الجسد الحي بدلالة أسلوب المشي:

وضع الملتصق بالأرض وهذا شأن الزواحف " فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ"،

وضع المنتصب عموديا وهذا شأن "مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ " كالإنسان،

وضع المنحني أفقيا وهذا شإن "مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ " كغالب الحيوان...

نعم ،هناك من الحيوان من يمشي على أكثر من أربع لكن وضع الجسد يبقى هو هو...فسواء أمشى الحي على أربع أم على أربع وأربعين فإن وضع الانحناء الأفقي يبقى ثابتا.

إن الحجة قاصمة لظهورالآليين العشوائيين الطبيعانيين:

- فأما الآليون فهم أصحاب نظرية أصالة العضو وتبعية الوظيفة، يزعمون أن العضو وجد أولا ثم جاءت الوظيفة بعد ذلك مطابقة لشكل العضو ومكوناته، فالإنسان مثلا وجد عنده رجلين فلما تأمل الشكل والمفاصل والعظام والحزم قال هذه تصلح للمشي فمشى!

وهذا المذهب رغم ركاكته هو المنصور عند جماهير علماء الحياة فرارا من إثبات الخالق ، فلو اتبعوا ما تمليه الفطر والعقول من سبق وجود الغاية على وجود آلتها لكان لازما افتراض مدبر حكيم ، لكنهم تذرعوا بالمذهب الركيك كي يبقوا في دائرة التفسير" الوضعي" ولا يخرجوا منها إلى الحق الذي يسمونه التفسير " اللاهوتي" ... فضلوا وأضلوا كثيرا!!

- ومن هؤلاء علماء التشريح الذين يعلمون جيدا أن مكونات الرجل لا يمكن فهمها إلا باعتبار الغاية التي خلقت من أجلها، وهي المشي، فحافر الحمار لم يوضع في أعلى الساق ولا في منتصفه بل وضع أسفل الساق وتغيرت بنيته لتلائم صلابة الأرض ، وخلق المفصل لتكون الحركة ممكنة ، وكان من الممكن أن يمتد الساق قطعة واحدة فلا مفصل ولا حركة ، لكن الخالق حكيم ومن حكمته أن أصم هؤلاء وأعماهم فجعلهم يجحدون ما هو أوضح من شمس النهار!!

- أما العشوائيون فيقال لهم لم قفزت الطبيعة عن العدد ثلاثة...فقد وهبت الماشين الرجلين والأربع لكنها بخلت بالثلاث فهل هي العشوائية أم أنها كانت تعلم أن الثلاثة الأرجل لا تعزز المشي بل تعرقله ثم ما هذه الطبيعة التي تعلم وتقدر وتمنح ما يصلح وتمسك ما لا يصلح!!!



3-الوجه الثالث : المشي في سياق الجدال ( نفي النبوة)

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان : 7]

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان : 20]



ومحورالجدل مواصفات الرسول المبعوث إلى الناس...فذهب المنكرون إلى أن بشرية الرسول قادحة في صحة إرساله وذكروا من خصائص البشرية العلامتين:

-أكل الطعام

-المشي في الأسواق

والعلامتان على تباينهما تتحدان في الدلالة على صفة الافتقار...فالانسان لا يستطيع أن يحيا بدون طعام ، والمشي في الأسواق ذريعة لتحصيل الطعام ، ومن ثم ندرك بيانيا قيمة القيد الظرفي( فِي الْأَسْوَاقِ) لتحديد دلالة المشي فليس مشيا للترفيه والتجوال ولكنه مشي توجبه الحاجة...

فيكون المشي من هذا الاعتبار عنوانا على الوضع الوجودي للإنسان:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر : 15]

الإنسان يمشي إذن فهو فقير!

والتلازم بين المقدمة والنتيجة جلي لو صرفنا النظر عن المشي في ذاته لنوجهه إلى الداعي إلى المشي والغاية منه:-
لماذا يمشي الإنسان ولا تمشي الشجرة وكلاهما من الأحياء!

لقد جعل الله رزق الشجرة حيث هي فلا تحتاج إلى تنقل، ورزقها العمودي تأخذه بورقها من أعلى ، وتأخذه بجذورها من أسفل ..

لكن رزق الأنسان أفقي في الغالب، فلا مناص من الحركة في كل الاتجهات للحصول عليه...فخلق له الله المشي ولم يخلقه للنبتة..

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك : 15]

ولنلحظ هنا أيضا الاقتران بين المشي والأكل.

وعلى مثل هذا الأساس منع الكفار أن يكون المرسل من الله بشرا ولم يقبلوا بأقل من الملَك...فلعلهم استأنسوا بما شاهدوا من أحوال ملوك الأرض فلا يقبل القياصرة أو الأكاسرة أن يكون سفراؤهم ورسلهم ممن يشبه الأجلاف من الرعاة، فذلك تنقيص من شأنهم بلا ريب، فلا بد من أن يكون رسول الملك محاطا بأبهة وجلال حتى ليقول المرء إن كان هذا حال الرسول فكيف بحال سيده!

ومن ثم رأى الكفار أن الآكل للطعام والماشي في الأسواق لا يليق أن يكون مبعوثا من رب العالمين، ورب العالمين لا يرضى أن يكون حامل كلامه من هذا النوع ، فثبت أن هؤلاء الرسل من البشر لا بد أن يكونوا كذبة وأدعياء...

ولا نريد أن نسترسل في هذا الحجاج فلذلك موضع آخر ، وحسبنا هنا التأكيد على دلالة المشي على الوضع الوجودي للإنسان :

لكي يعيش عليه أن يأكل الطعام ، ولكي يحصل على الطعام عليه أن يمشي إليه. فيكون الطعام وسيلة من المرتبة الأولى والمشي وسيلة من المرتبة الثانية ( أي وسيلة إلى الوسيلة ) وما تعدد الوسائل ومراتبها إلا كاشف عن صفة الفقر المطلق للإنسان...

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر : 15]



الوجه الرابع : المشي في سياق التقييم.



المشي خَلقا (بالفتح ) دليل على حكمة الخالق أو دال على افتقار المخلوق ، كما سبق، فهو مناط الاعتبار.

المشي خلقا (بالضم) كاشف عن معدن الإنسان ، فهو مناط التقييم مدحا وذما للأنثى وللذكر.

فمن المدح وصف عباد الرحمان:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان : 63]

المشي الهون الممدوح يقابله المشي المرح المذموم:

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان : 18]

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء : 37]

هي مشية الصلف والتكبر، من علاماتها الضرب على الأرض بقوة - كمشية العساكرفي استعراض القوة - فكأن الماشي يبتغي خرق الأرض فجاء التنديد:

إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ

ومن علاماتها أن يتطاول الماشي ويرفع عنقه ووجهه إلى الأعلى - كمشية العساكرفي استعراض القوة أيضا – فكأن الماشي يبتغي الارتقاء إلى السماء فجاء التنديد:

وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

هذه المشية الذكورية المراد بها إظهار القوة لها صورة أنثوية في مشية يراد بها الإغراء والفتنة:

وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور : 31]

وكل ذلك مكروه لأنه مروق من الفطرة ومسخ لطبيعة المشي :

فالمشي في طبيعته وسيلة، ولكن قد يتحول ليصبح غاية في ذاته، و لتوضيح الفرق بين الوضعين نضرب مثلا من المشي والرقص :فالرقص مشي لكنه مقصود لذاته لا لغيره ، فالماشي إلى السوق مثلا يكون مشيه آليا ولا يفكرفي إيقاع الخطوات أويقدرانسجام الحركات وذهنه مشغول بالحاجة التي هو ساع إليها، لكن الراقص ليس كذلك فذهنه منشغل بمشيه فقط هل يتقدم أم يتأخر ، هل يسرع أم يبطيء ، هل ينزل أخمص أم أفدع... وهكذا شأن السافرة المتبرجة فعد الله مشيتها ذنبا يستوجب التوبة!



وقد لا نكون من المبالغين إذا أسسنا هذا المثل :

قل لي كيف تمشي أقل لك من أنت!

وحسبنا أن نقرأ في التنزيل وصف مشية المرأة التي سقى لها موسى

فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص : 25]

لكي نتبين من صفة المشى الصورة الخلقية الكاملة لابنة مدين!!
 
عودة
أعلى