القراءة والرواية لغةً واصطلاحًا

إنضم
29 أكتوبر 2023
المشاركات
6
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
الإقامة
ليبيا
بسم الله الرحمن الرحيم​

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فهذه مقالة في بيان ماهيّة (القراءة) و(الرواية) والفرقِ بينهما لغةً واصطلاحًا.

أولًا- من حيث اللغة:

القراءة في اللغة:
مصدر قرأ يَقرأ.

وقد ذكر كثيرون أن مادة: (ق ر أ) تدور حول معنى الجمع والاجتماع. فقالوا: قرأتُ الشيء: جمعتُه وضممت بعضه إلى بعض، والقِرَاءَةُ: ضمُّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعضٍ في التّرتيل، وقرأتُ القرآن: لفظتُ به مجموعًا([1]).

وفرّق بعضهم بين قَرَى يَقْرِي وقَرَأَ يَقْرَأُ، وعدَّهما أصلين مختلفين؛ فجعل الأولَ –المعتلَّ- هو الذي يُشتق من الجمع، ومنه: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَقْرِيهِ، أَيْ: جَمَعْتُه، وأما الثاني -المهموزُ- فجعله مِنَ الظُّهُورِ وَالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ التَّوْقِيتِ وَالتَّحْدِيدِ، وَمِنْه: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ قَارِئَهُ يُظْهِرُهُ وَيُخْرِجُهُ مِقْدَارًا مَحْدُودًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، بدلالة قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥۖ ١٦} [سورة القيامة:16]، حيث عُطف الجمع على القرآن، والأصل في العطف المغايرة، وَلَوْ كَانَا وَاحِدًا لَكَانَ تَكْرِيرًا مَحْضًا([2]).

والرواية في اللغة: مصدر رَوَى يَرْوِي، و«الراء والواو والياء أصل واحد، ثم يشتق منه. فالأصل ما كان خلاف العطش، ثم يصرف في الكلام لحامل ما يروى منه ... ثم شُبِّه به الذي يأتي القومَ بعلمٍ أو خبرٍ فيرويه، كأنه أتاهم برِيِّهِم من ذلك»([3]).

ثانيًا- من حيث الاصطلاح:

القراءة في علماء القراءة تطلق بإزاء معنيين: أحدهما عامّ، والآخر خاص.

فأما المعنى الأول العام:
فهو أن يقرأ القرآن، سواء كانت القراءة تلاوةً -بأن يقرأ متتابعًا، كالأدوار، والدراسة، والأوراد الموظّفة-، أو أن يقرأه أداءً -بأن يأخذ عن المشايخ بالسماع منهم أو القراءة بحضرتهم -. فالقراءة بهذا المعنى تشمل التلاوة والأداء([4]).

ويطلق على فاعلِ القراءة قارئ. وقد يطلق اسمُ الفاعل هذا على معنًى بينَه وبين هذا المعنى عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ، حيث إنه يطلق ويراد به مَن جمعَ القرآنَ حفظًا عن ظهر قلب، سواء أكان مبتدئًا -وهو مَنْ شَرَعَ في الإفراد إلى أن يُفرِدَ ثلاثًا مِن القراءات-، أم متوسطًا –وهو مَن جمعَ إلى أربعٍ أو خمسٍ من القراءات-، أم منتهيًا –وهو من نَقَلَ مِن القراءات أكثرَها وأشهرَها-([5])، ويطلق كذلك مرادًا به العالمُ بالقراءات أداءً، الراوي لها مشافهةً، لكن يغلب أن يسمى هذا الأخيرُ في الاصطلاح مقرئًا، وهو أخص من القارئ مطلقًا؛ فكل مقرئٍ قارئٌ ولا عكْس([6]).

فهذا المعنى الأخير أخص من المعنى الأول من حيث نوع المقروء، والأول أخص منه من حيث نوع القراءة.

ومن ذلك تسمية علمَي التجويد والقراءات باسم: (علم القراءة)، لأنه العلم الذي يعنى بقراءة القرآن وأدائه. ومنه أيضًا قولهم في المقولة المشهورة: «القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول»، فإنهم يريدون بها قراءة القرآن عمومًا.

وأما المعنى الثاني الخاص: فهو كلُّ خلاف يُنسَب لواحدٍ من الأئمةِ القراء بكماله، أي: مما أَجْمَعَت عليه الرواياتُ والطرقُ عنه([7]).

أو يقال: ما اتفق عليه الرواة عن أحد القراء العشرة أو من في منزلتهم من القراء وأصحاب القراءات([8]).

مثال ذلك: قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ العاشرُ بالضم، أي:+بَلۡ عَجِبۡتُ_، وقرأ الباقون بالفتح، من دون خلافٍ عن أيٍّ من هؤلاء القراء([9])، أي إن الرواة عن هؤلاء القراء لم يختلفوا عنهم في ذلك، فلذلك نقول: هي بالضم قراءةُ حمزة والكسائي وخلف العاشر، وبالفتح قراءةُ الباقين. فالخلاف هنا على مستوى القراء، لا على مستوى مَن تحتَهم؛ لذا أُطلِق عليه: (قراءة).

واسم الفاعل من هذا المعنى يطلق على طبقةٍ خاصةٍ عُرفت باسم: (القرّاء)، وهم أئمة إقراء القرآن الكريم([10])، وهم كثيرون في الزمن الأول، لذلك نجد كتبًا جمعت عشرين قراءة، وأخرى جمعت خمسين، وهكذا، لكن أشهرهم العشرةُ الذين تواترت قراءاتهم، واشتهرت في الأمصار على مَرِّ الأعصار، وهم: المدني، وا بن كثير المكي، وأبو عمرو البصري، وابن عامر اليحصبي الشامي، وعاصم الكوفي، وحمزة الكوفي، و الكسائي الكوفي، وأبو جعفر المدني، ويعقوب الحضرمي ، وخلف البزار.

ويطلق على قراءات السبعة الأُوَل من هؤلاء العشرة: (القراءات السبع)، وعلى قراءات الثلاثة الباقين: (القراءات الثلاث) أو (القراءات المتممة للعشر)، وعلى قراءات جميعهم مجتمعةً: (القراءات العشر).

وإنّ إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم إنما يرادُ بها أن ذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه حسبما قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعُرِف به، وقُصِد فيه وأُخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، فقيل: قراءة نافع (أو حرف نافع)، قراءة ابن كثير (أو حرف ابن كثير) ... وهكذا، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد([11]).

وهذا الإطلاق قديم، فهو موجود في أول كتاب من كتب القراءات وصل إلينا، وهو كتاب: «السبعة» لابن مجاهد (ت324هـ)، وهو مشرقي، وكذلك عُرف عند المغاربة، كما نجد ذلك في كتب مكي بن أبي طالب (ت437هـ) والداني (ت444هـ) ومن في طبقتهم. وكذلك يقال في مصطلح: «الرواية» بمعناه الخاص الذي يأتي قريبا، وإن لم ينص بعضهم على ذلك نصًّا.

وقد تطلق كلمة: (القراءات) في اصطلاح القراء مرادًا بها العلم ذاته، أي علم القراءات، أي العلم «بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها معزوًّا لناقله»([12])، أو العلم الذي «يُعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله واختلافهم في [اللغة والإعراب] والحذف والإثبات، والتحريك والإسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطقِ والإبدالِ من حيث السماع...»([13]).

والعمدة في تحديد المعنى المراد عند إطلاق هذا اللفظ دلالةُ المقام والسياق.

والرواية في الاصطلاح تطلق على معنيين أيضًا: معنى عام، وآخر خاص. والعمدة في تحديد المعنى المراد عند إطلاقه دلالةُ المقام والسياق.

فأما بالمعنى العام: فالرواية: نقل القرآن والقراءات بالإسناد، كقولهم: أجازه برواية القراءات السبع. أي بنقلها بالإسناد([14]).

وقد يطلق هذا اللفظ مرادًا به خلاف القياس، أي النقل المحض. كقولهم: والرواية مقدمة على القياس.

ومن استعمال هذا الاصطلاح قول ملا علي القاري في مسألة رواية الشاذ وعدم القراءة به: «... وهذا لا ينافي جواز رواية الشاذة؛ فإن الفرق بين القراءة والرواية واضح عند أرباب الدراية»([15]).

وأما الرواية بالمعنى الخاص: فتطلق على ما نُسب للراوي عن الإمام القارئ([16]). زاد بعضهم: (ولو بواسطة)([17])؛ ليَدْخُل في ذلك مِثْلُ روايةِ الدوري عن أبي عمرو؛ فهي بوساطة يحيى اليزيدي.

وقد أخذ عن كل قارئ من العشرة رواة كثيرون لا يأتي عليهم الحصر، لكن اشتهرت رواية اثنين عن كل قارئ، وهذا بيانهم:

عن نافع قالونُ وورش، وعن ابن كثير البَزِّيُّ وقُنْبُل، وعن أبي عمرو الدُّوريُّ والسُّوسي، وعن ابن عامر هشامٌ وابن ذَكْوان، وعن عاصم شعبةُ وحفص، وعن حمزة خلفٌ([18]) وخلاد، وعن الكسائي أبو الحارث البغدادي وحفص الدوري، وعن أبي جعفر ابنُ وَرْدان وابن جَمَّاز، وعن يعقوب رُوَيْسٌ ورَوْح، وعن خلف العاشر إسحاقُ الوراق وإدريس الحداد.

مثال الرواية: الضمير {هُوَ} إذا دخلت عليه واوُ العطف أو فاؤه مثلا، اختُلف على نافع فيه؛ فرواه عنه قالون من جميع طرقه بإسكان الهاء، ورواه ورشٌ من جميع طرقه بضم الهاء([19])، فهذا إذن خلافٌ على مستوى الرواة، فلذلك نقول: هو بالإسكان رواية قالون، وبالضم رواية ورش.

وقد يُطلق على الرواية قراءةً أحيانًا؛ من باب التجوُّز، فيقال مثلا: قراءة قالون. وهذا المعنى مستخدم عند المتقدمين أكثر منه عند المتأخرين.

وهذا الاصطلاح إنما يطلق على الآخذ عن الإمام القارئ لا على مَن دون هذا الآخِذ، فإن الآخذ عن الراوي يسمى: (طريقًا)، سواء أخذ عن الراوي مباشرة أو بواسطة أو بواسطتين... وهكذا نزولًا([20]).

إذن ثَمَّة ثلاث طبقات:

الأولى- القراء.

الثانية- الرواة، وهم الآخذون عن القراء.

الثالثة- أصحاب الطرُق، وهم مَن تحت الرواة مطلقًا.

والخلافُ الذي على مستوى القراءاتِ والرواياتِ والطرقِ خلافُ نصٍّ وروايةٍ؛ فلو أَخَلَّ القارئُ بشيء منه كان ذلك نقصًا في الرواية، فهو وضده واجب في إكمال الرواية. وأما ما كان على غير ما ذُكِرَ مما هو راجعٌ إلى تخيير القارئ فيه([21]) فليس كذلك؛ إذ هو على سبيل التـخيير، فبأيِّ وجهٍ أَتَى القارئُ أَجْزَأَ في تلك الرواية، ولا يكون إخلالًا بشيء منها، فهو وضده جائز في القراءة؛ من حيث إن القارئ مخيَّر في الإتيان بِأَيِّهِما شاء([22]).

وإلى هنا ينتهي ما أردت بيانه. والحمد لله رب العالمين.

كتبه
علي أمير المالكي
أستاذ اللغة العربية بجامعة بنغازي


([1]) ينظر: «الصحاح» للجوهري (مادة: ق ر أ)، و«مقاييس اللغة» لابن فارس (مادة: ق ر ي). «المفردات في غريب القرآن» للراغب الأصفهاني (668)، و«لسان العرب» (مادة: ق ر أ).
([2]) ينظر: «زاد العاد» لابن القيم (5/ 563- 564).
([3]) ينظر: «مقاييس اللغة» (مادة: ر و ي).
([4]) ينظر: «الحواشي المفهمة في شرح المقدمة» لابن الناظم (18)، و«كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم» للتهانوي (2/ 1312)، و«شرح المقدمة الجزرية» للحمد (344).
([5]) ينظر: «منجد المقرئين» لابن الجزري (9)، و«شرح طيبة النشر» للنويري (1/ 53).
([6]) «منجد المقرئين» (9)، و«الإضاءة في بيان أصول القراءة» للضباع (5).
([7]) ينظر: «النشر في القراءات العشر» لابن الجزري (2/ 199).
([8]) ينظر: «معجم مصطلحات العلوم الشرعية» (1254).
([9]) ينظر: «النشر» (2/ 356).
([10]) ينظر: «معجم مصطلحات العلوم الشرعية» (1251- 1252).
([11]) ينظر: «النشر» (2/ 52).
([12]) «منجد المقرئين» (9).
([13]) «لطائف الإشارات» للقسطلاني (1/ 355).
([14]) ينظر: «كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم» (1/ 875).
([15]) «شرح الشفا» للقاري (549/2).
([16]) ينظر: «النشر» (2/ 199).
([17]) ينظر: «غيث النفع في القراءات السبع» للنوري السفاقسي (23)، و«الإضاءة في بيان أصول القراءة» للضبّاع (5).
([18]) وهو نفسُه خلف القارئ العاشر، فلَه قراءة خاصة به، ورواية عن حمزة، والعلماء عندما يتحدثون عن روايته عن حمزة يقولون: (خلفُ حمزة)، وعندما يتحدثون عن قراءته يقولون: (قراءة خلف العاشر) أو (اختيار خلف). فهو إذن قارئ وراوٍ.
([19]) ينظر: «النشر» (2/ 209).
([20]) ينظر: المصدر السابق (2/ 199- 200).
([21]) ينظر: المصدر السابق (2/ 200).
([22]) ينظر: المصدر السابق.
 
عودة
أعلى