محمود عبدالله إبراهيم نجا
Member

الرد على من رفض قصة زواج أولاد آدم من بعضهم البعض: فهم جديد لآية (وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا).
بعض العقول سواء مُسلمة أو غير مُسلمة ترى نفسها أكثر حرصاً على الحلال والحرام من الله الذي خلقنا، فحين تخبرهم أن أولاد آدم تزوجوا من بعضهم البعض، وأن هذا هو مُعتقد الصحابة والتابعين والمفسرين الذين نقلوا أقوالهم، بل وهناك آيات في القرآن تشير بطريقة مُباشرة أو غير مُباشرة إلى حتمية زواج أولاد آدم ببعض، وهو الموافق للعقل، فتجد من يتألى على الله فيقول (كيف يسمح الله بزواج الأخ من أخته وهو حرام، كما أنه سوف يتسبب في الكثير من الأمراض الوراثية التي تكثر في زواج الأقارب).
ولو سألت احدهم ما الحل من وجهة نظرك يا من تحلل وتحرم كأنك الله؟، فتجده يفترض إفتراضات لا دليل عليها، ومن هذه الإفتراضات الباطلة أن آدم ليس أول البشر وهناك بشر غيره والتزاوج تم بينهم، أو أن الله أنزل للذكور من أبناء آدم زوجات من جنس ما، وأنزل لبنات آدم أزواج من جنس آخر، فافترضوا زواج أولاد آدم من أجناس غير بشرية ومع ذلك أنجبوا بشر، ويكفي لإثبات بطلان هذه الفرضيات أنه لا دليل عليها من قرآن أو سنة، فقط مجرد تأويلات باطلة مخالفة لفهم أهل العلم المُعتبرين للوحيين. والرد على هؤالاء الذين تألوا على الله ورفضوا قصة زواج أولاد آدم من بعضهم البعض كالتالي:
1. تحديد الحلال والحرام لا يتم بعقل المخلوق المُكلف فيتبع هواه كما شاء، وإنما هو للخالق فقط فيحل ويحرم كيف شاء لحكم يعلمها، فهو خالق كل شيء ومالكه، فلا يجوز لأحد أن يعترض على حكمه برأيه المنكوس وبفهمه المعكوس، فإذا حرم شيء في الدنيا مثل الخمر والحرير والذهب وزواج الرجل بأكثر من أربعة، ثم أباح ذلك في الجنة، فهل يملك المؤمن بوجود خالق آمر الحق في محاسبة الله أو منعه بزعم أنه يحلل الحرام؟!!!
وقد صرح الله بأنه جعل لكل أمة شريعة خاصة في الحلال والحرام فقال(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، فكيف لعاقل أن يستنكر تحليل زواج الإخوة من أولاد آدم في شريعة آدم؟!!
2. هل تكثر الأمراض الوراثية عند زواج الإخوة من أولاد آدم؟
هذا الإفتراض صحيح في القرون الأخيرة لكون البشرية تمتلك حمض نووي به الكثير من العيوب والطفرات التي جعلت الصحة والعمر في أقل درجاتهم، فآدم وأولاده كانت أعمارهم تصل لألف عام، بينما أعمارنا لا تكاد تتجاوز السبعين، وفي ذلك دليل على فرق ضخم في الصحة وحالة الحمض النووي بين أولاد آدم وبيننا.
ومعلوم أن شرط حصول الأمراض الوراثية وجود جين معطوب يرثه الولد المصاب من أبويه أو أحدهما، فإذا غاب الجين المعطوب، فكيف تنشأ الأمراض الوراثية؟!!!
فعندما خلق الله آدم وحواء صورنا منهما في الأصلاب فقال الله (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، وقد استغرب المفسرون كيف خلقنا الله وصورنا قبل السجود وزواج آدم بحواء، فقال القرطبي وغيره بأن الله خلقنا وصورنا بخلق وتصوير آدم وحواء، لأن الله خلق فيهما آلة التكاثر (الخصية والمبيض) التي تحمل الخلايا الجنسية للذرية، وهذا هو خلق وتصوير الأصلاب الذي حدث قبل سجود الملائكة لآدم، وزواج آدم بحواء،.
وبعد الزواج صار هناك خلق وتصوير الأرحام، فقال الله (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)، وقال (في أي صورة ما شاء ركبك)، وعليه فتصوير ذرية آدم في الأرحام خاضع لمشيئة الله فهو قادر على جعله تصوير حسن برغم وجود تشوهات في الأحماض النووية إذا افترضنا وجودها، فما بالكم وقد نفى الله التشوه فقال عن تصوير آدم وحواء والذرية (وصوركم فأحسن صوركم)، وقال (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، وبالتالي التزاوج بين أحماض نووية حسنة الصورة والتركيب لن ينتج إلا حسن الصورة والتركيب، في اولاد آدم الذين تنعدم بينهم الأمراض الوراثية، فلما ظهر الفساد في الأرض بعد إصلاحها ظهر فساد الأحماض النووية والأمراض الوراثية، فحرم الله زواج الإخوة، وبذلك يتبين لنا أن الله يحلل ويحرم بحكمة لعلمه بأحوال خلقه، والله تعالى أعلى وأعلم.
3. أدلة السُنة على زواج أولاد آدم من بعضهم البعض
لا يوجد حديث صريح يقول بزواج أولاد آدم من بعضهم البعض وإنما نُسب ذلك لبعض الصحابة، وربما أخذوه من أهل الكتاب، أن آدم كان يولد لزوجه في كل حمل ذكر وأنثى ، فيزوج ذكر حمل بأنثى حمل آخر . وقد روى ذلك ابن جرير الطبري والحافظ ابن حجر بإسناد عن السدي عن بعض أصحاب رسول الله كابن عباس وابن مسعود، وهذا القول هو المشهور بين علماء الإسلام. وهو قول لا يرفضه العقل السليم ، ولا يوجد نص في ديننا يكذبه، بل وسأثبت في السطور القادمة أنه موافق لآيات القرآن
4. الأدلة القرآنية غير المباشرة على زواج أولاد آدم من بعض
قال الله عن بداية خلق البشر أنه بدأ خلق الإنسان آدم من طين، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ )، وخلق منه زوجته، ومنهما جميع البشر، (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). فهل هناك معنى للبث منهما غير أن البشرية كلها من آدم وحواء؟!.
ونفس المعنى نجده في قول الله (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل لتعارفوا)، فجميع البشر من ذكر واحد هو آدم وأنثى واحدة هي حواء. فكيف لعاقل أن يتخيل البث من ذكر واحد وأنثى واحدة فقط إلا بزواج أولادهما من بعضهم البعض، وإلا لفني البشر بموتهم من غير تزاوج.
وهناك نصوص وضحت طريقة خلق الذرية إلى قيام الساعة فحصرتها في وسيلة واحدة وهي التزاوج الجنسي بماء التكاثر (الماء المهين) الذي جعله الله من البشر المخلوق من طين، قال الله (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، فخلق الله آدم من طين، وخلق من طينة آدم حواء (وخلق منها زوجها)، وهذا القول لا يعارض أحاديث خلق حواء من ضلع، فالحديث لم يقل ضلع لحم، ووارد جداً أن يكون ضلع طين أو صلصال، ثم خلقنا الله في الأصلاب من طين بخلق الخصية والمبيض، فهذا هو مبدأ خلق جنس الإنسان كله من طين، فلما سوى الله آدم وحواء ونفخ فيهما من روحه جعل نسلهما إلى قيام الساعة بالماء المهين، فهل يمكن للعقل فهم إستمرار البشرية إلى قيام الساعة بدون اليقين في زواج أولاد آدم من بعض؟!!!
5. الدليل القرآني المُباشر على زواج أولاد آدم من بعضهم
مع أن أهل العلم قد صرحوا بأنه لا يوجد في القرآن دليل مُباشر على زواج أولاد آدم ببعض، فاكتفوا بذكر الأدلة غير المُباشرة السابقة والتي توجب عقلأً زواج أولاد آدم ببعض، إلا أنني أخالفهم الرأي في ذلك، حيث أرى من وجهة نظري القاصرة أن هناد دليل قرآني صريح ومباشر على زواج أولاد آدم من بعضهم البعض وذلك في قول الله (وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) ٥٤ الفرقان.
للأسف أغلب التفاسير تفسر الماء في آية (خلق من الماء بشرا) على أنه النطفة البشرية (ماء التكاثر)، وبالتالي جعلوا الذهن ينصرف إلى فهم النسب والصهر في الآية أنه للذرية بعيداً عن آدم وحواء، وهذا مخالف للتعريف والتنكير في الآية من وجهة نظري القاصرة.
فالماء في الآية مُعرف بالألف واللام (الماء)، وقد ورد ذكر الماء معرف بالألف واللام في القرآن في ١٧ موضع، منهم ١٦ موضع يتحدث عن الماء المعهود، والذي منه الماء تحت العرش، وماء خلق الأحياء لأول مرة، وماء المطر، والأنهار والبحار والماء الذي نشربه.
إذاً هناك ١٦ آية نفهم منها أن هذا الماء المعرف بالألف واللام لا يشمل ماء التكاثر (النطفة)، وفجأة نخالف التعريف في الموضع السابع عشر (خلق من الماء بشرا)، فيكون بمعنى ماء التكاثر أو الماء المهين، مع أن الأصل في ماء التكاثر في القرآن أن يكون نكرة (ماء)، مثل قول الله (والله خلق كل دابة من ماء)، و قول الله (جعل نسله من سلالة من ماء مهين)، وقول الله (خُلق من ماء دافق)، وذلك لأن النكرة فيها معنى العموم والتنوع والإختلاف، ففي الظاهر كله ماء، ولكنه يختلف باختلاف الصفات الوراثية فيكون هذا الإختلاف سبب تنوع الاحياء واختلاف صفاتهم.
وعليه أرى ان الماء المُعرف بالألف واللام في قول الله (خلق من الماء بشرا)، ينبغي ان يُحمل فهمه على كل آيات الماء المعهود، فتشير الآية لخلق آدم من الماء المعهود الذي خلطه الله بالتراب فكانت طينة آدم، والحمد لله قد سبقني لذلك القول عدد قليل من المفسرين، مثل القرطبي، والرازي، والطنطاوي في التفسير الوسيط.، ولكن للامانة العلمية ذكروه كقول مرجوح.
وعليه فالبشر المخلوق من الماء في الآية يشمل آدم، لكون كلمة بشر نكرة فتحتمل عموم البشر وأولهم آدم، ولذا فآدم قبل ذريته هو النسب وهو الصهر، كيف ذلك وما دلالته في فهم زواج اولاد آدم من بعض؟.
تقول التفاسير بأن معنى النسب يشير لزواج الذكور، فأهل الزوج نسب، ومعنى المصاهرة يشير لزواج البنات، فأهل الزوجة أصهار، وبذلك نفهم كيف خلق الله آدم من الماء فجعله نسباً وصهراً في نفس الوقت، فلا يتحقق ذلك إلا بتزويجه أولاده الذكور من بناته، فيكون نسب لأولاده الذكور، وصهر للبنات، وهذا المعنى يثبت يقيناً زواج أولاد آدم ببعضهم البعض، والله تعالى أعلى وأعلم.
اللهُم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظنٍ أو خطأٍ أو سهوٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا