والسبب الثاني من أسـباب الانتـكاسـة:
2- سـوء المقصـد وإرادة العـلو في الأرض والترأس:
ولهذا الداء مظاهر:
فتكبر في نفسه أخلاق السوء من العجب والحسد والرياء، ولا يتعاهد نفـَسه حتى تظهر على تصرفاته قولا وفعلا، لا يعمل بما يوعظ به أو يوجه إليه، ثم ابتعـد فترة ليست بالقليلة عن سماع موعظة مؤثرة بمحاسبة بالغة، لم يرب ِ نفسه تربية علمية ولا أخلاقية ولا وجدانية بل الخواء العقدي والإيماني هو المسيطر على جوانب حياته، ومع ذلك يبحث عن الشهرة وحب الترأس والأنانية في الهموم والمشاريع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفـسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه" رواه الترمذي 2377 وأحمد2/ 456.
قال بعضهم: من تكلم في الإخلاص ولم يطالب نفـسه بذلك ابتلاه الله بهتك ستره عند إخوانه وأقرانه، وقال أبو العباس بن عطاء: قرن ثلاثة أشياء بثلاث قرنت الفـتنة بالمنية، وقرنت المحنة بالاختيار، وقرنت البلوى بالدعاوي. حلية الأولياء 10/ 302، قال الشاطبي رحمه الله في الإعتصام:" آخر الأشياء نزولا من قلوب الرجال حب السلطة والترأس".
يقول أبو ادريس الخولاني رحمه الله: فاتني معاذ بن جبل فأخبرني يزيد بن عميرة أنه يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنـًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير، فيوشك أن الرجل يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن فما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة، واتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يلقي على الحكيم كلمة الضلالة، قالوا: وكيف نعرف زيغة الحكيم؟ قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت: هذا، ولا ينأى بك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا" الإبانة 1/ 308.
ومما يشـهد لهـذا المعنى من أخبـار التاريخ القريب:
قصة أبي محمد عبد الله بن علي الصعيدي القصيمي ذاك الرجل الذي كان طالبًا للعلم يشتعل ذكاءً وعبقرية، ذو خيال واسع وعبارات ساحرة، كثير الردود على أهل الشرك والرفض والإلحاد، أثنى عليه الكثير من علماء عصره، لقوة مؤلفاته وجودتها، ومنها:
الصراع بين الإسلام والوثنية في جزئين ضخمين في الرد على أحد الشيعة، البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية رد فيه على القائلين بجواز التوسل بالبشر، مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها يرد فيه على علماء المادة والملاحدة الزاعمين التناقض بين الأحاديث النبوية والعلم الحديث، الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم، نقـد لكتاب "حياة محمد"، وغير ذلك وكلها في الرد على أهل البدع بقـوة علمية وعقـدية، يرد الشبهة بوجوه متعددة لا يبقي لها رأسًا ولا أسًا، ثم انتكس، والعياذ بالله! وفي هذه المرحلة ألف كتبه:
هذه هي الأغلال، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات، لئلا يعود هارون الرشيد مرة أخرى، فرعون يكتب شفر التاريخ، وآخر كتبه وأخبثها: العالم ليس عـقلا، وإليك خلاصة ما فيها:
• إنكار الإلهية والنبوة والمعاد وسائر الغيبيات.
• التهجم على الأمة العربية ورميها بالنقائص.
• الافتخار بالغربيين والملاحدة والفلاسفة.
• ثم ألف جمعية سماها جيش الإنقاذ لجمع الناس بلا دين وخاصة النساء!
يقول في أحد كتبه ما قبل الإلحاد: وربما قال البعض أن الرد على الملحدين لا يجدي شيئا، لأن من دخل حظيرة الإلحاد فهيهات أن يغادرها، وهو احتجاج ضعيف مهين؛ فإن من ذاق حلاوة التوحيد ولباب الإخلاص فهيهات أن يعافه، فلم أسمع أن رجلا دخل مذهب الموحدين وتطهر قلبه من أرجاس الشرك فخرج منه ونقص على عقبيه.
وبعدها يقول في كتاب من كتب زندقـته: إن الإنسان المثل الذي يجب أن يكون هو زنديق العقـل قديس النفـس والأخلاق، هو العاصي المتمرد المحارب بتفكيره، وكتب فصلا في بعض كتبه سماه: احتلال الإله لعقولنا هو أفدح أنواع الاحتلال، وله كلام فظيع في سب الله سبحانه وتعالى ورسله عليهم الصلوات والسلام، أنزه الله تعالى ورسله عن ذكره!.
وقد كفره أهل العلم والدين، ورماه كثير من أساتذة الاشتراكية والحداثية بالجنون!! فنعوذ بالله من الحور بعد الكور.
وإذا قرأت قصته وجدت أن دلالات انتكاسته كانت كثيرة، فلا تدري بأيها أصيب:
• بدأ يكثر السفسطة في الأمور البدهية ثم امتلأ بالوساوس الشيطانية وحب الجدل، كان كثير التقشف والزهد والتقتير في رهبانية بعيدة عن الحنيفية السمحة، كان شديد الاندفاع والثورة على كل شيء وشغوف بالرد على كل أحد، كان مغرورًا جدًا متكبرًا كثير الإطراء على نفـسه والاحتقار لمن هو في العلم مثله أو أجل منه، واسمع له يقـول مادحًا نفسه في مقدمة كتابه الفصل الحاسم بين الوهابين ومخالفـيم:
لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر
ولم يطلبوا غيري في الحادث النكر
ولم يرغبوا إلا إلي إذا ابتغوا
رشادًا وحزمًا يعزبان عن الفكر
ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا
ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
فما أنا إلا الشمس في غير برجها
وما أنا إلا الدر في لجج البحر
متى جريت فكل الناس في أثري
وإن وقفت فما في الناس من يجري
ويقول مرة يمدح نفسه:
ولو أن ما عندي من العلم والفضل ِ يقسم في الآفاق أغنى عن الرسلِ، والعياذ بالله، ولما أنكر عليه هذا البيت علماء عصره تراجع عنه، إلى أن تفجر غروره بنفسه فأعـلن ردته وإلحاده!! نعوذ بالله من الخذلان.
فيا عبد الله: احذر أن تكون ثناءً منشورا وعيبُا مستورا، فما من عبد ٍ أسر سريرة إلا كساه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، واعلم ان من أحسن ما بينه وبين الله أحسن له ما بينه وبين الناس.
سـبيل النجـاة:
في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم:" يا نعايا العرب أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة الخفية" راجع السلسلة الصحيحة508.
قال أبو عبد الله الجلاء: الحق استصحب أقوامًا للكلام واستصحب أقوامًا للخلة، فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه بأنواع المحن، فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر، وكان يقـول: من بلغ بنفـسه إلى رتبة سقط عنها، ومن بلغ به ثبت عليها. فإياك والقفـزات، فكلٌ ميسر لما خـُلق له.
ومن أخبار الثابتين في مثل هذه الحـوادث:
قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف في غزوة تبوك اسمع له وهو يقول:
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان؛ فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقـلت: لما قرأتها وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها. أرأيت كيف نجا، عرف أن طريق الشهرة والترأس منتهاه الافتتان، لذا قال الله فيه وفي صاحبيه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].
يتبع