الخوف من الانتكاسة والزيغ

إنضم
03/01/2021
المشاركات
838
مستوى التفاعل
3
النقاط
18
العمر
59
الإقامة
مصر

image.jpeg.8654f368d9490b610b61dd036d3a37f7.jpeg
سين:
خايفة أوي خايفة كل الطاعات والتعب اللي بعمله دلوقتي تروح على الفاضي

بمجرد انتكاسة في اخر عمري!!!
لما بسمع قصة "الراهب" برصيصا وازاي بعد ما قضى عمره كله في عبادة يموت كافر وكله يبقى هباء منثور!


نتيجة بحث الصور عن وسائل الثبات

جيم:
معادلة الثبات تحتاج منا إلى فهم وتدبر ثم إلى عمل واجتهاد.
هذه عشر نقاط:
1. الله أكرم الأكرمين، فمن عمل صالحا جازاه الله وكافأه في الدنيا قبل الآخرة، ومكافأة الدنيا بالحياة الطيبة والرضا القلبي والسكينة الإيمانية،, وتثبيت العبد على ذلك.
2. ما جاء عن راهب بني إسرائيل وعن الختم بأعمال السوء ينبه إلى ضرورة الخوف المؤدي إلى الحذر والمحاسبة والاستكثار من العمل الصالح.
3. مقدار الخوف يتناسب طرديا مع مقدار الإيمان (وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له".
ومن زادت معرفته بالله زادت خوفه منه.
4. كان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم "لا، ومقلِّب القلوب"، فتقلب القلوب يدفع العبد إلى الخوف، ومع الخوف: الدعاء،
وأعظم الدعاء وأكثره يجب أن يكون: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
5. الخوف لابد معه من جرعة رجاء، والخوف المؤدي إلى اليأس من الشيطان لا من الرحمن، والرجاء المؤدي إلى ترك العمل من تلبيس إبليس،
وأما خوف المؤمن، فهو خوف محفِّز للعمل، ورجاؤه محفِّز للبذل والاجتهاد.
6. بعض الناس يدفعه الرجاء إلى العمل، وبعضهم يدفعه الخوف، والأهم ما أدى بك إلى العمل خوفا كان أو رجاء.
7. للثبات أسرار خفية، لكن له أسباب جلية، فمن ذلك:
قراءة القرآن، والعمل بالمواعظ، وصحبة الصالحين، وهجر أصحاب الأهواء والمبطلين، وقراءة سير الأنبياء والصالحين.
8. الخوف من عدم الثبات من أهم أسباب الثبات!
لأنه يدفع صاحبه للحذر من أسباب السقوط.
ويحثُّ على كثرة الدعاء لاستمداد عون السماء.
9. يعظم ويتضاعف ثواب الصالحين عند غربة الدين وفساد الزمان وعلو المنافقين، وهو ما نعيشه اليوم في بلاد كثيرة، ولذا كان أجر العامل في زمن غربة الدين بأجر 50 من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
10. لابد من أن يثبِّت المؤمنون بعضهم، ويتعاونون على الخير، ويتواصون بذلك، ويتناصفون، فغياب هذا الدور يؤدي إلى تآكل الإيمان، واعتياد الزلل، وغياب الخوف والوجل، وهي كلها مقدِّمات السقوط، فلا يستقلّ أحدكم كلمة حق ينطق بها، ولا أمر بمعروف يهديه لمن يحب، فلعلها الكلمة المنقذة، والنصيحة الهادية، سواء كان ذلك منطوقا أة مكتوبا أو مسجَّلا.

خالد ابو شادى

صورة ذات صلة



 
الانتكاسة: الداء والدواء

سوء الخاتمة أو الضلالة بعد الهدى من سنن الصالحين من قبلك، بل وأنبياء الله عليهم صلاة الله وسلامه، ألم تسمع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أبو الأنبياء يدعو بحرقة: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، ويوسف عليه الصلاة والسلام العفيف ينادي بلا حول ولا قوة: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.أمنك من مكر الله أول مراحل الخذلان، قال بعض السلف: من أمن على دينه طرفة عين سلب منه، وعن سبرة بن فاكهة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه" رواه ابن أبي عاصم في السنة220 وصححه الألباني، وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً" رواه أحمد6/ 4وغيره، وقال عليه الصلاة والسلام:" مثل القلب مثل الريشة تقلبها الريح بفلاة" رواه أحمد 4/ 219 وابن ماجه 88 وهو في صحيح الجامع.

يقول ابن القيم رحمه الله:
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما
space.gif

بالحق في ذا الخلق ناظرتانِ
space.gif

فانظر بعين الحكم وارحمهم بها
space.gif

إذ لا ترد مشيئة الديان
space.gif

وانظر بعين الأمر واحملهم على
space.gif

أحكامه فهما إذاً نظران
space.gif

واجعل لقلبك مقلتين كليهما
space.gif

من خشية الرحمن باكيتان
space.gif

لو شاء ربك كنت أيضاَ مثلهم
space.gif

فالقلب بين أصابع الرحمن

من أسـباب الانتـكاسـة:

1. التقـصير في الطاعات والتهاون في تضييع السنن:

هذا هو السبب الأول ولهذا السبب مظاهر: فتجده لا يهتم بباطنه فلا عبادة ولا خشوع ولا صدق مع الله ولا نوافل سر، بل استقامة ظاهرية شكلية فهو منتكس الباطن ولا يشعر، يفرط في السنن الراتبة، وربما يتأخر عن صلاة الجماعة، وتمر به الفترات ولم يقم من الليل ولم يخشع في الصلاة ولم يختم القرآن، وهكذا استمرارُ في التراجعات، ثم يستمر في دحرجة التنازلات؛ من ترك الإنكار على ما يسمعه ويراه من منكرات، إلى المشاركة في مشاهدة الحرام أو تعاطيه، إلى إدمان الملاهي والمعاصي والوحشة من فراقها.. ثم إلى الانتكاسة والعياذ بالله، يقول ابن القيم رحمه الله في الفوائد/ 128" تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب و الجوارح سببَ الهداية والإضلال، فيقوم بالقلب والجوارح أعمالٌ تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه، والمؤثر لأثره، وكذلك الضلال"، إذا أخي في الله هي سلسلة من المترابطات آخذٌ بعضها برقاب بعض!يقول أبو محمود عبد الله بن محمد بن منازل النيسابوري ( شذرات الذهب1/ 330): لم يُضع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ولم يبتل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبلى بالبدع، وقال حسان بن عطية رحمه الله تعالى: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة. رواه اللالكائي 129 والدارمي98 بسند صحيح.إن من آثار الإنتكاسة بل من أشهرها: البدعة بعد السنة، والجهل بعد العلم، والحيرة بعد اليقين،عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثلُ همل ِالنعم" رواه البخاري ومسلم، وعن عائشة عند مسلم: " فلأقـولن أي رب أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم"، أيها الإخوة احذروا التراجعات!!

يتبع

الانتكاسة: الداء والدواء


شبكة الألوكة
 
والسبب الثاني من أسـباب الانتـكاسـة:

2- سـوء المقصـد وإرادة العـلو في الأرض والترأس:

ولهذا الداء مظاهر:
فتكبر في نفسه أخلاق السوء من العجب والحسد والرياء، ولا يتعاهد نفـَسه حتى تظهر على تصرفاته قولا وفعلا، لا يعمل بما يوعظ به أو يوجه إليه، ثم ابتعـد فترة ليست بالقليلة عن سماع موعظة مؤثرة بمحاسبة بالغة، لم يرب ِ نفسه تربية علمية ولا أخلاقية ولا وجدانية بل الخواء العقدي والإيماني هو المسيطر على جوانب حياته، ومع ذلك يبحث عن الشهرة وحب الترأس والأنانية في الهموم والمشاريع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفـسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه" رواه الترمذي 2377 وأحمد2/ 456.

قال بعضهم: من تكلم في الإخلاص ولم يطالب نفـسه بذلك ابتلاه الله بهتك ستره عند إخوانه وأقرانه، وقال أبو العباس بن عطاء: قرن ثلاثة أشياء بثلاث قرنت الفـتنة بالمنية، وقرنت المحنة بالاختيار، وقرنت البلوى بالدعاوي. حلية الأولياء 10/ 302، قال الشاطبي رحمه الله في الإعتصام:" آخر الأشياء نزولا من قلوب الرجال حب السلطة والترأس".

يقول أبو ادريس الخولاني رحمه الله: فاتني معاذ بن جبل فأخبرني يزيد بن عميرة أنه يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنـًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير، فيوشك أن الرجل يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن فما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة، واتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يلقي على الحكيم كلمة الضلالة، قالوا: وكيف نعرف زيغة الحكيم؟ قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت: هذا، ولا ينأى بك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا" الإبانة 1/ 308.

ومما يشـهد لهـذا المعنى من أخبـار التاريخ القريب:
قصة أبي محمد عبد الله بن علي الصعيدي القصيمي ذاك الرجل الذي كان طالبًا للعلم يشتعل ذكاءً وعبقرية، ذو خيال واسع وعبارات ساحرة، كثير الردود على أهل الشرك والرفض والإلحاد، أثنى عليه الكثير من علماء عصره، لقوة مؤلفاته وجودتها، ومنها:
الصراع بين الإسلام والوثنية في جزئين ضخمين في الرد على أحد الشيعة، البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية رد فيه على القائلين بجواز التوسل بالبشر، مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها يرد فيه على علماء المادة والملاحدة الزاعمين التناقض بين الأحاديث النبوية والعلم الحديث، الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم، نقـد لكتاب "حياة محمد"، وغير ذلك وكلها في الرد على أهل البدع بقـوة علمية وعقـدية، يرد الشبهة بوجوه متعددة لا يبقي لها رأسًا ولا أسًا، ثم انتكس، والعياذ بالله! وفي هذه المرحلة ألف كتبه:
هذه هي الأغلال، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات، لئلا يعود هارون الرشيد مرة أخرى، فرعون يكتب شفر التاريخ، وآخر كتبه وأخبثها: العالم ليس عـقلا، وإليك خلاصة ما فيها:
• إنكار الإلهية والنبوة والمعاد وسائر الغيبيات.
• التهجم على الأمة العربية ورميها بالنقائص.
• الافتخار بالغربيين والملاحدة والفلاسفة.
• ثم ألف جمعية سماها جيش الإنقاذ لجمع الناس بلا دين وخاصة النساء!

يقول في أحد كتبه ما قبل الإلحاد: وربما قال البعض أن الرد على الملحدين لا يجدي شيئا، لأن من دخل حظيرة الإلحاد فهيهات أن يغادرها، وهو احتجاج ضعيف مهين؛ فإن من ذاق حلاوة التوحيد ولباب الإخلاص فهيهات أن يعافه، فلم أسمع أن رجلا دخل مذهب الموحدين وتطهر قلبه من أرجاس الشرك فخرج منه ونقص على عقبيه.

وبعدها يقول في كتاب من كتب زندقـته: إن الإنسان المثل الذي يجب أن يكون هو زنديق العقـل قديس النفـس والأخلاق، هو العاصي المتمرد المحارب بتفكيره، وكتب فصلا في بعض كتبه سماه: احتلال الإله لعقولنا هو أفدح أنواع الاحتلال، وله كلام فظيع في سب الله سبحانه وتعالى ورسله عليهم الصلوات والسلام، أنزه الله تعالى ورسله عن ذكره!.

وقد كفره أهل العلم والدين، ورماه كثير من أساتذة الاشتراكية والحداثية بالجنون!! فنعوذ بالله من الحور بعد الكور.

وإذا قرأت قصته وجدت أن دلالات انتكاسته كانت كثيرة، فلا تدري بأيها أصيب:
• بدأ يكثر السفسطة في الأمور البدهية ثم امتلأ بالوساوس الشيطانية وحب الجدل، كان كثير التقشف والزهد والتقتير في رهبانية بعيدة عن الحنيفية السمحة، كان شديد الاندفاع والثورة على كل شيء وشغوف بالرد على كل أحد، كان مغرورًا جدًا متكبرًا كثير الإطراء على نفـسه والاحتقار لمن هو في العلم مثله أو أجل منه، واسمع له يقـول مادحًا نفسه في مقدمة كتابه الفصل الحاسم بين الوهابين ومخالفـيم:

لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر
space.gif

ولم يطلبوا غيري في الحادث النكر
space.gif


ولم يرغبوا إلا إلي إذا ابتغوا
space.gif

رشادًا وحزمًا يعزبان عن الفكر
space.gif


ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا
space.gif

ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
space.gif

فما أنا إلا الشمس في غير برجها
space.gif

وما أنا إلا الدر في لجج البحر
space.gif

متى جريت فكل الناس في أثري
space.gif

وإن وقفت فما في الناس من يجري
space.gif



ويقول مرة يمدح نفسه:
ولو أن ما عندي من العلم والفضل ِ يقسم في الآفاق أغنى عن الرسلِ، والعياذ بالله، ولما أنكر عليه هذا البيت علماء عصره تراجع عنه، إلى أن تفجر غروره بنفسه فأعـلن ردته وإلحاده!! نعوذ بالله من الخذلان.

فيا عبد الله: احذر أن تكون ثناءً منشورا وعيبُا مستورا، فما من عبد ٍ أسر سريرة إلا كساه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، واعلم ان من أحسن ما بينه وبين الله أحسن له ما بينه وبين الناس.

سـبيل النجـاة:
في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم:" يا نعايا العرب أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة الخفية" راجع السلسلة الصحيحة508.

قال أبو عبد الله الجلاء: الحق استصحب أقوامًا للكلام واستصحب أقوامًا للخلة، فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه بأنواع المحن، فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر، وكان يقـول: من بلغ بنفـسه إلى رتبة سقط عنها، ومن بلغ به ثبت عليها. فإياك والقفـزات، فكلٌ ميسر لما خـُلق له.

ومن أخبار الثابتين في مثل هذه الحـوادث:
قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف في غزوة تبوك اسمع له وهو يقول:
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان؛ فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقـلت: لما قرأتها وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها. أرأيت كيف نجا، عرف أن طريق الشهرة والترأس منتهاه الافتتان، لذا قال الله فيه وفي صاحبيه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].


يتبع
 
ومن أسـباب الانتـكاسـة، السبب الثالث:



3. عـدم معرفة المنتكسين بأسباب الفتن، وطريقة النجاة منها(وخاصة بعد موت العلماء):


ولهذا يكثر المتساقطون في أوساط الجهلة بسنن الله، وبمنهاج الفرار إليه سبحانه، ولهذا السبب مظاهر:



فتجد المتذبذب لا يحب الافتراق ولو كان مع أهل الظلم أو الباطل، تجده لا يعرف أصوله وركائزه، منهج دعوته وسيبل استقامته، يجزع على كل أحد ويستوحش الغربة، يستكثر بالمتشابهات ويستدل بالرجال، لا يعرف منهج أهل الحق بعد موت علمائهم ولا فقههم في الفتن والخلاف والافتراق وعند الشبهات، فيتهافت هلعًا قبل أن تجلو الطريق.

يقول عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة: 115]، ويخبر الله عن هذه السنة الماضية في الأولين والآخرين فيقول: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 3]، ويقول سبحانه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت: 10]، وأيضًا: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، وانتبه لقوله تعالى: ومن الناس، ومن الناس، ليقص علينا بعدها أخبار المنقـلبين على أدبارهم وليحذرنا سبيلهم.

قال ابن عدي في الكامل1/ 145في سبب افتتان بني إسرائبل بالعجل، قال:
فتم ميقات ربه أربعين ليلة، ففي تلك الليالي العشر افتتن بنو إسرائيل؛ لأن الثلاثين انقضت ولم يرجع إليهم موسى.
ويوضح هذا قول صاحب طبقات الحنابلة 1/ 69 عند ترجمة الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قال: إمامنا ومعلمنا ومعلم من كان قبلنا منذ أكثر من ستين سنة وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد، وما علم عالم إنهم يتفاضلون ويتباينون بونا بعيدًا، فقد ظننت أن عدو الله وعدو المسلمين إبليس وجنوده قد أعدوا من الفتن أسبابا انتظروا بها فقده لأنه كان يقمع باطلهم ويزهق أحزابهم، وكانت أول بدعة علمتها فاشية من الفتن المضلة ومن العماية بعد الهدى، وقد رأيت قومًا في حياة أبي عبدالله كانوا لزموا البيت على أسباب من النسك وقلة من العلم فأكرمهم الناس ببعض ما ظهر لهم من حبهم للخير فدخلهم العجب مع قلة العلم فكان لا يزال أحدهم يتكلم بالأمر العجيب فيدفع الله ذلك بقول الشيخ جزاه الله أفضل ما جزى من تعلمنا منه ولا يكون من أحد منهم من ذلك شيء إلا كان سبب فضيحته وهتك ما مضى من ستره فأنا حافظ من ذلك لأشياء كثيرة، وإنما هذا من مكايد إبليس مع جنوده يقول لأحدهم أنت أنت ومن مثلك فقل قد قال غيرك، ثم يلقى في قلبه الشيء و ليس هناك سعة في علم فيزين عنده أن يبتدئه ليشمت به وإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وقد ظننت أن آخرين يلتمسون الشهرة ويحبون أن يذكروا وقد ذكر قبلهم قوم بألوان من البدع فافتضحوا، ولأن يكون الرجل تابعًا في الخير خير من أن يكون رأسا في الشر.

أخي المبارك: يقول ابن مسعود رضي الله عنه: استن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

فالعلم بسبل الفتن وأنواعها، وأسباب الخلاف ومواضعه، ووسائل الانحراف وطرقه، مسلك نجاة والموفق من ثبته الله، قال حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون عن الخير وكنت اسأل عن الشر مخافة أن يدركني.

ومما يشـهد لهـذا المعنى من أخبـار التاريخ:


ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية3/ 172: قال ابن اسحاق: خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال اتعـدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بني غفار فوق سرف وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه قال فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما المدينة ورسول الله بمكة فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها، فقلت له: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، قال: فقال أبر قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه، قال: قلت والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبى علي إلا أن يخرج معهما فلما أبى إلا ذلك، قلت: أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه، قال: بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن، قال عمر: فكنا نقول لا يقـبل الله ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفـسهم حتى قدم رسول الله المدينة، وأنزل الله
frown.gif
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى أصعد بها وأصوب ولا أفهمها حتى قلت اللهم فهمنيها فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله بالمدينة.


سـبيل النجـاة:


في حلية الأولياء 5/ 123: عن أبي إدريس عائذ الله قال: هذه فتنة قد أظلت كحياة البقـر هلك فيها أكثر الناس إلا من كان يعرفها قبل ذلك، وفي الحلية أيضًا 1/ 310: قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان مثلنا في هذه الفـتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة فأخذ بعضهم يمينـًا وشمالا فأخطأ الطريق، وأقـمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلى الله ذلك عنا فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه وأخذنا فيه، وإنما هؤلاء فتيان قريش يقـتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ما أبالي أن يكون لي ما يقـل بعضهم بعضًا بنعلي هاتين الجرداوين. حلية الأولياء1/ 310، وسير أعلام النبلاء3/ 273، نعم رحمه الله، وتبًا لمن استشرف الفتنة واستشرفته.


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتنبه لكلامه: "وقبض الأمانة والإيمان ليس هو قبض العلم، فإن الإنسان قد يؤتى إيماناً مع نقص علمه، فمثل هذا الإيمان قد يرفع من صدره، كإيمان بني إسرائيل لما رأوا العجل، وأما من أوتي العلم مع الإيمان؛ فهذا لا يرفع من صدره، ومثل هذا لا يرتد عن الإسلام قط، بخلاف مجرد القرآن، أو مجرد الإيمان، فإن هذا قد يرتفع، فهذا هو الواقع، لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم وإيمان، أو من عنده إيمان بلا علم وقرآن، فأما من أوتي القرآن والإيمان؛ فحصل فيه العلم، فهذا لا يرفع من صدره، والله أعلم ثم قال: وقد قال الحسن البصري:" العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان"، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده" الفتاوى 18/ 304- 305، ولا يخفاك أن قصدنا بعلم الفتن وفقهها هو الأول.

ومن أخبار الثابتين في مثل هذه الحـوادث:


ما قصه ابن كثير في البداية والنهاية 5/ 243 في خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: وأقبل أبو بكر رضي الله عنه من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد وأقبل مكروبًا حزينا فاستأذن في بيت ابنته عائشة فأذنت له فدخل ورسول الله قد توفي على الفراش والنسوة حوله فخمرن وجوههن واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة، فكشف عن رسول الله فحثى عليه يقبله ويبكي ويقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا توفي رسول الله والذي نفسي بيده، رحمة الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيًا وميتا، ثم غشاه بالثوب ثم خرج سريعًا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه وقام أبو بكر إلى جانب المنبر، ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا، فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد، وقال: إن الله عز وجل نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144] الآية، فقال عمر: هذه الآية في القرآن والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم، وقد قال الله تعالى لمحمد: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30] وقال الله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88] وقال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27] وقال: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 185] وقال: إن الله عمر محمدًا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله ثم توفاه الله على ذلك وقد ترككم على الطريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء، فمن كان الله ربه فان الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا وينزله إلها فقد هلك إلهه، فاتقوا الله أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه وأن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء وبه هدى الله محمدًا وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله، فلا يبغـين أحد إلا على نفـسه، ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله فذكر الحديث في غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.


ومن ذلك كذلك ما رواه صالح بن الإمام أحمد قال: حضرت أبي الوفاة فجلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لحيته فجعل يعرق ثم يضيق ويفتح عينيه ويقول بيده هكذا: لا بعد، لا بعد ثلاث مرات، فقلت: يا أبت إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت، قال: يا بني ما تدري، قلت: لا، قال: إبليس لعنه الله قائم بحذائي عاضًا على أنامله يقول يا أحمد فتني، فأقول: لا حتى أموت.. فرحمهم الله كم كانوا متيقظين لمحال البلاء.
 
ومن أسـباب الانتـكاسـة، رابعـًا:
4. فـتنة المال وطلب الدنيا بعـمل الآخـرة:
ولهذا السبب مظاهر:
منها التوسع في المباحات، وتحكم الآخرين من غير المستقيمين بمعاش المهتدي وحياته، وطلبه إرضاءَهم على حساب دينه، ومنافسة أهل الدنيا ومزاحمتهم، والدخول في الديون والانشغال بالمشاريع والفرح بالأرباح والتخطيط للبعيد.. يتلوه الاستبشار بمصاحبة المترفين والتكالب في دنيا المخذولين، ثم بعد ذلك لا تعـده!

عن حذيفة رضي الله عنه قال: إياكم ومواقف الفتن! قيل: وما مواقف الفـتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه. حلية الأولياء 1/ 277 قال الإمام أحمد: عزيزٌ علي أن تذيب الدنيا أكباد رجال ٍ وعـت قلوبهم القرآن.

أف ٍ لدنيا لا تواتيني إلا بتمزيقي لها عُرى ديني
قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا، ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. صفة الصفوة 2/ 160.

أخي المبارك: هم الذين بدأوا بالزيغ ومالوا لغير مراد الله ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]، وهم الذين كرهوا الاستمرار في الطاعات ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [التوبة: 127] هم الذين تكبروا عن الاستجابة للحق وقد عرفوه ورأوه واضحاً، فكان الجزاء ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ [الأعراف: 146] ثم ماذا؟ تراكمت الذنوب، وأدمنت على النفـور القـلوب ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الفاتحة: 14] تعلقوا بالدنيا وأخلدوا إليها يقول الله تعالى عن أحد المنتكسين على أدبارهم ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: 175، 176].

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضي وإن منع سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقـش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كانت الحراسة كان في الحراسة، وإن كانت السقاية كان في السقاية، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع".

ومما يشـهد لهـذا المعنى من أخبـار التاريخ:
في الكامل 1/ 156 لابن عدي في ذكر أمر قارون: قال قتادة: كان يسمى المنور من حسن صورته، وجاء أنه كان حسن الصوت بالتوراة. (وفي تاريخ الطبري 1/ 265 بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ﴾ [القصص: 76] قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية، والمنتظم (حتى 257هـ) 1/ 366 وكان قارون وهو ابن عم موسى بن عمران عظيم المال كثير الكنوز قيل إن مفاتيح خزائنه كانت تحمل على أربعين بغلا، فبغى على قومه بكثرة ماله فوعظوه ونهوه وقالوا له ما قص الله تعالى في كتابه: ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 76، 77]، فأجابهم جواب مغتر لحلم الله عنه فقال: إنما أوتيته يعني المال والخزائن على علم عندي قيل على خبر ومعرفة مني وقيل لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، فلم يرجع عن غيه ولكنه تمادى في طغيانه حتى خرج على قومه في زينته وهي أن ركب برذونا أبيض بمراكب الأرجوان المذهبة وعليه الثياب المعصفرة وقد حمل معه ثلاثمائة جارية على مثل برذونه وأربعة آلاف من أصحابه وبنى داره وضرب عليها صفائح الذهب وعمل لها بابا من ذهب فتمنى أهل الغفلة والجهل مثل ماله فنهاهم أهل العلم بالله، وأمره الله تعالى بالزكاة من كل ألف دينار دينار، وعلى هذا: من كل ألف شيء شيء فلما عاد إلى بيته وجده كثيرا فجمع نفرا يثق بهم من بني إسرائيل فقال إن موسى أمركم بكل شيء فاطعتموه وهو الآن يريد أخذ أموالكم فقالوا أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت فقال آمركم أن تحضروا فلانة البغي، فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها ففعلوا ذلك فأجابتهم إليه ثم أتى موسى فقال إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم فقال من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة وأن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ فقال نعم قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فقال ادعوها فإن قالت فهو كما قالت فلما جاءت قال لها موسى أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة ألا صدقت أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء قالت لا كذبوا ولكن جعلوا جعلا على أن أقذفك، فسجد ودعا عليهم فأوحى الله إليه مر الأرض بما شئت تطعك فقال يا أرض خذيهم ... فهو يخسف به كل يوم قامة.

ومن حب الترأس أيضًا الاغترار بفتنة الأتباع: في تفسير ابن كثير 2/ 266
عن ابن عباس قال: لما نزل موسى بالجبارين ومن معه أتى بلعام بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم؛ فسلخه الله ما كان عليه؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ [الأعراف: 175].

سـبيل النجـاة:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: يا معاشر العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن، قال: فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقـلدوه دينكم وإن فتن فلا تقطعوا منه آمالكم فإن المؤمن يفـتن ثم يتوب، وأما القرآن فمنار كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحدا وما شككتم فيه فكلوه إلى عالمه أو كلوا علمه إلى الله، وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح ومن لا فليس بنافعة دنياه كذا رواه شعبة موقوفًا وهو الصحيح، وروى بعض هذه الألفاظ مرفوعا عن معاذ.

ومن أخبار الثابتين في فـتنة السـراء:
ما ذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة4/ 140
عن أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك إن إسماعيل ابن علية قد ولى الصدقات، فكتب إليه ابن المبارك:

يا جاعل العلم له بازيًا
space.gif

يصطاد أموال المساكين
space.gif


احتلت للدنيا و لذاتها
space.gif

بحيلة تذهب بالدين
space.gif


فصرت مجنونًا بها بعد ما
space.gif

كنت دواء للمجانين
space.gif

أين رواياتك في سردها
space.gif

عن ابن عون و ابن سيرين
space.gif

أين رواياتك و القول في
space.gif

لزوم أبواب السلاطين
space.gif

إن قلت أكرهت فماذا كذا
space.gif

زل حمار العلم في الطين
space.gif


فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى.
 

ومن أسـباب الانتـكاسـة، السبب الخامس:
5. التخلخل في المعـتقـد وعـدم اليقـين بوعـد الله:
وهذا التذبذب المبكر ولد التقهقر فأثمر التضعضع ثم فجر الانتكاسة، ولهذا التخلخل مظاهر مبكرة:
منها عدم إبراز الشخصية المستقيمة السنية للناس؛ فتجده يستحيي أن يعرف الناس أنه من أهل الاستقامة، ومنها الحياء من التصريح بالدعوة فضلا عن نشرها، ومحاولة الانفراد عن الشباب الصالحين والبعد عنهم، ومجاملة أعداء الله ومداهنتهم بما يشوش أو يشوه سمعة الدعاة إلى الله، والخوف من غير الله قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت: 10].

قال ابن عقيل الحنبلي في الفنون: من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلون يراعي به أحوال الرجال. الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 263، يقول أحد السلف: ما رجع من رجع إلا من الطريق، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا.

ومما يشـهد لهـذا المعنى من أخبـار التاريخ:
ما جاء من خبر الرجال بن عنفـوة:
في تاريخ الطبري 2/ 279، قال ابن جرير: وكان الرجال رجلا من بني حنيفة قد كان أسلم وقرأ سورة البقرة فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله قد كان أشركه في الأمر فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة، وقال ابن كثير في البداية والنهاية6/ 323 وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة حتى اتبعوا مسيلمة لعنهما الله، وقد كان الرجال هذا قد وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الإسلام، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة، وفي الإصابة 2/ 539 لابن حجر قال: وكان الرجال يقول كبشان انتطحا فأحبهما إلينا كبشنا يعني مسيلمة ورسول الله، نعوذ بالله من الزيغ.

سـبيل النجـاة:
لو صدقنا الله لعلمنا أخي الكريم: أن صدق الإيمان وحرارة الاستقامة وعظم التضحيات من أعظم التحصينات ضد سبيل الانحراف، في حديث أبي سفيان وهرقل الطويل حين سأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. فقال له هرقل بعد ذلك: وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، رواه البخاري/ 7.

ومن أخبار الثابتين في فـتنة الضراء:
ما جاء في ترجمة حبيب بن زيد بن عاصم الأنصاري الأزدي رضي الله عنه من بني النجار من حلية الأولياء1/ 355 ونسبه إلى أهل الصفة وصحف وإنما هو من أهل العقبة، قال: أخذه مسيلمة الكذاب فجعل يقول له أتشهد أن محمدًا رسول الله فيقول: نعم، فيقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع، فقطعه مسيلمة!. وهو ثابت على دينه، لا يبتغي به بدلا.
 
عودة
أعلى