التقديم والتأخير في القرآن الكريم/د.فاضل السامرائي

إنضم
03/01/2021
المشاركات
302
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
images






التقديم والتأخير في القرآن الكريم

الدكتور فاضل السامرائي
يمكننا تقسيم أحوال التقديم والتأخير على قسمين:

الأول: تقديم اللفظ على عامله نحو: (خالدا أعطيت)، و (بمحمد اقتديت)
الثاني: تقديم الألفاظ بعضها على بعض في غير العامل وذلك نحو قوله تعالى: "وما أهل به لغير الله" البقرة، وقوله: "وما أهل لغير الله به" المائدة، ومثل: (أعرت خالدا كتابي)، و(أعرت كتابي خالدا)

أولاً: تقديم اللفظ على عامله:
ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله وتقديم الحال على فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الاختصاص فقولك (أنجدت خالداً) يفيد أنك أنجدت خالداً ولا يفيد أنك خصصت خالداً بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحداً معه. فإذا قلت: خالداً أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالداً بالنجدة وأنك لم تنجد أحداً آخر.
ومثل هذا التقديم في القرآن كثير:

إياك نعبد
**فمن ذلك قوله تعالى :{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }" (الفاتحة) ، فقد قدّم المفعول به إياك على فعل العبادة وعلى فعل الاستعانة دون فعل الهداية قلم يقل (إيانا اهد) كما قال في الأولين، وسبب ذلك أن العبادة والاستعانة مختصتان بالله تعالى فلا يعبد أحد غيره ولا يستعان به. وهذا نظير قوله تعالى: { بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)} (الزمر) وقوله : { وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)} (البقرة) فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى.

وعلى الله فليتوكل المؤمنون:
** ومثل التقديم على فعل الاستعانة قوله تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)}(إبراهيم) وقوله: { على الله توكلنا ربنا }(الأعراف) وقوله:{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}(هود) فقدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص وذلك لأن التوكّل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده.
ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقل : (إيانا اهد) كما قال إياك نعبد، وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الاختصاص إذ لا يصح أن تقول: اللهم اهدني وحدي ولا تهد أحداً غيري أو خُصني بالهداية من دون الناس. وهو كما تقول: اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك ولم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحدا غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه.

** ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)}(الملك) فقدم الفعل (آمنا) على الجار والمجرور (به)، وأخّر (توكلنا) عن الجار والمجرور (عليه) وذلك أن "الإيمان لما لم يكن منحصراً في الإيمان بالله بل لا بد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الأخر وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل فإنه لا يجوز إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين، قدّم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لأن غيره لا يملك ضراً ولا نفعاً فيتوكل عليه" (البرهان 2 / 412 ، وانظر التفسير الكبير 30 / 76).

إلى الله تصير الأمور:
**ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: { أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)}(الشورى) لأن المعنى هو أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره. ونحو قوله تعالى { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)}(الغاشية) . فإن الإياب لا يكون إلا إلى الله وهو نظير قوله تعالى { إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ (36)}(الرعد) وقوله {إلَى رَبّكَ يَومئذٍ المَساق (32)}(القيامة) فالمساق إلى الله وحده لا إلى ذات أخرى، وهذا ليس من التقديم من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي كما ذهب بعضهم (انظر الطراز 2/71) ، بل هو لقصد الاختصاص نظير قوله تعالى { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا (4)}(يونس) وقوله { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (123)}(هود) وقوله { وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)}(الأنبياء) وغير ذلك من الآيات.

إليه يرد علم الساعة:
** ومن هذا الباب قوله تعالى { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (47)}(فصلت) فعلم الساعة مختص بالله وحده لا يعلمه أحد غيره، ونحوه قوله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (34)}(لقمان) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الآية السابقة.

وعنده مفاتح الغيب:
** ونحوه قوله تعالى:{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (59)}(الأنعام) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغيب) وذلك لاختصاصه سبحانه بعلم الغيب، ألا ترى كيف أكد ذلك الاختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القصر فقال: لا يعلمها إلا هو؟

وقد يكون التقديم من هذا النوع لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أن يفيد الاختصاص.

ونوحا هدينا:
ومن التقديم الذي لا يفيد الاختصاص قوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ (84)}(الأنعام) فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحاً وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)}
( الضحى) إذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل، وإنما هو من باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنة القهر، فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما.

ثانياً: تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل:
إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير.

فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة للعناية بها والاهتمام دون تبيين مواطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.

فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم السماء على الأرض هنا؟ قلت لأن الاهتمام بالسماء أكبر.
ثم إذا قيل لك ولماذا قدم الأرض على السماء في هذه الآية؟
قلت لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر.
فإذا قيل ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض هنا أكبر؟
وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين بحيث تبين أنه لا يصح أو لا يحسن تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت فيه الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى.

أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق.

إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أوتوا حظاً من معرفة مواقع الكلم وليس ادعاء يدعى أو كلمة تقال.

وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن ـ كما في غيره ـ الذروة في وضع الكلمات الوضعَ الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة.

إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف.

يتبع


12871115945.gif


 
إن القرآن ـ كما ذكرت ـ يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام مثلاً متدرجاً حسب:

القدم والأولية في الوجود : فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}(الذاريات) فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى: { وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) }(الحجر) فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم.

** ونحو قوله تعالى {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ..(255)}(البقرة) لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم (انظر كتابنا (معاني النحو) ـ باب العطف ) ، فبدأ بالسنة ثم النوم.

عاد وثمود :
** ومن ذلك تقديم عاد على ثمود (الإتقان 2 / 15)، قال تعالى : { وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ (38)}(العنكبوت) فإن عاداً أسبق من ثمود.

الليل والنهار /الظلمات والنور:
** وحعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور(الإتقان 2 / 15) ، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33)}( الأنبياء) فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)}(النور) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ(1)}(الأنعام) وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.

عزيز حكيم
قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم : { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)}(الحشر) قالوا لأنه عزّ فحكم.( الإتقان 2/14).

القوة والعزة
** ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب، فالقوة أول قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }[(40) و(74)(الحج)] وقال (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)}(الأحزاب).

** وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف :
منه تقديم الله سبحانه في الذكر(الإتقان 2/14) ، كقوله تعالى { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)}(النساء).
فقدم اللهَ على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم.

النبيين والصديقين:
كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل، ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل قلّ صنفهم.
** ومن ذلك قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)}(الأحزاب) فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم (انظر الكشاف 2/531) .

السمع والبصر:
** وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)}( الشورى) و { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)}(غافر) وقال سبحانه: { إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)}( الإسراء) و {هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)}(غافر) وقال تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)}(الإنسان) فقدم السمع على البصر.
وقال عز وجل:{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)}(الفرقان) فقدّم الصم وهم فاقدو السمع على العميان وهم فاقدو البصر. قالوا لأن السمع أفضل. (انظر البرهان 3/254 ) ، قالوا والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يبعث نبياً أصم ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب فإنه عمي لفقد ولده.
والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر، ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها وتيسير استيعابه لها كالبصير، غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة. فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى، ولذا كان العميان علماء كبار بخلاف الصم. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى.
ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجاً من القصر إلى الطول في المدى، ولذا حين قال موسى في فرعون { قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)}(طه) قال الله تعالى: { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)}(طه) فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريباً منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيداً وإن كان الله لا يندّ عن سمعه شيء.

وقد يكون التقديم بحسب الرتبة

هماز مشاء بنميم:
وذلك كقوله تعالى { فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)}(القلم) "فإن الهمّاز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص."( البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن 292) .
فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين، وهذه مرتبة بعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الاعتداء فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء.
ثم ختمها بقوله: (أثيم) وهو وصف جامع لأنواع الشرور فهي مرتبة أخرى أشد إيذاءً. جاء في (بدائع الفوائد) : "وأما تقدم (همّاز) على (مشّاء بنميم) فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضاً لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره."( بدائع الفوائد 1/62).

السميع العليم:
** وجعلوا من تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى :{ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}(البقرة) وقوله سبحانه: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)}(الأنفال) وذلك أنه "خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما يقرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من سمع حسك وخفيّ صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقاً بما ظهر وبطن وواقعاً على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم."( بدائع الفوائد 1/74، البرهان 3/249).
ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.

الغفور الرحيم:
** وجعلوا منه أيضاً تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}(البقرة) في آيات كثيرة وقوله سبحانه: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}(النساء) قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن" المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله عز وجل: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)} فالرحمة شملتهم جميعاً والمغفرة تخص بعضاً. والعموم قبل الخصوص بالرتبة"(البرهان 3/249، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن 295 ـ 296) .

وإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم، وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعمّ.

الجباه والجنوب والظهور
** ومن التقديم بالرتبة أيضاً قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة : { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)}(التوبة) فبدأ بالجباه ثم الجنوب ثم الظهور "قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم" (الكشاف 2/38) ، فتدرج حسب الرتبة.

وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة
فقد يرتب المذكورات متدرجاً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام :
 
الطائفين والعاكفين والركع السجود:

وذلك نحو قوله { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}(البقرة) فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عموماً. والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة، أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد . والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم أن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجود ليس له ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر. فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة. (انظر بدائع الفوائد 1/65 ، والبرهان 3/250، وانظر معاني النحو ـ باب العطف) .
ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}(البقرة) فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عموماً، ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض.
ونحوه قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)}(الحج) فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهو أكثر، ثم عبادة الرب وهو أعمّ، ثم فعل الخير.

وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة

القنوت والسجود والركوع :
وذلك نحو قوله تعالى: { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}(آل عمران) فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة، ثم السجود وهو أثل وأخص، ثم الركوع وهو أقل وأخص (بدائع الفوائد 1/8 ).

كافر ومؤمن:
ومنه قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)}( التغابن) فبدأ بالكفار لأنهم أكثر أو هو إشارة إلى أنه سيبدأ بذكر الكافرين ثم بذكر المؤمنين بعدهم فقد قال بعد هذه الآية: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5)}(التغابن) .
وقال: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)}(التغابن)
ثم قال بعد ذلك: "{ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...(9)}(التغابن)
فقدم الكلام على الكافرين ثم ذكر المؤمنين بعدهم كما فعل في الآية التي ذكرناها أولا. ولا يناقض هذا ما ذكرناه في تعليل التقديم ولا يخالفه من أن التقديم ههنا إنما جرى بحسب الكثرة والقلة إذ ربما كان أكثر من ملحظ للتقديم والتأخير. فقد تعاضد على ذلك أمران كلاهما يقتضي التقديم، وهو تعاضد فني رفيع. قال تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)}(يوسف).

ظالم ومقتصد :
ونحوه قوله تعالى { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)}(فاطر) فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثم السابقين وهم أقل.( انظر الإتقان2/15) ، جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت : لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثر الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل." (الكشاف 2/578) .
ألا ترى كيف قال الله تعالى في السابقين: { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}
( الواقعة) إشارة إلى ندرة وقلة وجودهم؟

السارق والسارقة :
قالوا: ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (38)}
( المائدة) قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر.

الزانية والزاني:
وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ (2)}(النور) لأن الزنى فيهن أكثر.( الإتقان 2/15) .
ألا ترى أن قسماً من النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشية ابن المنير على (الكشاف) قوله: "وقدم الزانية على الزاني والسبب فيه أن الكلام الأول في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع والكلام،"(حاشية ابن المنير 2/373 ـ 374) ، "ولأن مفسدته تتحقق بالإضافة إليها" (تفسير البيضاوي 462) .

وقد يكون التقديم لملاحظ أخرى تتناسب مع السياق فنراه يقدم لفظة في موضع ويؤخرها في موضع آخر بحسب ما يقتضي السياق.

النفع والضر :
** فمن ذلك تقديم لفظ الضررعلى النفع وبالعكس قالوا: إنه حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع. قال تعالى :
{ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (188)}(الأعراف) فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه في قوله :
{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)}(الأعراف) ،فقدم الهداية على الضلال، وبعد ذلك قال سبحانه:
{ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)(الأعراف) فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق.
وقال عز وجل: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (49)}(يونس) ،
فقدّم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية:
{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)}(يونس)
وقال سبحانه:
{ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ (12)}(يونس).
فقدم الضر على النفع في الآيتين . ويأتي بعد هذه الآية قوله:
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50)}(يونس) ، فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا.
وقال جل شأنه:{ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا(16)}( الرعد) فقدّم النفع على الضرر، قالوا: وذلك لتقدم قوله تعالى:
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15)}(الرعد) فقدم الطوع على الكره.
وقال: { فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا (42)}(سبأ) فقدم النفع على الضر قالوا: وذلك لتقدم قوله :
{ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَه(39)}(سبأ) فقدم البسط.
وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين. (انظرالبرهان 1/122 ، البرهان للكرماني 197 وما بعدها 349 درة التنزيل 209) .

الرحمة والعذاب:
** ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى :
{ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ (18)}(المائدة)
وقوله:{ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)}(فصلت)
وقوله: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)}(غافر)
وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى :" إن رحمتي سبقت غضبي"

وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيباً وزجراً. من ذلك قوله تعالى في سورة المائدة :
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)}
لأنها وردت في سياق ذكر قطاع الطرق والمحاربين والسرّاق فكان المناسب تقديم ذكر العذاب وذلك أنها وردت بعد قوله تعالى:
{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (32)}
فقدم القتل على الإحياء ثم قال بعدها :
{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)} ثم جاء بعدها :
{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} ،
ثم جاء بعدها قوله تعالى :
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)}.
فأنت ترى أن المناسب ههنا تقديم العذاب على المغفرة. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى:
{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } إلى قوله : { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } ،
"فإن قلت لم قدم التعذيب على المغفرة؟
قلت لأنه قوبل بذلك تقديم السرقة على التوبة"(الكشاف 1/460، وانظرملاك التأويل 1/138 وما بعدها، 1/252 وما بعدها) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت :
{ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21)}، وذلك لأنها في سياق إنذار إبراهيم لقومه ومخاطبة نمرود وأصحابه وأن العذاب وقع بهم في الدنيا. (انظر البرهان 4/63 ـ 64، البرهان للكرماني 111،370) فقد أنذر إبراهيم قومه، قال تعالى:
{ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) ثم قال:
{ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)} وهددهم بعد بقوله :
{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) } فترى أن السياق يقتضي تقديم العذاب هنا.

وقد يكون التقديم والتأخير على نمط غير الذي ذكرت من تقديم الضرر والنفع والعذاب والمغفرة وغيرها من الخطوط العامة.
فقد يقدم لفظة في مكان ويؤخرها في مكان آخر حسبما يقتضيه السياق.


فجاجا سبلا :
**فمن ذلك قوله تعالى :
{ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}(الأنبياء)
وقوله:
{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)}(نوح) فقدم الفجاج على السبل في الآية الأولى وأخرها عنها في آية نوح وذلك أن الفجّ في الأصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبلين، فلما تقدم في آية الأنبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك بخلاف آية نوح فإنه لم يرد فيها ذكر للجبال فأخرها. فوضع كل لفظة في الموضع الذي تقتضيه.

قتلتم أو متم:
**ومثل ذلك قوله تعالى :
{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}(آل عمران)
فقدم القتل على الموت في الآية الأولى وقدم الموت في الآية التي تليها
وسبب ذلك والله أعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى :{ في سبيل الله }وهو الجهاد قدم القتل إذ هو المناسب لأن الجهاد مظنّة القتل، ثم هو الأفضل أيضاً ولذا ختمها بقوله : { لمغفرة من الله ورحمة } فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله.
ولما لم يقل في الثانية { في سبيل الله } قدم الموت على القتل لأنه الحالة الطبيعية في غير الجهاد ثم ختمها بقوله { لإلى الله تحشرون } إذا الميت والمقتول كلاهما يحشره الله إليه. فشتان ما بين الخاتمتين. فلم يزد في غير الشهيد ومن مات في سبيل الله على أن يقول : { لإلى الله تحشرون } وقال في خاتمة الشهيد : { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } فوضع كل لفظة الموضع الذي يقتضيه السياق.
 
عودة
أعلى