طارق مصطفى حميدة
New member
الأنعام وسورة الأنعام.. نحو نظرية قرآنية( 4)
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
طارق مصطفى حميدة
مركز نون لللدراسات القرآنية – فلسطين
- عندما يحرمون على أنفسهم نعمة الله!!
وعلى الرغم من أن هذه النعمة الجليلة من أجل النعم وأجلاها وأدعاها لتذكر خالقها وخالقهم المنعم بها عليهم، وتوحيده، فقد جعلها الكثيرون مدخلهم للشرك والكفر.
ومع أن رب العزة سبحانه قد جعل الأنعام أقل عقلاً وأضعف حيلة، وأقل ذكاء من الإنسان بل ومن نظيراتها غير المستأنسة، ليكون ذلك أعون للبشر على تذليلها والانتفاع بها، وليقدروا نعمة الله عليهم وتفضيله لهم على كثير من خلقه بالعقل والعلم والكرامة والتسيد في الأرض، بالرغم من كل ذلك فقد اتبع كثير منهم أذناب الأنعام، وتمتعوا وأكلوا كما تأكل أنعامهم وتتمتع، ونسوا مراد الله تعالى من خلقهم، فكانوا أضل من الأنعام سبيلاً، وكان منهم من عبدها من دون الله تعالى.
ولقد حذرنا سبحانه من الشيطان الرجيم الذي غاظه تكريم الله تعالى آدم وذريته عليه، وأثار فيه مشاعر الحسد والعداوة ضدهم وتوعدهم ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [ الإسراء: 62]، وأكد في موطن آخر: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[ الأعراف: 16، 17]، واستهدف موضوع الأنعام بحرب خاصة فتوعد بالقول: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾[ النساء: 119].
ذلك أن الشيطان وهو يتحدث عن خطته في حربه العدوانية ضد بني آدم، قد أكد أنه لن يدخر جهداً في إضلالهم عن سبيل السعادة في الدارين، وأنه سيعدهم الوعود الزائفة ويمنّيهم بالأمانيّ الكاذبة في مقابل وعود الله تعالى في كتبه وعلى ألسنة رسله، وحيث إن الأنعام كما سبق القول من أعظم نعم الله تعالى على البشر وأجلاها وأظهرها دلالة على نعمة ربهم، وأجدرها بذكر الله تعالى وشكره، فقد كان للشيطان تهديد خاص أن يحرمهم هذه النعمة ويجعل منها مدخلاً لنسيان المنعم سبحانه وشكر غيره والتسمية بغير اسمه، وهو ما ستعرضه السطور التالية بإذنه تعالى.
الشرك والعقيدة الفاسدة أساس كل الشرور
تكاد تكون سورة الأنعام أكثر السور القرآنية تنديداً بالذين حرموا على أنفسهم نعمة الأنعام والانتفاع بها، ولعل الجذر اللغوي (حرم) هو الأكثر وروداً في السورة الكريمة، وقد جاء موضوع الأنعام في سورة الأنعام في سياق التنديد والتسفيه والتهديد وتأكيد الخسران.
يقول سبحانه: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142)﴾.
ويمكن تلخيص أهم سفاهات المشركين والجرائم التي يتسببون فيها لأنفسهم ولغيرهم جراء شركهم وعقائدهم الفاسدة في النقاط الآتية:
أولاً: أنهم لا يقدرون الله تعالى حق قدره، فيساوون بينه وبين المخلوقين، بل ويقدمون المخلوقين عليه تعالى، حيث تستهجن أولى الآيات أن يفرزوا لله تعالى نصيباً من الحرث والأنعام التي خلقها الله تعالى لهم، وهو سبحانه الغني عن الطعام والشراب وكل ما يحتاجه المخلوقون للبقاء ﴿ وهو يُطعِم ولا يُطعَم﴾، ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أي يُطعِمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾.
ثم لا يلبثون بعد أن يجعلوا لله تعالى نصيباً وللشركاء المزعومين نصيباً أن يجوروا على نصيبه تعالى!! فيقتطعوا منه لشركائهم، ولكن نصيب الشركاء لا يمكن انتقاص شيء منه!؟.
ثانياً: أن اعتقاداتهم الفاسدة تجعلهم يمارسون أنواعاً من التكبر والتعالي والسلوك الطبقي بين المجموعات البشرية، حيث جعلوا نصيباً من الحرث والأنعام ممنوعاً ومحجوراً على العامة، ولا يكون إلا للخواص ربما من السدنة والكهنة أو كبراء القوم، بحسب مشيئتهم وأهوائهم وأمزجتهم.
ثم يمارسون عنصرية ثانية فيخصون الذكور بما في بطون الأنعام ويحرمونها على أزواجهم، ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا﴾، ولنلاحظ أنهم جعلوا الأزواج وليس الإناث، في مقابلة الذكور، وفي ذلك بيان لشدة ظلمهم وانتقاصهم حتى لشقائقهم وأزواجهم اللواتي يشاطرنهم حياتهم ومعيشتهم، بدلاً مما جعله تعالى بينهم من المودة والرحمة.
ثالثاً: في الوقت الذي يحرم المشركون فيه على أنفسهم أو بعض فئاتهم الانتفاع بأكل ما طاب من الأنعام أو الركوب عليها تجدهم يبادرون إلى الاشتراك في أكل لحم الميتة الخبيث الضار:﴿ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
رابعاً: ثم هم لا يتوقفون عند هذه السفاهات والتحيزات الظالمة، فإذا هم يحرمون ركوب عدد من الأنعام على أنفسهم، بمختلف الدعاوى، وقد خلقها الله تعالى لهم لأجل الانتفاع بها في الركوب وغيره، فيُشْقون أنفسهم بحرمانها من الانتفاع بها بالتنقل والركوب وحمل أمتعتهم وأثقالهم، ﴿ وأنعام حُرمت ظهورها﴾.
خامساً: تعمدهم عدم ذكر اسم الله تعالى على أنعام مخصوصة، وكان الحري بهم وبكل الناس أن تكون الأنعام أعظم مداخلهم لذكر الله تعالى وشكره وتوحيده وعبادته ﴿ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه﴾.
وتُظهر هذه الآية وأخواتها جريمة الجرائم وأصل الفساد والظلم في تصرفاتهم تلك، أنهم ينسبون إليه تعالى أحكامهم وممارساتهم الشاذة الظالمة ويفترون عليه سبحانه زاعمين أن هذا وحيه وأمره، وقد تكرر في الآيات الرد على تلك المزاعم في مثل قوله عز وجل ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، ﴿ وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
وهذا من تلبيس الشياطين على الناس أمر دينهم ليمرروا عليهم تحريم الطيبات وقتل الأبناء والشرك باسم الله تعالى، مستغلين الفطرة التي لا تقبل شيئا إلا باسمه تعالى.
- تحريم الحلال أشد من انتهاك المحرم!
ومن قبل، وفي مطلع سورة المائدة ﴿ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، بمعنى أن الأصل في شأن الأنعام حلها للناس وليس تحريمها عليهم، خلافاً لصنيع أهل الشرك، وقد أدرك الشيطان منذ فجر البشرية أهمية الأنعام بالنسبة لبني آدم وجلال تلك النعمة فقرر أن يحرمهم منها ويجعلها عليهم نقمة، ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾[ النساء: 119]، وذلك بأن يأمرهم الشيطان بتبتيك آذان الأنعام أي شقها وتقطيعها وفي ذلك أولاً إيلام وتشويه للأنعام، ولا يبعد أن يؤدي ذلك إلى بعض الأضرار للأنعام نتيجة الإضرار بحاسة السمع، وربما كان ذلك من أقلها، وتبتيك الأنعام كذلك علامة على تسييبها وإطلاقها ومنع الانتفاع بها، وجاء بعدها تهديد الشيطان بأنه سيأمرهم بتغيير خلق الله تعالى، وهذا كما يبدو من باب عطف العام على الخاص، أي أن تبتيك آذان الأنعام هو مظهر من مظاهر تغيير خلق الله، هذا في الجانب الخَلقي المادي، ويدخل فيه اليوم التلاعب الجيني في النبات والحيوان والإنسان، وقد ذكر العلماء في تفسير تغيير خلق الله معنى تغيير دينه والفطرة التي فطر الناس عليها بأن يحرموا الحلال ويحلوا الحرام.
ومن هنا لا نستغرب العدوان على الأنعام في مثل مصارعة الثيران أو مطاردة الإبل في أستراليا، أو تحريم الانتفاع بالثروة الحيوانية بشتى الذرائع الفلسفية والدينية ودعاوى الرفق بالحيوان وجماعات النباتيين وغير ذلك.
وتشديد النكير على الذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات، ربما لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم تضييق وتشديد على الناس في حياتهم وعيشهم، والتحريم باسم الله تعالى يؤدي إلى أن يبغض المخلوقون ربهم الذي حرمت باسمه تلك الطيبات، فيدفعهم ذلك إلى الاجتراء على الرب وانتهاك محارمه والكفر به، فيما انتهاك المحرم أو حتى استحلاله باعثه الضعف والشهوة غالباً.
سادساً: يلفت الانتباه جمع المشركين في التحريم على أنفسهم بين منافع الأنعام، والأطعمة ذات المنشأ الزراعي سفهاً من عند أنفسهم، واتباعاً منهم لشياطين الإنس والجن الذين يريدون لهم السقوط والتردي والانهيار، في مثل قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لله فهو يصل إلى شركائهم وما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله﴾، ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾، لذلك أعاد سبحانه التأكيد على أنه تعالى وحده الذي أنشأ الجنات وأشجارها وثمارها وأمرهم بالأكل منها عندما تثمر وعدم حرمان أنفسهم بتحريم شيء منها، وإنما أداء حقها يوم الحصاد وعدم الإسراف ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
وبعد هذه الحملة والتنديد والنكير الشديد على أولئك الذين يحرمون على الناس، والتأكيد على أن ذلك محض افتراء على الله، وافتئات على أحقيته سبحانه في التحليل والتحريم والحكم والتشريع، تأتي هذه المجموعة من الآيات التي اصطلح على تسميتها بالوصايا العشر، وربما كان أول من أطلق الوصف الشيخ محمود شلتوت الشيخ الأسبق للأزهر، سيما وأنها عشر وقد جاء تذييل الآيات الثلاث التي تضمنتها بقوله سبحانه ﴿ ذلكم وصاكم به لعلكم .. ﴾.
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[ الأنعام: 151- 153].
وقد أفاض العلماء والباحثون في استخراج درر هذه الآيات الكريمة، لكن سأقف عند بعض الملحوظات .. وأول ما يلفت النظر بشأن هذه الوصايا أمر الله تعالى نبيه ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، والدلالة الأولى نستفيدها من لفظة ﴿ قل﴾ التي جاءت في صدارة الآيات، كما وردت في السورة الكريمة بضعاً وأربعين مرة، بمعنى أن أي أمر بالتحليل والتحريم من الله تعالى لا بد أن يكون له مستند من الوحي، وأي دعوى بنسبة تشريع إلى الله سبحانه لا تقبل بلا دليل على تنزله بالوحي من ربهم، وجاءت دعوتهم أن ﴿ تعالوا ﴾ وأصل التعالي من الارتفاع والترقي ثم شاعت في مجرد طلب القدوم، وكأن الآيات تطالب المشركين خاصة والناس بعامة أن غادروا القيعان التي ترتكسون فيها وهلموا لترتفعوا إلى مراقي السعادة والفلاح بالاستجابة لوحي ربكم، واختار لفظة ( ربكم) هنا دون لفظ الجلالة كما يبدو، لنفي ما يفتريه المشركون باسم رب العزة مما يحرمون ويشرعون، من جهة، ومن جهة أخرى لبيان أن غاية تشريعات الله تعالى وأحكامه فيما أحل وحرم هي تربية البشر وترقيتهم ورفعتهم، وليس حرمانهم الطيبات ولا تعذيبهم والإضرار بهم.
وثانية الملاحظات أن المستمع للآيات ربما كان يتوقع تفصيلاً في محرمات الطعام والأنعام على وجه الخصوص، لكن المفاجأة أنه لا حديث البتة عن هذه المحرمات ولا عن الأنعام في هذه الوصايا، اكتفاء بما سبق من الحديث عن الموضوع في هذه السورة الكريمة وغيرها .. وكأن رب العزة يريد أن يقول للناس إن موضوع الطعام على أهميته، ليس هو مقصد الحياة ولا غاية الوجود، وقصارى الأمر أنه وقود المسير وزاد الطريق ووسيلة البقاء، ومتعة السفر في هذه الحياة الدنيا، لكنكم مخلوقون لغاية أسمى وهي الخلافة في الأرض بكل ما تقتضيه من التمسك بالتوحيد والدعوة إليه والحفاظ على المجتمع الإنساني أصولاً وفروعاً وصغاراً وكباراً وأقارب وأيتاماً، والتمسك بالعدل والوفاء بالعهود واتباع صراط الله المستقيم والحيدة عن اتباع السبل..
والملحوظة الثالثة أو المفاجأة المدهشة الأخرى، أن الوصايا العشر ليست جميعها محرمات، وإنما شطرها فقط فيما الشطر الثاني أوامر، مع أنها صُدّرت بقوله سبحانه ( تعالوا أتل ما حرم ربكم )، وكأن المطلوب إعادة برمجة العقل البشري الذي لوثه الشرك والأوهام والظن بأن الأصل في دين الله الحظر والمنع، وتصويب ذلك بالتأكيد أن الأمر على النقيض، والأصل في الأشياء الإباحة، وأن الحظر والتحريم هو الاستثناء، وما كان الله تعالى ليكلف الناس بالخلافة في الأرض ثم يكبلهم بالمحظورات، ويقيدهم ويعذبهم بالمحرمات، وقد كان ذلك جلياً منذ اللحظة الأولى حين أُمر آدم وزوجه بالأكل من كل شجر الجنة سوى واحدة فقط لترسيخ هذا المعنى.
ويلاحظ رابعاً ختم الآيات الثلاثة بقوله تعالى: ( ذلكم وصاكم به) واسم الإشارة ذلكم للبعيد؛ إظهاراً لعلو شأن هذه الوصايا من ربكم العظيم الذي يريد خيركم مقارنة بما يشرعه لكم الشركاء والشياطين، وكونها وصايا لبيان عظمة الموصى به، وشدة الحرص على مصلحة الموصى، فضلاً عن عظمة ربكم الموصي سبحانه وحكمته ورحمته بكم.
وكانت المجموعة الأولى من الوصايا ( لعلكم تعقلون) فيما تشريعات الشركاء سفاهة وجهالة وضرر، والمجموعة الثانية ( لعلكم تذكرون)، وما أكثر ما ينسى الإنسان بدهيات الأمور فيحتاج التذكر، والوصية الأخيرة ( لعلكم تتقون) والتقوى عبارة جامعة، وقد ذكر بعضهم أن العقل يفضي إلى التذكر، والتذكر يؤدي إلى التقوى.
وليس بقدرة المخلوق الإحاطة بمراد الرب، والحمد لله على ما وفق وأعان.