طارق مصطفى حميدة
New member
الأنعام وسورة الأنعام ( 3 )
نحو نظرية قرآنية
نحو نظرية قرآنية
طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية - فلسطين
- معاً حتى قيام الساعة ... الإنسان والأنعام!!
تكرر قوله سبحانه (متاعاً لكم ولأنعامكم) حرفياً في السورتين المتتاليتين: النازعات وعبس، وجاء بعده في النازعات (فإذا جاءت الطامة الكبرى)، وفي سورة عبس جاء بعده قوله تعالى (فإذا جاءت الصاخة).
فأما المتاع ففيه معنى الانتفاع والتلذذ وامتداد الزمن، ما يعني أن الأنعام سترافق الإنسان من مطلع فجر البشرية وحتى غروبها، لأن قيام حياة الناس ومعيشتهم يرتكزان على وجود الأنعام ولا غناء بهم عنها، وذلك حتى قيام الساعة، كما أن الأنعام بما فطرها الله عليه من ضعف الملكات العقلية مقارنة بغيرها من الحيوانات غير المستأنسة، وعجزها عن تدبير شؤون معيشتها وحماية نفسها لا تملك إلا أن تكون رفيقة للبشر لاحتياجها لهم، في الحواضر والأسفار.
وسيتكرر في القرآن الكريم لأجل تقدير قيمة الأنعام وضرورة رعاية الإنسان الدائمة لها، الحديث عن تسخيرها للبشر وتمليكها لهم، وأن الله تعالى قد قدر من المياه والأقوات ما يكفي للناس وأنعامهم، وأمرهم برعايتها، وتوعد بالهلاك من ينتقص من حقوقها.
في البداية يحسن إنعام النظر في قوله سبحانه (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) [ سورة الزمر:5].
واللافت في هذه الآية الكريمة، أولاً الحديث عن نعمة الأنعام بلفظ (أنزل)، وهو مثل حديث القرآن عن إنزال الوحي والمطر وكذلك الحديد، وأياً كانت حقيقة هذا الإنزال فاللفظة توحي بأن العطاء ربانيٌّ عُلويّ؛ وبالتالي فإن قيمته وأهميته للناس عظيمة تستوجب التذكر والشكر للمنعم المنزِّل، وكذلك فإن تشبيه الأنعام بالهدى النازل والمطر المحيي المغيث، يفيد أنها مثلهما لحياة الناس المادية والروحية، ولا غناء بالناس عنها.
ومجيء إنزال الأنعام في الآية متوسطاً خلق الإنسان من نفس واحدة وخلق زوجها منها، وبين خلق الناس في بطون أمهاتهم، يوحي بشيء من التداخل أو التزامن الذي هو غيب آخر كإنزال الأنعام، ثم إن دخول إنزال الأنعام ضمن الحديث عن بدء خلق الإنسان وتناسله يؤكد مناسبة خلق الأنعام لطبيعة هذا الإنسان ومعيشته وبقائه، وهو كذلك أمر واضح الدلالة في أنّ تداخل حياة الطائفتين في أصل النشأة يعني أن المطلوب هو امتزاج معيشة الطرفين لافتقار كل منهما إلى الآخر.
والحديث عن جعل الله تعالى الأنعام ثمانية أزواج ، الذي تكرر في سورتي الأنعام والزمر، يمكن توجيهه على معنى تعدد الأصناف وكثرتها، وما يترتب على ذلك من اختلاف الفوائد والمنافع والطعوم، ليلائم الأمزجة المختلفة والبيئات المتعددة والاحتياجات الكثيرة، وقد يصلح بعضها أكثر للبيئات الزراعية المستقرة، وبعضها الآخر للبراري والصحاري، وبعض ثالث لأكثر من بيئة، وكذلك جاء الحديث عن اختلاف أصنافها في قوله تعالى ( ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك).
ولتعزيز هذا المعنى فقد زخرت الآيات القرآنية بالحديث عن أهمية الأنعام ومنافعها لبني الإنسان، في الحل والترحال، من المأكل والمشرب، والدفء والسكن، والركوب وحمل الأثقال، ووجود الأنعام يحقق كمال النعمة ويوفر النعيم ونعومة العيش، وبغيابها تنقلب حياة الإنسان إلى الشظف والخشونة وتتردى إلى مهاوي الهلاك والفناء.
وكما كان هناك اقتران في خلق الناس والأنعام، فقد تكرر في القرآن اقترانهما معاً في أكثر من آية في شأن السقاية والطعام ونعمة الإمداد والبقاء حتى الساعة؛ ( كلوا وارعوا أنعامكم)،( متاعا لكم ولأنعامكم)، ( واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين)، ( لنسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسيّ كثيرا)، ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ).
وقد تكرر في القرآن الحديث عن تمليك الله تعالى الأنعام للناس بأكثر من صيغة أظهرها أنه تعالى جعلهم لها مالكين ( فهم لها مالكون)، وأضيفت الأنعام للناس بمعنى الملكية عدة مرات مثل: ( متاعا لكم ولأنعامكم)، ( تأكل منه أنعامهم وأنفسهم)، ( كلوا وارعوا أنعامكم)، كما استخدم حرف الجر ( اللام) دالّاً على الملكية، مثل: ( أوَلم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً)، ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون)، هذا فضلاً عن الآيات التي تتحدث عن تذليل الأنعام وتسخيرها للناس.
وقد جاء الأمر برعاية الأنعام في خطاب موسى لآل فرعون بقوله تعالى ( ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ) [ طه: 53 – 54].
والتعبير بالرعي والرعاية ظاهر الدلالة في معاني العناية والمحافظة والتربية، ثم إن الله تعالى طمأنهم على سقيا أنعامهم وطعامها، فقد قدر في الأرض أقواتها، وأكد أن ذلك يشمل كل ما يدب على الأرض ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، وطمأنهم على رزق الأنعام كما طمأنهم على رزق أنفسهم وأولادهم، ففي سورة الأعلى أكد أنه سبحانه ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى)، وفي طه وقبل الأمر برعاية الأنعام جاء التأكيد على أن رب العزة أنزل من السماء ماء وأخرج به أزواجاً شتى، وكذلك الأمر في سورة النازعات ( والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها متاعا لكم ولأنعامكم) وفي سورة عبس جاء الحديث عن إعداد السقيا والطعام والمرعي للبشر وللأنعام معاً، وبالتالي لا يتكلفون عناء إطعامها ولا سقيها، فيسهل عليهم رعيها ورعايتها، بل قدم القرآن الكلام عن سقيا الأنعام قبل سقيا الناس في قوله عز وجل: ( وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) [ الفرقان: 48، 49] .
وكذلك فقد جعل سبحانه الأنعام مما زينه للناس ليقتنوه ويرعوه ويستكثروا منه، وخفف من العبء البدني والنفسي لرعاية الأنعام بأن جعل للرعاة في الأنعام إحساساً خاصاً بالجمال والبهجة في الذهاب لرعيها بل وبعد عمل يوم شاق من مكابدة الرعي ( وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [ النحل: 5، 6)، وهذا الإحساس بالجمال خاص بالناس بدلالة تقديم الجار والمجرور ( ولكم) ثم إتباعه بالجار والمجرور ( فيها) أي في الأنعام بخاصة مع كثرة المخلوقات وجمالها، على معنى أنه فيها أشد وأبلغ، فهم يملكونها دون غيرها.
وكان من حكمة الله عز وجل أنه ما من نبي إلا ورعى الغنم، وذلك كما يبدو من جهة، تدريباً على الأدنى تهيئة واستعداداً لتربية الأعلى ورعايته، ومن جهة أخرى في تقديري، أنه إذا وظف الله تعالى أكرم الناس في رعاية جزء من الأنعام فهذا يعني عِظم المهمة التي يقومون بها لمصلحة البشر، ما يستدعي من البشر إيلاء هذا الموضوع ما يستحق من العناية والاهتمام.
ويمكن أن نلاحظ ورود الأنعام في قصص النبياء السابقين منذ فجر البشرية إذ قد أُمر نوح عليه السلام بأن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين، وذكّر هود قومه بأن الله تعالى أمدهم بالنعم الظاهرة عليهم من الأنعام والبنين، مما تقوم به حياتهم قوية وصحيحة، مستقرة ومستمرة ( واتقوا الذي أمدكم بما تعملون أمدكم بأنعام وبنين)[ الشعراء: 132، 133]، ثم يأتي موسى الذي يرعى الأغنام عشر سنين، قبل أن يُبعث إلى فرعون وقومه ويحثهم أن ( كلوا وارعوا أنعامكم).
ويورد القرآن قضاء داود ثم داود وسليمان معاً في شأن الأغنام، وكنتُ كتبتُ خطأً في بعض ما نشرتُ، أن الأمر يتعلق بمجتمع رعوي يتحول إلى الزراعة، لكن الأصوب كما يبدو أن الأمر يتعلق بموضوع الأنعام ولفت النظر إلى أهميته الدائمة للبشر وأن يكون الموضوع محل عناية القائمين على أمور المجتمع بحل خلافاتهم إذا وقعت، ومحاولة التقليل منها والحؤول دون وقوعها ما أمكن، ولا ننسى أن داود وسليمان عليهما السلام خليفتان، والأمر متعلق بخلافة الإنسان في الأرض وحياته المادية والدينية.
فقصة داود عليه السلام مع الخصم الذين تسوروا عليه المحراب وهو منقطع للتعبد، فيها أولاً تنبيهه وتنبيه من يقوم على شؤون الناس أنه لا يجوز الانشغال، ولو حتى بالتعبد، عن متابعة أمورهم وحل مشاكلهم ومنع وقوعها، وأن هذا الانشغال سيثير الفوضى والنزاعات والاضطرابات التي ستقتحم حتى على الحاكم أسوار بيته ومحرابه.
وموضوع الأغنام والأنعام بعامة، يتعلق بأقوات الناس وأهم أموالهم، والتي لا ينبغي التساهل في احتكارها من قبل قلة من الناس، لأن ذلك مما يعسر حياة الغالبية العظمى من الناس ويجعلهم رهائن للقلة المتحكمة في قُوْتهم ومالهم ومصادر رزقهم، علماً بأن مطالبة الأخ الغني لأخيه كانت في أن يكفل نعجته مع نعاجه وليس بمصادرتها، ويكفيه من عناء رعيها والعناية بها، فكان قضاء داود الحاسم عليه السلام ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه)، ولا بد كما سبق القول من منع احتكار الثروة وأساسيات حياة المجتمع، وتشجيع عامة الناس وأفراد المجتمع على العمل بالمشاريع الصغيرة، لئلا يتحولوا إلى عبيد وأُجراء عند الحيتان الكبيرة.
ويتحدث القرآن كذلك عن قضاء النبيين الكريمين داود وسليمان في غنم تعيث فساداً في حقول المزروعات ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [ الأنبياء: 78، 79)، وربما انشغل مفسرون في تقدير الحكم الصادر في هذه القضية والذي لم يذكره القرآن، ولا ذكر له في صحيح السنة، وأحسب أن الآيات تريد أن تلفت إلى أمرين أولهما موضوع المشكلة ومحل التنازع، والثاني إعداد سليمان للخلافة وراثة لوالده داود عليهما السلام.
ذلك أن اختيار القرآن الكريم هذه القضية وسابقتها من بين القضايا العديدة التي حكم فيها النبيان الكريمان، فيه درس للأمة التي لن تستغني كما كل الناس، عن الأنعام ولا عن الثروة الزراعية، بأن تمنع تعدي الأنعام بكل وسيلة على المزروعات وتزجر الرعاة الذين يحومون حول الحمى، وتهيء المراعي الكافية المناسبة، وأن تقضي بالعدل الذي يحفظ الثروتين للأمة، وتقضي على عناصر الخلاف في أخص أقوات الناس وأموالهم.
ثم إن داود عليه السلام يعلمنا درساً آخر في إعداد الخلفاء من بعده، فها هو يُجلس الخليفة القادم إلى جانبه، ليتعلم القيادة وإدارة شؤون الناس وحل منازعاتهم والقضاء بينهم، ويفسح له المجال ليمارس هذه الأدوار تحت عينه، إعداداً له لوراثته والقيام بالمسؤولية بعده، ودرس ثالث للكبار قادة ومديرين ومربين أن يفسحوا المجال للأجيال الجديدة فربما هُدوا إلى حلول وقرارات لم تخطر ببال الكبار، حيث تنتظرهم تحديات جديدة ينبغوا أن يستعدوا ويتربوا لمواجهتها.
وقد لفتني أمر ناقة صالح عليه السلام، وأرى أن في هذه القصة ما ينسجم وموضوع أهمية الأنعام واقترانها مع الناس وجوداً وعدماً؛ وقد تكرر في الآيات السابقة أن الله تعالى ينزل الماء لسقيا الطرفين وإنبات طعامهما، بل قُدم الحديث عن سقيا الأنعام أو طعامها على سقيا الناس وطعامهم، ثم تأتي آية الناقة لهؤلاء القوم مع التهديد الرباني أن يمسوا الناقة بسوء وأن يتركوها تقاسمهم شرب الماء، بالرغم من حاجتهم الشديدة إلى الماء كما يوحي بذلك اسمهم: ( ثمود)، فالثمْد هو الماء القليل، ويمكن أن نتوقع أحد أمرين: أولهما أنهم إضافة إلى كفرهم وتكذيبهم رسولهم قد بدأوا يتخلصون من الأنعام أو فكروا بذلك، باعتبارها تقاسمهم ماءهم القليل، فجاءت هذه الآية لتقرن بقاءهم ببقاء الناقة لأنه لا بقاء في الواقع للمجتمعات البشرية دون الثروة الحيوانية، وحتى لو لم يكونوا فكروا بذلك أو قاموا به، فإن الدلالة الرمزية والمعنوية في الربط بين قتل الناقة وهلاكهم واضح جلي، تؤازره عامة النصوص القرآنية الواردة في موضوع الأنعام.
ويبقى أن أختم بحديث نبوي في هذا السياق، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ( بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ؛ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟! فَقَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ)، والحديث رواه مسلم، وهو عند أحمد والنسائي.
في الجزء الأول من القصة يظهر انحراف الناس في شأن استخدام جزء من الأنعام على خلاف ما خلقها الله له، فيُنطق الله تعالى البقرة لتصويب المسار وعدم تعريض هذا النوع من الأنعام للضرر والهلاك، وهذا الأمر لأن المجتمع قد قل فيه المصلحون أو أنهم قد ثخنت عقولهم وفهومهم بحيث لا يجدي معهم إلا الخوارق.
لكن اللافت أن الصحابة المستمعين للرسول عليه السلام قد أشغلتهم الدهشة والتعجب من الخارقة عن أخذ العبرة، فأخبرهم أنه يؤمن بذلك هو وأبو بكر وعمر، وهي شهادة لهما في غيابهما بقوة الإيمان والتصديق، وكذلك فهما سيكونان خليفتين للرسول عليه الصلاة والسلام وهو مطمئن أنهما لن يسمحا بأن تُستخدم الأنعام في غير ما خُلقت له، وهو ما سيكون موضوع الحلقة التالية من هذه السلسلة بإذنه تعالى، والمؤلم أن البقرة تعرف لِمَ خلقها الله تعالى وتستنكف سواه وتأباه، بينما يعيش غالب البشر لا يعرفون مراد الله منهم، ولا يأنفون من ركوب ظهورهم مع أنهم لم يُخلقوا لذلك.
لكن الجزء الثاني من الحديث الشريف هو الألصق بموضوع هذه الحلقة؛ ذلك أنه حين كاد الراعي يستخلص شاته من الذئب قال له الذئب: ( هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟)، وأهمية الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب وأعاده الرسول على المسلمين، في أنه يذكر الناس بأن ما يعايشونه من امتلاك الأنعام وتسخيرها إنما هو لأجل معدود تعرفه الأنعام والوحوش، فكيف يغفلون عنه؟! وأن هذا التسخير والتمليك ليس بلا نهاية، بل ليوم الحساب، وأنه كان بتمليك الله تعالى الذي سينزع هذه الملكية في نهاية الامتحان.
ويلفت الانتباه أن الذئب علق نهاية تحكم الإنسان بالأغنام ب(يوم السبع)، وليس يوم القيامة، كما جاء في بدايات هذه المقالة، ولا أستبعد أنه قبل قيام الساعة وحين لا يبقى في الأرض إلا شرار الناس، ينزع الله منهم ملكية الأنعام، إذ لا خير يرجى منهم ولا إيمان، فيرعاها الذئاب والسباع حتى تقوم الساعة، والله أعلم.