الأنعام وسورة الأنعام ( 2) ... لا تقتلوا أولادكم ولكن افتدوهم!!

إنضم
31/08/2004
المشاركات
116
مستوى التفاعل
0
النقاط
16
العمر
65
الإقامة
فلسطين
الموقع الالكتروني
http
الأنعام وسورة الأنعام ( 2 )

نحو نظرية قرآنية



طارق مصطفى حميدة

مركز نون للدراسات القرآنية ــــ فلسطين



  • لاتقتلوا أولادكم ... ولكن افتدوهم!!


الآيات الكريمة ( 136 ـــــ 140) من سورة الأنعام تبين كيف أن المشركين بوحي من شياطين الإنس والجن يحرمون على أنفسهم منافع الأنعام ويتعمدون الاشتراك في تناول الخبيث الضار منها كأجنة الأنعام الميتة، ثم يتجرأ كثير منهم على قتل أولادهم لتجتمع عليهم الخسارة من كل جانب، حيث يقول سبحانه:

﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾

واللافت في هذه الآيات الحكيمة المخصصة لتأثير المعتقدات الشركية الفاسدة على تفاصيل أحكام الأنعام والمزروعات بالنسبة للمشركين، أنه يتخللها مرتين في آيتين الحديث عن قتل المشركين أولادهم بوحي وتزيين من أرباب تلك العقائد الشركية، وذلك إضافة إلى ورود النهي القرآني عن قتل الأولاد فيما سمي بالوصايا العشر أواخر السورة الكريمة.

وهذه الحلقة ستركز على موضوع قتل الأولاد، ثم يخصص لموضوع الخسران والتردي الناتجين عن تحريم الأنعام مقالة تالية بإذنه تعالى، وبالذات لما أراه من مركزية هذا الموضوع في هذا السياق، وضرورة إيلائه المزيد من الاهتمام اللائق، بينما الموضوع الرئيس المقارن قد ناله الكثير من البحث عند العلماء والمفسرين.

إن اقتران الموضوعين في السورة الكريمة يشير إلى كون الأنعام والبنين من أهم ركائز بقاء المجتمعات البشرية وقوتها وسلامتها واستمرارها، ومن هنا جاء النص القرآني يبين خطورة الأمرين على الناس وأنهما مدخلهم للخسران والتدهور والسقوط الحضاري.

ثم تستهجن الآيات الكريمة كيف استساغت عقول المشركين وقلوبهم هذه الفعلة القبيحة وكيف زينها لهم شياطينهم:

﴿ َ وكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، وبحسب الآية فإن الشركاء من شياطين الجن أو الكهنة والسدنة وأرباب الديانات الشركية كما زينوا للعامة تحريم منافع الأنعام فقد زينوا لهم ما هو أقبح بقتل الأبناء، حيث يجتمع القبح في جريمتهم من كل جانب؛ فالقتل أيا كان المقتول جريمة بشعة، واستهداف الطفولة بالقتل جريمة مركبة في غاية الشناعة، ثم استهداف أولادهم الذين هم بضعة منهم وهم فلذات أكبادهم أشنع الجرائم وأبشعها، والأصل أن غريزة الأبوة دافعة على حماية الأبناء ورعايتهم والحنو عليهم، وهم امتدادهم ومستقبلهم، وكم يشقى من يحرم الأولاد بل هو يسعى لطلبهم ولا يدخر طباً ولا علاجاً لأجل الإنجاب وينفق في ذلك الغالي والنفيس.

وتفسر الآية الكريمة غاية الأشرار ونيتهم الخبيثة من تزيين قتل المشركين أبناءهم ﴿ ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم﴾، والردى السقوط المؤدي غالبا للموت والفناء، ما يدفعنا للتفكر بهؤلاء الذين يسعون لفناء الإنسان، من هم وما دوافعهم لذلك؟

وأعداء الإنسانية هؤلاء قسمان، كما يستفاد من آيات الكتاب العزيز، أولهما شياطين الجن، وعلى رأسهم إبليس، ودورهم يقتصر على الإيحاء والتزيين النفسي، وهم أول الشركاء الذين يزينون هذه القبائح﴿ وجعلوا لله شركاء الجن﴾، والتقدير أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، لكن تقديم لفظ الجلالة لبيان شدة استنكار أن يكون لله شريك أي شريك من الجن أو غيرهم، وشياطين الجن من لدن إبليس أعلنوا العداوة لبني آدم إذ أكرمهم الله بالخلافة في الأرض دونهم فقرروا العمل على شقاوتهم في الدنيا وإدخالهم النار في الآخرة، وبالتالي فالوسوسة بتحريم الأنعام وقتل الأولاد مما يشقي البشر ويوردهم موارد الردى والهلاك المادي والحضاري.

والطرف الآخر من أعداء الإنسانية هم شياطين الإنس المتعاونون مع شياطين الجن في هذه الشرور، يقول تعالى في سورة الأنعام أيضاً ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾، والملاحظة الأولى أن هؤلاء الشياطين ينبرون لمواجهة الأنبياء ودعوتهم للتوحيد ومصلحة الناس وسعادتهم، ليحولوا بينهم وبين الهداية وليظلوا في زعامتهم لهم للإضرار بهم، لكن شياطين الإنس يتفوقون على شياطين الجن، بأن لهم القوة والسطوة والقدرة على التأثير المادي بالإكراه والإيذاء والترغيب والترهيب واستغلال العلاقات الاجتماعية، وعندما يزينون قتل الأولاد فلأنهم أولاً قد بلغ بهم الشر والفساد وانعدام الرحمة والعداوة للإنسان كل مبلغ، وهم معنيون بضعف الجماعات البشرية التي يسوسونها أو يوجهونها ليسهل لهم قيادها، حيث تنتهي مجتمعات شائخة منهكة بدلاً من المجتمعات الفتية القادرة على المواجهة والتحدي والتغيير.

وقد قص علينا القرآن جرائم الفراعنة في تقتيل الأبناء وتذبيحهم، ورأينا بشاعة أفعال الغزاة والمستعمرين في تقتيل المدنيين صغارا وكبارا ذكورا وإناثاً وذاك ديدن كل مفسد ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) والنسل يشمل نسل الناس والحيوان. بينما كانت وصية الرسول والخلفاء من بعده لجيوشهم ألا يقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً ولا راهباً منقطعاً للعبادة ولا يقطعوا شجرة ولا يذبحوا شاة ولا بقرة.

وإن نشر الفواحش والشذوذ يجعل الكثيرىن يحجمون عن الزواج والإنجاب، وكذلك تضييق وسائل الرزق وإخراج الرجال والنساء إلى سوق العمل وتشجيع تقليل النسل وتحديده، كل ذلك قد أدى إلى أن تعاني المجتمعات الغربية وكثير من الشرقية من الشيخوخة وتراجع نسبة المواليد حتى عن نسبة الوفيات حتى صاروا يطلقون صرخات الاستغاثة لتدارك حالة الانهيار والتردي التي يعانونها ويخشون تفاقمها.


والهدف الثاني للأشرار المجرمين من تزيين قتل الأبناء وعدم الانتفاع بنعمة الأنعام ( وليلبسوا عليهم دينهم) .. والتلبيس التخليط، بخلط الحق بالباطل، وإلباس الباطل ثوب الحق، وإلباس االحق ثوب الباطل، وخلطهما معا لتزيين الباطل بقرنه بشيء من الحق والخير، أو تقبيح الحق بقرنه بالباطل والشر، ولا بد لهم لإضلال الناس من تغيير واقع الدين البين الجليّ الذي جعله الله تعالى فرقاناً يتميز فيه الإيمان والخير والمنفعة، عن الكفر والشر والمضرة، وفي مطلع سورة الأنعام ذِكْرٌ لأحد مظاهر تلبيس الكفار على العامة ليعرضوا عن الرسول الكريم​

والتلبيس في هذا الشأن قد يكون بزعم أن التقرب إلى الله تعالى يقتضي ذبح الأبناء وتقديمهم قرابين، أو الاستشهاد بقصة إبراهيم وإسماعيل، أو بمزاعم بنوة المسيح لله تعالى وإنزال الرب ابنه ليُقتل ويُصلب فيخلّص البشر ويكفر خطاياهم، ومن لم تفلح معه هذه السرديات المزيفة في التضحية بولده، فإنه يقع في التأثير العكسي إذ يرفض الدين مطلقاً الذي يدعو إلى قتل الأبناء.

ويلفت النظر مجيء قصة إبراهيم عليه السلام وحدها مطولة في السورة الكريمة، أولاً لتقرير حجج عقيدة التوحيد والرد على زيف العقائد الشركية الباطلة، هذا بشكل مباشر، ثم إن في إيراد قصة إبراهيم عليه السلام تذكيراً بقصة رؤيا ذبح ولده وفدائه، وخلافاً لما قد يتسلل من اللبس والأفكار المزيفة فإن القصة تؤدي عكس المفاهيم الفاسدة التي تريد الاعتداء على الأبناء، فإنها أولاً تقرر أنه لا يملك أحد أن يزهق نفساً أي نفس حتى ولو كانت نفسه هو، إلا خالق تلك النفس ومالكها﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، والله يريد لنا الحياة والاستمرار، ثم إن إبراهيم عليه السلام لم يبادر إلى ذبح ولده بمجرد الوحي الإلهي لأن الأمر يتعلق بحياة شخص آخر يتمتع بالأهلية وليس طفلاً صغيراً فاقداً للإرادة والمسؤولية والأهلية، ومن هنا عرض عليه ما جاءه من الوحي، وبيت القصيد في تقديري، أنه بعد اجتيازهما لهذا الامتحان الرباني، هو افتداء الله تعالى إسماعيل عليه السلام، ليتقرر في الناس من بعد أن الله تعالى يريد منا الحفاظ على أبنائنا وافتدائهم وليس قتلهم، ثم تكون شعيرة الأضحية كل عام في الحج لترسيخ هذ المعنى وتأكيده، ولا ينبغي لنا أن ننسى سنة العقيقة عن مواليدنا، وعلتها والحكمة منها.

وبالعودة إلى قصة إبراهيم عليه السلام بعد محاجّته قومه في سورة الأنعام حيث يأتي التعقيب القرآني ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

والحديث عن الأعلام والنجوم المضيئة من ذرية إبراهيم ونوح عليهما السلام، إذ ما كان لهذه الكواكب المنيرة أن توجد لو كانوا يقتلون أولادهم، وما كان البشر ليكونوا لولا أن بارك الله في ذرية نوح أبي البشر الثاني، وأهم من ذلك، للعرب، أنهم ما كانوا ليوجدوا لو كان ذُبح أبوهم إسماعيل ولا بُعث فيهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقد امتن الله عليه أن أنشأهم من ذرية قوم آخرين.

إن رب العزة يريد بقاء البشرية ويدعو إلى تكاثرها ليخلف بعضهم بعضاً في إقامة الخلافة في الأرض، ويكفي أن تختتم السورة الكريمة بقوله تعالى في التأكيد على ذلك بقوله سبحانه

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

وقد تضمنت وصايا آخر السورة ما يحقق سلامة الناس وبقاءهم والحفاظ على الأولاد وعدم التفريط بهم:﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

فبعد البدء بتقرير حرمة الشرك الذي هو رأس الشرور كله:﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، يأتي الأمر بالإحسان إلى الوالدين مردفاً بالنهي عن قتل الأولاد، والأمر ببر الوالدين والإحسان إليهم تعود فائدته الأولى على الأولاد أنفسهم، كما يرى الأستاذ بسام جرار، ذلك أنه إذا اطمأن الآباء إلى رعاية أبنائهم بهم حال كبرهم وضعفهم فإنهم سيحرصون على الإنجاب والرعاية لأبنائهم، بعكس لو شعروا بأنهم ينجبون للشارع أو للدولة، وأن الأولاد لن ينظروا إلى الوراء.

وكم ذكرت فإن غالب وصايا آخر السورة في مصلحة الذرية بدءاً من تحريم الشرك وتجريمه حيث يزين الشركاء قتل الأولاد، ثم الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وتحريم قتل الأولاد حتى ولو بسبب الإملاق، والذي قد يعني ليس مجرد الفقر بل الفقر المذل، وكذلك فإن النهي عن الفواحش وعلى رأسها الزنا وما هو من جنسه، من مخاطره إيثار الناس اللذات العابرة دون تحمل مسؤوليات الزواج والإنجاب، وما يؤدي إليه الزنا كذلك من إجهاض الأجنة وقتل المواليد عقب الولادة، وكذلك أن يتخلى عنهم آباؤهم إلى الشوارع أو مؤسسات المشردين حيث يفتقدون فيها حنان الوالدين، ويشبون حاقدين على المجتمع وعلى رأسهم أهلهم الذين أنجبوهم، ثم تتلقفهم العصابات تبيعهم وتبيع أعضاءهم لتجار الأعضاء وتجار الرذيلة.

وكذلك فإن النهي عن أكل أموال الأيتام يهدف إلى الحفاظ عليهم وإبقاء ما يقيم أودهم وينفعهم في نشأتهم وكبرهم، والنهي عن قتل النفس بعامة لأنه يتسبب في فقدان المعيل الراعي للأطفال، وقد تكرر في سورتي الأنعام والإسراء مجيء النهي عن أكل أموال الأيتام بعد النهي عن قتل النفس كون القتل يؤدي إلى اليتم ومظنة لتضييع الأطفال وأموالهم.
 
ربما يجدر التذكير أن الأجيال الجديدة بالنسبة لحمَلة رسالة التوحيد هم الأمل في اتباع الحق ونصرتهم، وقد رفض الرسول عليه السلام عرض ملك الجبال أن يطبق على قريش الأخشبين أملاً في أن يخرج من أصلابهم من يوحده.

ويؤكد القرآن الكريم أنه لم يؤمن لموسى عليه السلام إلا ذرية من قومه.

وبالمقابل فإن نوحاً عليه السلام قد صبر على دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، وما دعا عليهم بالهلاك لإلا بعدما أُخبر أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأيقن أن قومه لن يخرج من أصلابهم إلا الفاجر الكفار .
 
ومن القواعد المقررة في مقاصد الشريعة حفظ النسل ، كما استخرج هذه القاعدة وأخواتها من مجموع نصوص الشريعة وأحكامها،
وهذه القاعدة مع قاعدة حفظ النفس، يؤكدان حرص الشريعة على حفظ النفوس القائمة والقادمة أيضاً.
 
عودة
أعلى