طارق مصطفى حميدة
New member
الأنعام وسورة الأنعام ( 1 )
نحو نظرية قرآنية
نحو نظرية قرآنية
طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية ــــ فلسطين
تتبوأ سورة الأنعام منزلة عالية ومكانة رفيعة في القرآن الكريم، فهي أول سورة مكية من الطوال، بعد الأربع المدنيات، وقد عُني بها العلماء والمفسرون من قديم، كما أولاها كثير من المعاصرين اهتماماً خاصاً ونالت عندهم حظوة كبيرة، سواء في ذلك الاشتغال بتفسيرها ودراستها منفردة أو ضمن التفاسير الشاملة، فضلاً عن الكثير من الدراسات التي تتناول جوانب مختلفة تتعلق بالسورة الكريمة، إضافة إلى أن غالب الكليات الشرعية قد جعلت تدريس تفسير السورة من أساسيات مناهجها المقررة.
وكذلك فإن لفظة الأنعام قد تكررت في القرآن الكريم بضعاً وثلاثين مرة، سوى الآيات الكثيرة التي تُفيض في الحديث عن الأنعام وما يتعلق بها، ابتداء من سورة البقرة وحتى سورة الأعلى في الجزء الأخير من الكتاب الحكيم.
ويمكن القول إن حديث القرآن عن الأنعام ربما يفسر ويسلط الضوء على بعض المحاور الرئيسة في سورة الأنعام نفسها، وكذلك فإن استقراء آيات الأنعام في السورة الكريمة وخارجها يمكن أن يساعدنا في تشكيل صورة موضوعية تبين لنا جلال الموضوع وجماله بحيث تسلم نظرتنا وأحكامنا من التجزيئية والتمزق.
ولم أشأ أن أصف هذه المقالة في العنوان بالقراءة الجديدة، أولاً لأنها لا تدّعي أنها أتت بما لم يستطعه الأوائل، والحال أن كثيرا من العلماء قديما وحديثا كانت لهم إسهامات ونظرات عميقة في دراسة هذه السورة وغيرها، وبحسب كاتب هذه السطور أن يضع لبنة فوق ما شيده السابقون من بناء شاهق عظيم ... وكذلك فإنني تحاشيت وصف القراءة بالجديدة خشية أن تلتبس بكلام الأدعياء الذين يتلاعبون بالنصوص تحت مسميات القراءات الحداثية والجديدة.
ومع ذلك فإن موضوع الأنعام في القرآن الكريم يعتبر بحق من أعظم القضايا القرآنية سواء في جانب الخلق والإنشاء، أو أهميته المعيشية، وكذلك في دلالاته الاعتقادية، وأحكامه التشريعية، كما في أبعاده الإنسانية والحضارية، الأمر الذي يستدعي مزيداً من النظر والدراسة ويسترعي تسليط الضوء على المعالم البارزة، التي يمكن أن يتشكل منها إطار نظري يعيد ترتيب النصوص الشرعية وتركيبها وتبويبها، والتنبيه على عدد من المعاني العظيمة التي ألحت عليها تلكم النصوص ـــ وبالأخص القرآنية ــــ.
وهذه المقالة لا تروم استقصاء الموضوع، وليس بمُكنتها، وحسبها أن تشير، وتنير لأهل القرآن أولاً، طريقاً للتدبر والنظر في القرآن العظيم وسورة الأنعام بخاصة، تاركة التوسع في الموضوع لمن يوفقه الله للدراسة المعمقة في الأبحاث والأطاريح.
- أفلا يشكرون؟؟ .... ثم هم يشركون!!
حيث تتحدث الآيات الكريمات عن العناية الإلهية الخاصة التي خلقت الأنعام فملّكتها للناس وذلّلتها لهم، ينتفعون بها في المأكل والمشرب والحل والترحال، وجعلها لينة طيعة بخلاف أخواتها حتى من بني جنسها من الحيوانات الوحشية.
إن استئناس الأنعام وتدجينها لم يكن بقدرة البشر ولا بعون من أي جهة سوى الله تعالى، الذي فطر هذه الحيوانات بأن جعلها تنقاد للإنسان بكل سلاسة، وهدى الإنسان إلى كيفية تربيتها والعناية بها وتكثيرها والإفادة منها، وجعلها أقل ذكاء وأضعف من أن تدبر شؤون معيشتها وتحمي نفسها، فهي محتاجة للإنسان.
ثم ينسى الإنسان أنه لم يستطع عبر مئات القرون الماضية بالرغم من التقدم الهائل في علومه ومعارفه، والتطور الكبير في قدراته وإمكاناته وخبراته، أن يدجن غير ما دُجّن له من الأنعام وبعض الحيوانات والطيور الأخرى، وما كان ذلك بقوته ولا بأي قوة لأي مخلوق، ذلك أن معركة التدجين والاستئناس في غاية الاستحالة، ولولا نصر الله تعالى الإنسان في معركة تدجين الأنعام بما فطرها عليه وبما هداه إليه الله ما كان لينتصر فيملك الأنعام وتذل له وتخضع، ثم يتنعم بمنافعها.
ويأتي التعقيب القرآني يستهجن على المشركين بعد الذي يرونه صباح مساء من نصر الله لهم في معركة تدجين الأنعام، كيف يتخذون من دون الله آلهة لعلهم يُنصرون؟
كيف يعدلون بالله تعالى غيره من الآلهة التي لا تملك حتى لنفسها ضرا ولا نفعا، وما ثَمّ نصير سوى الله تعالى؟!
وهنا يحسن الذهاب إلى فاتحة سورة الأنعام ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)، حيث يقرر القرآن الكريم كيف أن الله تعالى قد خلق السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، وهو الذي جعل الظلمات والنور، لأجل الإنسان وتربيته وتدبير أموره، ما يوجب له تعالى الحمد والثناء، والشكر والامتنان على الفضل والنعمة، ثم يكون من المخلوقين فريق يعدلون بالله تعالى الذي خلق كل شيء، يعدلون به بعض مخلوقاته التي ليس لها في الخلق ولا في الرزق شيء حتى ولا خلق أنفسها، فيعظمونها ويعبدونها ويتحاكمون إليها ويُحكّمونها في شؤون حياتهم وحياة أبنائهم.
إنها الفكرة ذاتها إلى حد كبير وإن اختلفت الصورة بعض الشيء، أو كانت إحدى الصورتين أشمل من أختها؛ الرب وحده يخلق وينعم، ثم يكون في الناس عُميَ البصائر لا يعقلون، فيعدلون بربهم غيره.
وسيتكرر بل يكثر في سورة الأنعام، المقارنة ــــ حيث لا وجه للمقارنة ـــ بين مقام رب العزة ومقام الآلهة المدعاة، في الصفات والأفعال وآثار الاعتقادات الفاسدة مقارنة بالإيمان الحق، ويكفي في ذلك المرات العديدة التي ابتدأت بها الآيات الكريمة بلفظة ( وهو) في إشارة إلى رب العزة للتعريف بمقامه وجلاله وعالي صفاته، وحكيم صنعه، وعنايته بخلقه.
- ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام
يلفت الانتباه أولاً الجذر اللغوي ( نعم) الذي اعتمده القرآن في تسمية الأنعام، والذي يشترك مع النعيم والنعمة في دلالته.
فمن جهة يتضمن هذا الجذر اللغوي ومشتقاته معاني الرفاه والنعومة وطيب العيش، وهو ما يتحقق للبشر من خلق الأنعام وتسخيرها لهم، ولنتصور حياة الإنسان خالية من الألبان واللحوم مثلاً، فضلاً عن الحرث والتنقل والمساكن والثياب بسبب الأنعام، وليست هذه الأمور محصورة في الإنسان القديم ولا في سكان شبه الجزيرة عشية البعثة.
وكذلك فإن التسمية بالأنعام تأكيد على كونها من أجلّ نعم الله تعالى، ما يستدعي دوام تذكر النعمة والحفاظ عليها وشكرها، وتذكر الرب المنعم الذي لم يشاركه أحد في خلق هذه النعمة ـــ وكل النعم ــــ وتذليلها للبشر وتمليكها لهم وانتفاعهم الدائم بها.
ولأجل ذلك شددت النصوص الشرعية على ضرورة ذكر الله والتسمية باسمه تعالى على ذبح الأنعام، ونددت بتجاهل اسمه سبحانه أو التسمية بغيره، وحكمت بأن هذا الأمر لا يتوقف عند حدود الحرمة الشرعية بل يتجاوزها إلى الشرك الاعتقادي، ومع أن التسمية مطلوبة في كل شؤون المؤمن، فإنها في شأن الأنعام مما لا يغتفر تجاوزه أو مخالفته.
ولأن النعمة بالأنعام من أعظم النعم وأسبغها وأشملها لكل الناس وأدومها وأظهرها وأجلاها، ثم هي من أدلها على المنعم بها وهو الله تعالى، فلذلك كانت من أبرز معالم التوحيد، وقد مر في سورة يس التعجيب من شأن المشركين وكأنهم لا يرون أن الله وحده هو الذي خلق مما عملت أيديه تلك الأنعام فملّكها لهم وسخرها حتى ليقودها أطفالهم، واختصهم بمنافعها من الطعام والشراب والركوب، ثم هم يتخذون من دونه آلهة ويعدلون به غيره، وكان الحريّ بهم أن يوحدوه ويعبدوه ولا يذكروا سوى اسمه.
واللافت في هذا الشأن على كثرة الآيات في الموضوع، قوله تعالى ( ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين) [ الحج: 34].
حيث يؤكد القرآن الكريم أن رب العزة ومنذ فجر البشرية قد شرع لجميع الأمم قاطبة شعائر دينية كالذبح في الحج، وأن الغاية من هذا النسك هو أن يذكروا الله الذي رزقهم وأنعم عليهم ببهيمة الأنعام، فهذه الشعيرة الجماعية وطابعها الاجتماعي والاحتفالي، أهم معانيها ذكر اسم الله تعالى وتوحيده، ولذلك جاءت مثل هذه الآية لتنبه الغافلين إلى الغاية من هذه الشعيرة، وتذكُّر رب العزة على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
والتركيز على كونها "بهائم" لأن ضعف الملكات الذهنية وقلة الذكاء الفطري في الأنعام، هو حكمة ربانية لأجل تمكين الإنسان من تملكها وتسخيرها، ولتكون هذه الأنعام عاجزة عن تدبير شؤونها وحماية نفسها فتسلم قيادها للإنسان، وذلك كله من خلق الله وتدبيره ورزقه إنعامه الذي لم يشاركه في أحد، وينبغى أن يُذكر اسمه وحده ويعبد وحده، جل في علاه، ومن هنا جاء التعقيب في الآية ( فله أسلموا) حيث يفيد تقديم شبه الجملة على الفعل والفاعل الإسلام لله تعالى وحده.