امانى يسرى محمد
New member

البابُ الأوَّلُ:آدابُ الطَّهارةِ
تمهيدٌ في أهميَّةِ الطَّهارةِ، وبيانِ فضلِها
اهتَمَّ الإسلامُ الحَنيفُ بأمرِ الطَّهارةِ، وأثنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ على المُتَطَهِّرينَ مِن عِبادِه، فقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ، وقال جَلَّ ثناؤه: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 6] .
والطُّهورُ شَطرُ الإيمانِ ، ومِفتاحُ الصَّلاةِ، وشَرطُ صِحَّتِها.
فعن أبي مالِكٍ الأشعَريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الطُّهورُ شَطرُ الإيمانِ ...)) الحَديث ، فالإيمانُ يُطَهِّرُ نَجاسةَ الباطِنِ، والطُّهورُ يُطَهِّرُ نَجاسةَ الظَّاهِرِ .
وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((مِفتاحُ الصَّلاةِ الطُّهورُ ...)) .
وعن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تُقبَلُ صَلاةُ مَن أحدَثَ حتَّى يَتَوضَّأَ )) .
ولا يُحافِظُ على الوُضوءِ إلَّا مُؤمِنٌ؛ فعن ثَوبانَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((استَقيموا ولن تُحصوا ، واعلَموا أنَّ خَيرَ أعمالِكُمُ الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوُضوءِ إلَّا مُؤمِنٌ )) .
وتَبلُغُ الحِليةُ مِنَ المُؤمِنِ يَومَ القيامةِ حَيثُ يَبلُغُ الوُضوءُ.
فعن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ خَليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((تَبلُغُ الحِليةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيثُ يَبلُغُ الوُضوءُ ) .
والوُضوءُ سَبَبٌ لتَكفيرِ الذُّنوبِ التي أصابَتها الجَوارِحُ عن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا تَوضَّأ العَبدُ المُسلمُ أوِ المُؤمِنُ، فغَسَل وجهَه خَرَجَ مِن وَجهِه كُلُّ خَطيئةٍ نَظَر إليها بعَينَيه مَعَ الماءِ، أو مَعَ آخِرِ قَطرِ الماءِ، فإذا غَسَل يَدَيه خَرَجَ مِن يَدَيه كُلُّ خَطيئةٍ كان بَطَشَتها يَداه مَعَ الماءِ، أو مَعَ آخِرِ قَطرِ الماءِ، فإذا غَسَل رِجلَيه خَرَجَت كُلُّ خَطيئةٍ مَشَتها رِجلاه مَعَ الماءِ، أو مَعَ آخِرِ قَطرِ الماءِ، حتَّى يَخرُجَ نَقيًّا مِنَ الذُّنوبِ )) .
إلى غَيرِ ذلك مِن فضائِلِ الطَّهارةِ، وهيَ كَثيرةٌ.
وفيما يَلي نَذكُرُ أهَمَّ الآدابِ المُتَعَلِّقةِ بالوُضوءِ والغُسلِ:

أولًا: الوُضوءُ في مكانٍ طاهِرٍ
يستَحَبُّ التَّوضُّؤُ في مكانٍ طاهِرٍ .
وذلك للآتي:
1- صَونًا له عن خِسَّةِ المُعَدِّ للنَّجاسةِ وإن لم يُلابِسْها بالفِعلِ .
2- لأنَّه أسلَمُ للمُصَلِّي مِنَ المَكانِ القَذِرِ؛ خَشيةَ أن يَنتَضِحَ عليه شَيءٌ مِن مَكانِه .
3- مَخافةَ أن يَتَوهَّمَ المُغتَسِلُ أنَّه أصابَه شَيءٌ مِنَ النَّجاسةِ، فيُورِثَه ذلك الوَسواسَ .
4- ولأنَّ المُتَوضِّئَ يَذكُرُ اللَّهَ على وُضوئِه، بالتَّسميةِ في أوَّلِه، والتَّشَهُّدِ بَعدَ الفراغِ مِنه، فيُستَحَبُّ ذِكرُ اللهِ في مَوضِعٍ طاهرٍ.

ثانيًا: السِّواكُ
يُسنُّ السِّواكُ عند الوُضوءِ .
الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ:
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمَرتُهم بالسِّواكِ مع كلِّ وُضوءٍ )) .

ثالثًا: التَّسميةُ
تستحبُّ التَّسميةُ عندَ الوُضوءِ .
الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ:
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، يَبلُغُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((لو أنَّ أحدَكم إذا أتَى أهلَه، قال: بِاسمِ اللهِ، اللَّهمَّ جَنِّبْنا الشَّيطانَ، وجنِّبِ الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنا، فقُضِيَ بيْنَهما وَلَدٌ، لم يَضُرُّه )) .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه لَمَّا كان حالُ الوِقاعِ أبعدَ حالٍ مِن ذِكر الله تعالى، ومع ذلك تُسَنُّ التَّسميةُ فيه؛ ففي سائِرِ الأحوالِ بِطَريقِ الأَولى .
وأمَّا التَّعليلُ: فلأنَّ التَّسميةَ مشروعةٌ عندَ كثيرٍ من الأمورِ، سواءٌ كانت عبادةً، أو غيرَها؛ فتُشرَعُ عند الأكْلِ، وعند دُخولِ المَنزلِ، والخروجِ منه، وعند الوَطءِ، والغُسلِ ، وغيرِ ذلك من المواضِعِ الَّتي تُشرَع فيها التَّسميةُ؛ فيكونُ الوضوءُ كذلك مِن الأشياءِ الَّتي يُسَنُّ أن تُسبَقَ بالتَّسميةِ .

رابعًا: غَسْلُ الكَفَّينِ ثلاثًا
يُسَنُّ غَسلُ اليَدينِ إلى الرُّسغَينِ في ابتِداءِ الوُضوءِ.
الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والإجماعِ:
أ- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عثمانَ بنِ عفَّانَ رضيَ الله عنه: أنَّه ((دعا بوَضوءٍ فتَوضَّأ، فغَسَل كفَّيه ثلاثَ مرَّات، ثم مضمَضَ واستنثَرَ...، ثمَّ قال: رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم توضَّأَ نحو وُضوئي هذا )) .
2- عن عَمرِو بن أبي حسَنٍ: أنَّه ((سأل عبدَ الله بنَ زَيدٍ عن وُضوءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدعا بتَورٍ مِن ماءٍ، فتوضَّأ لهم، فكفَأَ على يديه فغَسَلهما ثلاثًا... )) .
ب- مِنَ الإجماعِ
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ ، والنَّوَويُّ .
وأمَّا التَّعليلُ: فلأنَّها التي تُغمَسُ في الإناءِ، وتَنقُلُ الوُضوءَ إلى الأعضاءِ، ففي غَسلِهما إحرازٌ لجَميعِ الوُضوءِ .

خامسًا: الإسباغُ
يُستحَبُّ إسباغُ الوُضوءِ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ألا أدُلُّكُم على ما يَمحو اللهُ به الخَطايا، ويَرفعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالوا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قال: إسباغُ الوُضوءِ على المَكارِهِ، وكَثرةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ، فذلكمُ الرِّباطُ )) .
وفي رِوايةٍ: ((كَفَّاراتُ الخَطايا: إسباغُ الوُضوءِ على المَكارِهِ، وإعمالُ الأقدامِ إلى المَساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ)) .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أنتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلونَ يَومَ القيامةِ؛ مِن إسباغِ الوُضوءِ )) .
وفي حَديثِ حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه: ((تَرِدُونَ عليَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِن آثارِ الوُضوءِ، ليسَت لأحَدٍ غَيرِكُم )) .
والغُرَّةُ والتَّحجيلُ: بَياضٌ في وَجهِ الفرَسِ وقَوائِمِه، وذلك مِمَّا يُحَسِّنُه ويُزَيِّنُه، ومَعنى الحَديثِ: أنَّهم إذا دُعوا على رُؤوسِ الأشهادِ أو إلى الجَنَّةِ، كانوا على هذه الصِّفةِ .
3- عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تَوضَّأ فأحسَن الوُضوءَ خَرَجَت خَطاياه مِن جَسَدِه، حتَّى تَخرُجَ مِن تَحتِ أظفارِه )) .
(قَولُه: «فأحسَن الوُضوءَ» هو في مَعنى أسبَغَه، والظَّاهِرُ أنَّ الإسباغَ إكمالُه بإيصالِ الماءِ تَمامًا، وتَثليثِ الغَسلِ ونَحوِه، والإحسانِ برِعايةِ السُّنَنِ والآدابِ، واللهُ أعلمُ) .
4- عن أُسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((دَفعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عَرَفةَ حتَّى إذا كان بالشِّعبِ نَزَل فبال، ثُمَّ تَوضَّأ ولم يُسبِغِ الوُضوءَ، فقُلتُ: الصَّلاةُ يا رَسولَ اللهِ! فقال: الصَّلاةُ أمامَك، فرَكِبَ، فلمَّا جاءَ المُزدَلِفةَ نَزَل فتَوضَّأ، فأسبَغَ الوُضوءَ، ثُمَّ أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فصَلَّى المَغرِبَ، ثُمَّ أناخَ كُلُّ إنسانٍ بعيرَه في مَنزِلِه، ثُمَّ أُقيمَتِ العِشاءُ فصَلَّى، ولم يُصَلِّ بَينَهما )) .
قال الخَطَّابيُّ: («الصَّلاةُ أمامَك» يُريدُ أنَّ مَوضِعَ هذه الصَّلاةِ المُزدَلِفةُ، وهيَ أمامَك.
وأمَّا فِعلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نَزَل الشِّعبَ وتَركُه إسباغَ الوُضوءِ، فإنَّما فَعلَ ذلك ليَكونَ مُستَصحِبًا للطَّهارةِ في مَسيرِه إلى أن يَبلُغَ جَمعًا ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَأخَّى في عامَّةِ أحوالِه أن يَكونَ على طُهرٍ، وإنَّما تَجَوَّزَ في الطَّهارةِ ولم يُسبِغْها؛ لأنَّه لم يَفعَلْ ذلك ليُصَلِّيَ بها، ألَا تَراه قد أسبَغَها حينَ أرادَ أن يُصَلِّيَ وأكمَلَها؟
وفي وُضوئِه لغَيرِ الصَّلاةِ دَليلٌ على أنَّ الوُضوءَ نَفسَه عِبادةٌ وقُربةٌ، وإن لم يُفعَلْ لأجْلِ الصَّلاةِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُقدِّمُ الطَّهارةَ إذا أوى إلى فِراشِه ؛ ليكونَ مَبيتُه على طُهرٍ) .
وقال المُهَلَّبُ: (قَولُه: "وتَوضَّأ ولم يُسبغِ الوُضوءَ" يُريدُ أنَّه خَفَّف الوُضوءَ، وهو أدنى ما تُجزِئُ الصَّلاةُ به دونَ تَكرارِ إمرارِ اليَدِ عليه) .
فائدةٌ:
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((رَجَعنا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ حتَّى إذا كُنَّا بماءٍ بالطَّريقِ تَعَجَّل قَومٌ عِندَ العَصرِ، فتوضَّؤوا وهم عِجالٌ، فانتَهَينا إليهم وأعقابُهم تَلوحُ لم يَمَسَّها الماءُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيلٌ للأعقابِ مِنَ النَّارِ، أسبِغوا الوُضوءَ )) .
(قَولُه: «أسبِغوا الوُضوءَ» أي: أكمِلوه وأتِمُّوه، ولا تَترُكوا جُزءًا مِن أجزاءِ الأعضاءِ غَيرَ مَغسولٍ.
وقال بَعضُ العُلماءِ: المُرادُ بالإسباغِ هاهنا إكمالُ الوُضوءِ، وإبلاغُ الماءِ كُلَّ ظاهرِ أعضائِه، وهذا فَرضٌ، والإسباغُ الذي هو التَّثليثُ سُنَّةٌ، والإسباغُ الذي هو التَّسييلُ هو شَرطٌ، والإسباغُ الذي هو إكثارُ الماءِ مِن غَيرِ إسرافٍ فضيلةٌ، وبكُلِّ هذا يُفسَّرُ الإسباغُ باختِلافِ المَقاماتِ)
.سادسًا: الاقتِصادُ وعدَمُ الإسرافِ في الماءِ
مِن آدابِ الوضوءِ: الاقتصادُ في استعمالِ الماءِ، وعدمُ الإسرافِ فيه.
الدَّليلُ على ذلك مِن الإجماعِ:
نُقِل الإجماعُ على النَّهيِ عن الإسرافِ في الماءِ
سابعًا: المضمضةُ والاسْتِنْشاقُ مِن كفٍّ واحدةٍ
السُّنَّةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ: أن يَجمَعَهما في غَرفةٍ واحدةٍ ؛ فيأخُذ غرفةً يتمضمضُ منها، ثمَّ يَستنشِق، ثمَّ يأخُذ غَرفةً ثانيةً يفعلُ بها كذلك، ثمَّ ثالثةً كذلك .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
عن عبدِ الله بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه في وَصفِ وُضوءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفيه: ((فمضمضَ واستنشَقَ واستنثر ثلاثًا بثَلاثِ غَرَفاتٍ مِن ماءٍ)) ، وفي روايةٍ: ((مضمض واستنشق من كفٍّ واحدةٍ، ففعَلَ ذلك ثلاثًا )) .
ثامنًا: المبالَغةُ في المضمضةِ والاستِنْشاقِ
تُسنُّ المبالغةُ في المَضمضةِ والاستنشاقِ ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
عن لَقِيطِ بن صَبِرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني عن الوُضوءِ، قال: أسبِغِ الوُضوءَ، وخلِّلْ بيْنَ الأصابِعِ، وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا )) .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ قولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أن تكونَ صائمًا)) يدُلُّ على سُنِّيَّةِ المبالغةِ في الاستنشاقِ لِغَيرِ الصَّائمِ، ويُقاسُ عليها المبالغةُ في المضمضةِ .
وأمَّا التَّعليلُ: فلأنَّ المبالغةَ في المضمضةِ والاستنشاقِ من إسباغِ الوُضوءِ المأمورِ به شرعًا
تاسعًا: تخليلُ أصابِعِ اليدَينِ والرِّجْلَينِ
مِن آدابِ الوضوءِ: تخليلُ أصابِعِ اليدَينِ والرِّجْلَينِ .
الدَّليلُ على ذلك من السُّنَّةِ:
عن لَقِيطِ بنِ صَبِرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني عن الوُضوءِ، قال: أسبِغِ الوُضوءَ، وخَلِّلْ بيْنَ الأصابِعِ، وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أن تكونَ صائمًا )) .
فائدةٌ: صِفةُ تخليلِ أصابِعِ اليدينِ
تخليلُ أصابِعِ اليدينِ يكونُ بالتَّشبيكِ بيْنَهما .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
عن لَقِيطِ بن صَبِرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني عن الوُضوءِ، قال: أسبِغِ الوُضوءَ، وخلِّلْ بيْنَ الأصابِعِ، وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أن تكونَ صائمًا)) .
وَجهُ الدَّلالةِ:
قوله: ((وخَلِّلْ بيْنَ الأصابِعِ)) والتَّخليلُ: إدخالُ الشَّيءِ في خِلالِ الشَّيءِ، وهو وسَطُه، والمعنى: أن يُدخِلَ بعضَ أصابِعِه في بعضٍ
عاشرًا: تخليلُ اللِّحيةِ الكثيفةِ
يُستحَبُّ تخليلُ اللِّحيةِ الكثيفةِ .
الدَّليلُ على ذلك مِن الآثارِ:
عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَر: (أنَّه كان يُخلِّلُ لِحيتَه) .
حادي عشرَ: تعاهُدُ الأعقابِ
ينبغي تعاهُدُ العَقِبِ في الوُضوءِ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((رَجَعنا معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ حتَّى إذا كُنَّا بماءٍ بالطَّريقِ تَعَجَّل قَومٌ عِندَ العَصرِ، فتوضَّؤوا وهم عِجالٌ، فانتَهَينا إليهم وأعقابُهم تَلوحُ لم يَمَسَّها الماءُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيلٌ للأعقابِ مِنَ النَّارِ، أسبِغوا الوُضوءَ )) .
ثاني عشرَ: التَّيامُنُ
يُستحَبُّ التَّيامُنُ في غَسلِ أعضاءِ الوُضوءِ .
الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والإجماعِ:
أ- مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: ((أنَّه توضَّأ فغسَلَ وَجهَه، أخَذ غَرفةً مِن ماءٍ فمضمض بها واستنشَقَ، ثمَّ أخَذ غَرفة مِن ماءٍ فجعَل بها هكذا، أضافها إلى يَدِه الأخرى، فغَسَلَ بهما وجهَه، ثمَّ أخَذ غَرفةً من ماءٍ فغَسَل بها يدَه اليُمنى، ثمَّ أخَذ غَرفةً من ماءٍ فغسَل بها يدَه اليُسرى، ثمَّ مسَح برأسِه، ثمَّ أخَذ غَرفةً مِن ماءٍ فرَشَّ على رِجْلِه اليُمنى حتَّى غسَلَها، ثمَّ أخَذ غَرفةً أخرى فغسَل بها رِجله -يعني: اليُسرى-، ثمَّ قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتوضَّأُ )) .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا لَبِستُم وإذا توضَّأتُم، فابدؤوا بأيامنِكم )) ، وفي روايةٍ: ((بميامنِكم)) .
3- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعجِبُه التَّيمُّنُ في تَنعُّلِه وترجُّلِه وطُهورِه، وفي شأنِه كلِّه )) .
ب- مِنَ الإجماعِ
نقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ
يتبع
الدرر السنية