اعلم أن الاختيار ليس خاصا بالقراء، بل يختار الرواة أيضا، كما فعل ورش في فتح ياء {محياي}، وتقليل ألف {أريكهم} مع أنه نص أنه لم يقرأ على نافع إلا بالسكون في الأول والفتح في الثاني، وكما فعل شعبة في {بئيس} عندما التبس عليه ما قرأه على عاصم، وفعله حفص في {ضعفٍ} و{ضعفا} الثلاث كلمات بالروم وضم الضاد ولم يرو إلا الفتح. ومثله كثير، تجده في كتاب لإقناع لابن الباذش.
بالنسبة لعاميّ مثلي ، هذا الكلام أفهمه على أنه طعن في رواية ورش ورواية شعبة ،
فالأول تقول حضرتك عنه :
مع أنه نص أنه لم يقرأ على نافع إلا بالسكون في الأول والفتح في الثاني
بحسب علمي أن رواية ورش ليست إلا من قراءة نافع ، بمعنى : إذا سمعنا أحد يقول " أقرأ الآن برواية حفص الدوري " سنسأله :
" هل تقصد رواية الدوري بقراءة الكسائي أم بقراءة أبو عمرو البصري ، إذ أن نفس الراوي له رواية عن هذا القارئ وله رواية أخرى عن القارئ الثاني فأيهما تقصد ؟؟ "
في حين أننا لو سمعناه يقول : " أقرأ الآن برواية ورش " سنعرف قولاً واحداً أن هذا الشخص يتكلم عن قراءة نافع لأن ورش لم يروِ إلا عن نافع
فعندما تقول حضرتك :
مع أنه نص أنه لم يقرأ على نافع إلا بالسكون في الأول والفتح في الثاني
هذا الكلام يعني أن أياً من العلماء المعاصرين عندما يُسند حفظه إلى ورش لن يمر بنافع ، لأن الكلام صريح في أن ورش لم يقرأ على نافع إلا بكذا وكذا كما قلت حضرتك ، وهذا الكلام ليس له معنى إلا أحد المعنيان - من وجهة نظري كعاميّ ضحل المعلومات - : المعنى الأول : أن ثمة سند سنجد فيه ورش عن قارئ آخر غير نافع ، وهذا لم أسمع به من أحد فإن كان صحيحاً فأخبرني ، المعنى الثاني : أن هذه الكلمات تُنسَب - أنا آسف في سوء الفهم - زوراً إلى نافع ، لأن ورش صَرَّح أنه لم يقرأها على نافع ، فنسبة هذه الرواية على أنها أحد روايات قراءة نافع تكون زوراً !!!!!! طبعاً أنا فاهم فهم خاطئ فأرجو إيضاح الصواب لكنني أحببت أن أخبر حضرتك بمردود كلام حضرتك على نفسي ، إذ وصلني من كلام حضرتك إما أن ورش له قارئ آخر كالدوري ، وإما أن هذه الكلمات ليست من قراءة نافع وتُنسَب له من رواية ورش زوراً ، كالتدليس الذي فيه يُدرِج الراوي كلام من عنده ويُلصِقه في متن الحديث فيظن السامع أن الكلام الزائد من قول النبي في حين أنه من إدارج الراوي ، هكذا فهمت حضرتك ، أو كما قلت سابقاً أن ورش قرأ على غير نافع وبالتالي السند في هذه الكلمات سنقول : فلان عن فلان عن ورش عن فلان - ليس نافع - عن التابعي فلان عن الصحابي فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا عن الأول : ورش
أما عن الثاني : شعبة تقول حضرتك :
وكما فعل شعبة في {بئيس} عندما التبس عليه ما قرأه على عاصم
كيف نستأمن شعبة على نقل القرآن إن كان يلتبس عليه ما يقرأه على شيوخه ؟؟؟ وكيف يُجيزه شيخه إذا كان لا يطمئن على حفظه ؟؟؟؟
هكذا سيقول أي مُشَكِّك في كتاب المسلمين لو اقتبس كلام حضرتك وقال عنه : هكذا يقول المسلمين عن كتابهم في ملتقى أهل التفسير أحد أشهر منتدياتهم المتخصصة في علوم القرآن .
فبماذا ترد حضرتك على هذه الشبهة المُستَنبَطة من كلام حضرتك !!!!!!!!
وليس يخفى عليك تسليم الناس بأنه "لا اجتهاد مع النص"، ومخاطبك منذ اليوم يقول: "لا اجتهاد إلا مع النص"
ماذا تقصد حضرتك بكلمة " ومخاطبك منذ اليوم يقول " ؟؟؟ هل تتكلم حضرتك عن نفسك ؟؟ أم ماذا ؟؟
ثانياً : أفهم هذه العبارة " لا اجتهاد مع النص " بمعنى أنه لا يجوز أن نجتهد في وضع حكماً لمسألة ورد فيها نص صريح ، فعندما يقول الله عز وجل في القرآن " فإن كانت واحدة فلها النصف " فهنا لا اجتهاد معى النص بمعنى أنه لا يمكن أن نفتح باب الإجتهاد لمعرفة نصيب البنت الصلبية كأحد أصحاب الفروض ، لأن الله تبارك وتعالى صَرَّح أن نصيبها في التركة النصف ، وعندما يقول الله :
" الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " فلا اجتهاد هنا ونقول ممكن لهما القتل أو السجن أو التغريم ، لأن الله صَرَّح أن العقوبة هي الجلد ، فلا يمكن أن يأتينا آتٍ اليوم ويقول : " هذا الكلام لا يصلح في العصر الحديث لأنه كان أيام النبي فقط أما الآن فلا بد ان نتطور ونختار العقوبة المناسبة للعصر الحديث والديمقراطية والانفتاح "
فبهذا المعنى نقول " لا اجتهاد مع النص "
أما عبارة " لا اجتهاد إلا مع النص " فهي عبارة صحيحة أيضاً لكن معناها أنه إذا كان النص له عدة معاني فللفقهاء ترجيح أحدها حسب اجتهاد كل منهم ، ككلمة " قرء " هل هي طُهر أم حيض ، أو مثلاً لو أن النص وارد في مسألة وهناك مسألة أخرى لم ترد فيها نص ، فللفقهاء الاجتهاد للبحث عن علة المسألة المنصوص عليها ليعرفوا ما إذا كانت مشتركة في العلة مع المسألة غير المنصوص عليها - كالخمر والمخدرات - أم لا ، حتى يُقَرِّروا ما إذا كانوا يسحبوا حكم المسألة المنصوص عليها على المسألة غير المنصوص عليها أم لا .
فكلا العبارتين صحيح ، لكن لكل معناها الذي يجب أن يُوضَع في موضعه، ولكل مقام مقال .
أرجو الرد على الشبهتين الواردتين بخصوص شعبة وورش رضي الله عنهما