امانى يسرى محمد
New member
"سورة البروج" تشير إلى واقعة من وقائع التغيير في الخلق وفي العباد والبلاد حيث سقطت أبراج ملك ظالم كان يستعبد الناس من دون الله، ويصور لهم أنه الرب والإله، زاد في طغيانه حتى أسقطه الله -تعالى-، وليس ذلك الملك هو وحده تحت هذه السنة الربانية، وإنما شاهدت الدنيا ورأت الأيام عديدا من هؤلاء من الذين يظلمون ويستبدون، من الذين يظلمون ويستحلون الظلم، ويستشرون به في العباد والبلاد، ويتمادون في هذا الطريق المظلم، حتى يبلغوا النهاية التي وضعها الله بسنته، وعندها يسوقون وينتزع الله منهم الملك انتزاعا.
وأجرم جريمة يجرمها هؤلاء جميعا وأمثالهم إنما هي: إيذاء المؤمنين، ومحاربة المسلمين الموحدين لله -عز وجل-، والصد عن سبيل الله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) [البروج: 10]، من يحدث فتنة بين العباد وبين ربهم وهم الذين يعبدونه؟ إن الذين يفتنون عباد الله عليه حتى يعبدوا غيره، ويحتكموا إلى غير شرعه أولئك شر العباد، اقتربت نهايتهم، وتأتيهم خاتمتهم التي يلقون فيها حتفهم وهلاكهم، وصغارهم وذلهم، سنة لله ماضية أخبر الله عنها في السورة الماضية، ويعطي لها مثالا من التاريخ السابق في هذه السورة المباركة.
يقول العلماء إنّ لتدبر القرآن ركنين لا يقوم بغيرهما:
أولهما فهم السياق والواقع الذي نزلت فيه السورة، لأن معرفة الأسباب تكشف عمق المعاني وتضيء مسالك الفهم.
وثانيهما العيش مع الموقف وكأنك أحد أبطاله، فتشعر بالآيات وهي تُتلى على قلبك كما نزلت على قلوب الصحابة.
فإذا قرأت سورة البروج وأنت تعيش الاضطهاد والإيمان، أحسست بالسكينة كما أحسوها، وعرفت أن القرآن حيّ لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش.
ذاتِ البروج
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾.
أقسم الله بالسماء الواسعة، وما فيها من بروجٍ عظيمةٍ تشهد على إبداع الخالق وقدرته.
البروج هي منازل النجوم أو القلاع السماوية التي تُتَّخذُ للمراقبة، زينةً للسماء وحراسةً لها من كل شيطانٍ مارد.
وكما أن في السماء بروجًا يُهتدى بها في ظلمات الليل، فإن في الأرض عبادًا صالحين هم بروج الأرض ونجومها، يُهتدى بهم في ظلمات الفتن.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
فكما تتزين السماء ببروجها، تتزين الأرض بالمؤمنين الذين يضيئون القلوب بنور الهدى، ويثبّتون الناس على طريق الله.
باسم الله ربّ الغلام
تأتي بعدها القصة الخالدة التي ضربت أعظم الأمثلة في الصبر والثبات والإيمان.
قصة غلامٍ صغيرٍ عاش في زمنٍ يعبد فيه الناس الملك، فكان نورًا أرسله الله في زمنٍ أغرقه الظلام.
علّمه الله التوحيد على يد راهبٍ صالح، فأبصر الحقّ وآمن به، ثمّ صار سببًا في هداية أمّة بأكملها.
حاول الملك قتله ثلاث مرات، فنجّاه الله، حتى علّمه الغلام بنفسه كيف يقتله أمام الناس ليشهدوا الحق.
فلما قال الملك: “باسم الله رب الغلام”، سقط الغلام ميتًا، لكن صدى كلمته أحيا القلوب، فصرخوا جميعًا: “آمنا برب الغلام”.
فكانت نهايته في الدنيا بدايةَ حياةٍ أبديةٍ لأمةٍ آمنت بالله، فانتقم الملك منهم فحفر لهم الأخدود وأوقد فيه النار، وألقى فيها المؤمنين وهم يبتسمون.
واليومِ الموعود
قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾.
يقسم الله بيوم القيامة، اليوم الذي وُعِد فيه العباد بالعرض والحساب، ليقتص فيه لكل مظلومٍ من ظالمه.
هو يومٌ عظيم تُرفع فيه المظالم وتُسَوّى فيه الحقوق، لا يغيب عنه صغيرٌ ولا كبير.
ذلك اليوم الذي قال عنه ربنا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
فمن ظنّ أن الله يغفل عن ظلمه، فليعلم أن الله يُمهل ولا يُهمِل، وأن موعده يومٌ تشخص فيه الأبصار.
وشاهدٍ ومشهود
قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾.
كل ما في هذا الكون شاهد أو مشهود عليه.
فالشاهد هو الله جل جلاله، والمشهود خلقه أجمعون، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ويوم الجمعة شاهد، ويوم عرفة مشهود، والقرآن شاهد، والنبي ﷺ مشهود له بالبلاغ.
وفي ذلك إشارةٌ بليغةٌ إلى أن ما وقع للمؤمنين لم يكن خافيًا على الله، بل شاهده وكتبه وأعدّ له جزاءً يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ثلاث مرات ذُكرت الشهادة في السورة، لتطمئن القلوب أن صرخات المظلومين لم تضع، وأن الله شاهدٌ عليها وحافظها.
قُتِلَ أصحاب الأخدود
قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
أي لُعنوا وطُردوا من رحمة الله، لما اقترفوه من جرمٍ عظيم بحق المؤمنين.
حفروا الأخاديد وأوقدوا فيها النار، وألقوا فيها عباد الله لأنهم قالوا: ربُّنا الله.
جلسوا على النار يتشفّون ويضحكون، غير مدركين أن الله أعدّ لهم نارًا أشدّ منها، وأن من أحرق مؤمنًا سيُحرق بنارٍ لا تخبو.
وهكذا يُظهر الله أن العاقبة دائمًا لأهل الصبر والإيمان، ولو بعد حين.
النار ذات الوقود
قال تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾.
نارٌ أرضية أوقدها أهل الكفر، تحتاج وقودًا لتشتعل، بخلاف نار الآخرة التي لا تُطفأ أبدًا.
تشبيه بليغ يصف حال القلوب المظلمة التي لا تهدأ حتى تشعل نارًا جديدة من فتنةٍ أو شهوةٍ أو حربٍ.
كلما خمدت نارٌ في الأرض، أوقدوا أخرى ليصرفوا الناس عن الحق، ولكن نار الله في قلوب أوليائه لا تخمد أبدًا.
وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا
قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
لم يكرهوا المؤمنين إلا لأنهم آمنوا بالله وحده، ورفضوا الخضوع للبشر.
فالمؤمن عزيزٌ بعزة ربه، لا يُستعبد ولا يُذلّ، لأن قلبه معلّقٌ بربٍّ عزيزٍ لا يُغلب.
وهكذا يعلّمنا القرآن أن الإيمان لا يكون مجرد قولٍ، بل موقف عزّةٍ وثباتٍ أمام الطغيان.
الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.
لكل من أفسد أو أغوى أو شوّه الإيمان في قلوب الناس عذابان: عذاب جهنم، وعذاب الحريق.
لأن فتنتهم تجاوزت أنفسهم إلى غيرهم، فاستحقوا مضاعفة الجزاء.
وما تزال الفتنة اليوم تُمارس بألوانها الحديثة، من تشويهٍ وتزييفٍ وإفسادٍ، لكنها عند الله لا تُنسى.
بشرى المؤمنين
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
بشارةٌ لكل من ثبت وصبر واحتسب، بأن الجنة جزاؤه، والخلود مكافأته.
ولم يقل الله فوزًا فقط، بل قال الفوز الكبير، لأن ثمنه كان عظيمًا، وصاحبه صبر على الألم بثباتٍ ورضا.
فمن رضي بقضاء الله رفعه الله، ومن صبر على مرّ البلاء أذاقه حلاوة النعيم الأبدي.
إن بطش ربك لشديد
قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
مهما تجبّر الطغاة وتسلّطوا، فإن بطش الله أعظم، وعدله آتٍ لا محالة.
الله يمهل الظالم ليزداد إثمًا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فلا يفلت منه أحد.
وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين بأن عدل الله قادم، وأن نهاية الظالم بقدر ما ظلم.
إنه هو يبدئ ويعيد
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
الله هو المبدئ والمعيد، بيده الأمر كله، لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
يعيد الخلق بعد الموت كما بدأهم، ليحاسب كل نفسٍ بما كسبت.
ثم أتبعها بقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، فجمع بين العدل والرحمة، ليعلمنا أن من تاب وجد الله غفورًا رحيمًا، ومن أحبّ الله أحبه الله بودٍّ لا ينقطع.
ذو العرش المجيد
قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.
العرش رمز العظمة والسلطان، والله فوق عرشه بقدره وجلاله، لا يُعجزه أمر.
يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
فمن علم أن الله فعال لما يريد، اطمأن قلبه وسكن فؤاده مهما اشتدت الظروف.
هل أتاك حديث الجنود
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
تذكيرٌ بأن الظلم ليس جديدًا، وأن طريق الإيمان لطالما مرّ من بين نارٍ وصبرٍ ودماء.
فرعون كذّب موسى، وثمود قتلوا ناقة الله، وأصحاب الأخدود أحرقوا المؤمنين، لكن العاقبة واحدة: ثم دمر الله الجميع.
فالله يُمهل الظالمين ليزدادوا طغيانًا، ثم يريهم مصير من قبلهم، فيكون التاريخ مرآةً للعظة والاعتبار.
والله من ورائهم محيط
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾.
أي لا يخرج أحد من سلطان الله، فكل تدبيرٍ عنده، وكل حركةٍ في قبضته.
يظن الظالم أنه يدبّر، وهو في الحقيقة مدبَّر، يظن أنه ينفلت، وهو محاطٌ بقدر الله من كل جانب.
بل هو قرآن مجيد
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾.
ختام السورة وعدٌ لا يزول، أن القرآن باقٍ لا يُطفأ نوره، محفوظٌ بحفظ الله من كل تحريفٍ أو تبديل.
مهما أطفأ الناس مصابيح الهداية، يبقى هذا النور خالدًا، لأنه كلام الله الذي تكفّل بحفظه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾.
الخاتمة
أسأل الله العظيم أن يجعلنا من الثابتين عند البلاء، والفرحين بطاعته، والموصولين بكتابه، والمستظلين برحمته.
اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم: ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾،
واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
موقع رواء