مقالي: فهم القرآن وروح المصادرة

إنضم
23/01/2007
المشاركات
1,211
مستوى التفاعل
2
النقاط
38
الإقامة
كندا
الموقع الالكتروني
www.muslimdiversity.net
نقل أحد الباحثين الأصدقاء عن د. أبي يعرب المرزوقي، على هامش مؤتمر فكري عقد في 2002 بدمشق، أنه قال: "لا يستطيع أحد أن يفهم القرآن كالفيلسوف".. فالرؤية الفلسفية، من وجهة نظره، هي وحدها التي يمكن أن تزودنا بمنهجية التأويل "الحقيقية"، أما تراث "الشيوخ اللاهوتيين" فلا يمكنه ذلك، لأن هؤلاء في النهاية لاهوتيون يصعب عليهم في النهاية القدرة على الإمساك بالمعنى.
وذكر الصديق أيضا رؤية محمد أركون والحداثيين من أضرابه، والتي تعتبر أن العلوم الاجتماعية واللسانية أداة أساسية، وإلى حد مّا وحيدة، تمكّن من فهم القرآن فهماً معاصراً.. وأنهم يعتبرون أن شرط هذا الفهم هو القطيعة التامة مع المعارف التراثية ونسقها الفكري، فالتراث ههنا هو تراكم من الماضي يجب التخلص منه عبر القطيعه معه أو حتى تفكيكه، وفي هذا الإطار فإن الإحاطة بالمعرفة التراثية وجهلها ليس امراً مهماً في فهم القرآن ذاته، لكون الأدوات والمناهج التي توفرها العلوم الاجتماعية كافية لهذا.
ومثلهم أيضا، قول الدكتور فاضل صالح السامرائي أحد أبرز النحويين العرب المعمّرين، والذي يرى في الدرس النحوي والمعجمي أدوات كافية لفهم القرآن، ولا بأس بشيء من علم البلاغة والمعاني التي تساعد في فهم "جماليات التعبير القرآني"، ولا حاجة لمزيد من الأدوات والمناهج (بما فيها علم الأصول) إلا على سبيل التزيد والمبالغة في استكشاف النكات البلاغية والوجوه المرجوحة، وهو منذ سنوات يقوم بتفسير القرآن من النحو والمعجم تحت مسمى إعراب القرآن، ويكاد يرى في علماء الدين غير المتخصصين بالنحو والمعجم مجرد "شيوخ" لا يمكنهم أن يفقهوا من الدين إلا ما ينقلونه عن أسلافنا المفسرين العظام من أعلام اللغة والبيان كابن عطية والزمخشري وأبي حيان الأندلسي! ولا يهم كثيراً معرفة أصول الفقه، فأصول الفقه ـ من وجهة نظره ـ مجموع من قواعد اللغويين نفسها، فبضاعتهم إذا ترد إليهم!
وكذلك، يجد متّبعو منهج المحدّثين أنفسهم أيضاً يفهمون القرآن أكثر من أي متخصصين آخرين، فمعرفتهم بأقوال النبي (ص) وسيرته الشريفة وأقوال الصحابة والتابعبين تغنيهم عن الاستعانة بمناهج الرأي، فالرأي أساساً مرذول، ومن يميل منهم إلى قبول ما يعرف يمنهج الرأي يرى أن الفهم الصحيح للقرآن هو ما عليه السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى، وينظر متّبعو منهج المحدثين إلى التفسير بعين الريبة، فالفهم "الحقيقي للقرآن" لا يصلح إلا لعلماء الحديث والأثر القابضين على ما قاله السلف قبضاً محكماً.
ودارسو الفقه وأصوله عموما لا يرون في القرآن إلا آيات الأحكام، ويرون في باقي الآيات أنها تختص بالجدل العقدي والأخلاقي وهي عموماً مكمّلة للتشريع وداعمه له، وهي مهمة موكلة للباحثين عن الحجج الكلامية والراغبين في تهذيب النفس وترقيتها تعبداً، وهي عموماً مهمة المفسر أيضاً.
ويرى الصديق أن من يملك القدرة على فهم القرآن، ليسوا علماء النحو، ولا اللغويين المعجميين، ولا الفلاسفة، ولا حتى العلماء الاجتماعيين.. وإنما وحدهم المتخصصون في الدراسات الشرعية، والذين يجمعون برصانة بين المعرفة التراثية (والأصولية منه على وجه أكثر تخصيصاً) والمعرفة الحديثة، قادرون على ذلك..
أما بالنسبة إليّ، فهذا الجدل بين أهل التخصصات المختلفة إنما يعكس روح (المصادرة) المترسخة في عقلية المسلمين، والمتجسدة في كثير من الميادين والمقولات: في الدائرة الفقهية، والدائرة العقدية، ودائرة التفسير، ودائرة الانتماءات، وفي مفهوم (الفرقة الناجية) و(الطائفة المنصورة)، إلخ.
كلٌّ يصادر الحق، ويعتبر نفسه الوحيد الذي يملك الأدوات والمفاتيح الموصلة إليه.
ولست أدري أين هو موقع المسلم البسيط في هذه الحلبة: أهو مجرد تابع لهؤلاء أو هؤلاء؟ أم مناصر لفئة دون أخرى؟ أم متفرج مستمتع؟ أم غير مكترث؟
وماذا عن فهمه هو في زحمة الصراع على (حق الفهم) وامتلاك الأدوات؟
وماذا لو ثار على الجميع ورفض الاعتراف لهم بهذا الحق؟
من ناحية أخرى: لفائدة من يتصارع هؤلاء على (حق الفهم)؟ أهو لفائدتهم في الدنيا؟ أم لفائدتهم في الآخرة؟ أم لفائدة المسلم العادي؟
أعتقد أن حل المشكلة يتمثل في :
1- التخلي عن عقلية (مصادرة)، والإقرار بعدم جدوى الإصرار على هذا المنهج، وأنه حتى وإن أراد أحد الأطراف مصادرة (حق الفهم)، فلن يسلّم له مخالفوه بهذا الحق، وسيواصلون ممارسة "الحق" من جانبهم أيضا كما يرونه هم.
2- الاعتراف بأن التعامل مع القرآن (والسنة أيضا) فهما وتحليلا واستنباطا، إنما هو بمثابة السباحة أو الغوص في البحر المحيط، فلكلّ منطقة عمقها، ولكلّ منطقة محاراتها ودررها، ولكلّ عمق أدواته. ولا يمكن لأي غوّاص أن يظن أنه يمتلك جميع القدرات والأدوات التي تسمح له بالغوص في مناطق المحيط المتعددة، وفي أعماقه المختلفة. وحتى لو ظن في نفسه ذلك، فواقع ممارسته سيكذّبه حتما.
ومن توفرت لديه القدرات اللازمة للغوص، فلن يعدم فقدان بعض المهارات الخاصة في التعامل مع بعض الجزئيات. ومن وصل إلى العمق المطلوب ووجد المحارات، فليس من الحتمي امتلاكه للقدرة على انتزاعها من مكانها وإخراجها للناس في أفضل الصور.
باختصار: فإن الحل يتمثل في اعتراف كل تخصص بعجزه لمفرده، وعجز أدواته الخاصة عن القيام بكامل المهمة، وحاجته للتخصصات الأخرى وأدواتها، والبدء في التفكير بعقلية تعاونية.
 
صح لسانك استاذ
نعم القران يعطي للجميع حسب منهله ولقد تسائلت يوما ها نحن العرب نفهم لغة القران وبلاغته فما عسى الأعجمي يرى فيه
فتذكرت الاعجاز التشريعي والعلمي وتذكرت ايضا ان الأعجمي سيشعر بمعجزة هذا الكتاب اسرع من العرب كونه تاه وضاع في جاهليات ما حوله
بارك الله فيكم


[تمت المشاركة باستخدام تطبيق ملتقى أهل التفسير]
 
استاذ محمد بن جماعة،
جزاك الله خيرا...مقالك قيم.
( باختصار: فإن الحل يتمثل في اعتراف كل تخصص بعجزه لمفرده، وعجز أدواته الخاصة عن القيام بكامل المهمة، وحاجته للتخصصات الأخرى وأدواتها، والبدء في التفكير بعقلية تعاونية.)
" و البدء في التفكير بعقلية تعاونية"، و لهذا من الضروري السعي لإنشاء مشروع قرآني جماعي يسعى للاستفادة من الإيجابيات و في نفس الوقت يدرس السلبيات و يحاول معرفة و علاج مواضع الخلل فيها.
التأخر في اتخاذ الخطوات العملية للبدء بمشروع قرآني جماعي امر غير صائب و يجعلنا ندور في حلقة الكلام و الكلام ... الخ.
على الهامش،
اثناء تواصلي مع شخص بخصوص فكرة الموسوعة الاسلامية الحرّة ، استغربت من من رده حينما شجعني على المشروع، و لكنه عبر عن نوعية المشاركة التي يمكن ان يشارك فيها في المشروع حيث قال انه سيكتفي بالإشراف ، أحسست عندما قرأت كلامه انه ينظر من برج عاجي لمن سوف يبدأ المشروع و انهم بحاجة الى رعاية أبوية منه و من أمثاله ... مصادرة حتى في التشجيع!!!
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين...أما بعد...جزاكم الله تعالى أٌستاذ محمد وبارك بكم لقد كتبت
فأحسنت...كم نحن في هذا الملتقى بحاجة الى مثل هذه المقالات التي تضيء الطريق
لمن يٌريد أن يفهم....وتضع النقاط على الحروف...فليست المشكلة في أهل الإختصاص
من فلاسفة وأهل حداثة....بل المشكلة في المختصين- ولست منهم-في العلوم الشرعية
ولهذا فأرجو النظر بما يلي-
1- ان على المختصين في علوم القرآن الكريم أن يتقدموا بمشروع علمي عالمي للنهوض
بالعلوم الشرعية كافة بالرجوع الى أساس العلم الشرعي القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
2- يجب التوضيح لإصحاب العلوم الشرعية أن إهتمامهم بعلومهم فقط مثل كتب الفقه
والحديث واللغة ونسيانهم أن تلك العلوم مصدرها القرآن الكريم عدا اللغة التي ترجع
أصولها الى عصور الجاهلية وكان من الأفضل لإهلها أن اذا تعارض كلام العرب
مع فصاحة القرآن الكريم أن يأخذوا بفصاحة القرآن ولغته لا العكس بإن يبحثوا
عن التأويلات!!!
3- وإن من العجب العجاب إننا الى اليوم ننظر في مناهج طلب العلم فلا نجد علوم
القرآن بل مثلا لانجد أهل الفقه يتدارسون آيات الأحكام كموضوع مستقل إلا القليل
والله تعالى أعلم.

 
عودة
أعلى