صياغة قواعد التفسير

إنضم
31/07/2005
المشاركات
107
مستوى التفاعل
0
النقاط
16
بسم الله الرحمن الرحيم
صياغة قواعد التفسير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ، أما بعد :​
ففي درس ( التعليق على تفسير الطبري ) لفضيلة الشيخ الدكتور / مساعد بن سليمان الطيار -حفظه الله- بتاريخ 21 / 6 / 1435 هـ ، علق فضيلته على قول المؤلف [1/ 336]: (وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها) ا.هـ بأن هذه العبارة ذكرها الطبري في عرض كلامه لا على أنها قاعدة، وإنما يحسن أن تستنتج منها القاعدة، وفي السياق نفسه أشاد فضيلته بكتاب الشيخ الأستاذ الدكتور / يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين -حفظه الله- ((القواعد الفقهية)) وبالخصوص ما يتعلق بجانب صياغة القاعدة ، مشيراً إلى أن كل من كتب في قواعد التفسير ينقصه جانب ضبط الصياغة وسبكها ، وأشار أيضاً إلى أهمية تهذيب الأفكار الموجودة في الكتاب وتوظيفها في قواعد التفسير العامة والترجيحية .​
وانطلاقاً من إشارة فضيلته فقد اجتهدت في استخلاص الأفكار المتعلقة بصياغة القواعد بالاقتصار على ما يراه المؤلف، وتوظفيه في قواعد التفسير. علماً بأن المؤلف ذكر ذلك في الفصل الرابع من الكتاب وعنونه بـ(مقومات القاعدة الفقهية) [ص161-187]، وذكر مضمون هذا الفصل كذلك في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان ((المفصل في القواعد الفقهية)) -مع قليل من الزيادات والتصويبات- في الفصل الثالث من الباب الأول والذي جعله تحت عنوان: (أركان القاعدة الفقهية وشروطها) [ص73-95].​
وسأتناول الموضوع من خلال العناصر التالية:​


  1. [*=2]أصل الأركان والشروط في القاعدة.
    [*=2]أركان القاعدة وشروطها.
    [*=2]من محسنات القاعدة ومكملاتها.
    [*=2]ما في صياغته إشكال من القواعد.
    [*=2]شروط تطبيق القاعدة.

1-أصل الأركان والشروط في القاعدة:
إن أصل بناء أركان القاعدة وشروطها هو كونها: ( قضية كلية )، وعلى هذا فيعتبر ما ذكره المناطقة لأركان القضية وشروطها في القاعدة.

2-
أركان القاعدة وشروطها:
الركن الأول: الموضوع، أو المحكوم عليه. وشروطه:
1) التجريد؛ بأن يتناول المعاني والصفات لا الأعيان.
2) العموم؛ بأن يتناول جميع أفراده. وهو مترتب على التجريد. واستغنى بعضهم بالتجريد عن العموم باعتبار أن القاعدة إذا كان موضوعها مجرداً فهي عامة حتماً.
ومثال الموضوع : لفظ «سبب النزول» في قاعدة: (سبب النزول له حكم الرفع) فهو متجردٌ في الصياغة عن سبب نزول معين ، وعام في كل ما يصدق عليه أنه سبب نزول لآية من القرآن .​
الركن الثاني: المحمول، أو المحكوم به على الموضوع، أو الحكم. وشروطه:
1) أن يشتمل على حكم .
2) أن يكون الحكم باتاً غير متردد فيه.
ومثال المحمول : لفظ «له حكم الرفع» في قاعدة: (سبب النزول له حكم الرفع) فهو مشتمل على حكمٍ باتٍ غير متردد فيه بأن سبب النزول له حكم الرفع.

3- محسنات القاعدة ومكملاتها :
من محسنات القاعدة ومكملاتها: أن تكون مصوغة بعبارة موجزة. ومن أمثلة ما فيه تطويل لا يناسب الفائدة من القاعدة:
- قاعدة: (صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن واللغة مرادًا بها الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء).
- قاعدة: (يقلل المقدر مهما أمكن؛ لتقل مخالفة الأصل).
- قاعدة: (متى جاءت "بلى" أو "نعم" بعد كلام يتعلق بها تعلق الجواب وليس قبلها ما يصلح أن يكون جوابًا له، فاعلم أن هناك سؤالًا مقدرًا، لفظه لفظ الجواب).
- قاعدة: (عطف الخاص على العام مُنَبِّه على فضله أو أهميته، حتى كأنه ليس من جنس العام؛ تنزيلًا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات).
- قاعدة:(دل الاستقراء في القرآن على أن الله تعالى إذا نفى عن الخلق شيئًا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك).
- قاعدة:( قد يرد نفي الشيء مقيدًا والمراد نفيه مطلقًا؛ مبالغة في النفي وتأكيدًا له).
- قاعدة:( قد استقر في عُرْف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكرين إذا أُطلقت, ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول الرجال والنساء).​

ما في صياغته إشكال من القواعد :
1. أن يخص الموضوع حالاً من الأحوال فيفقد اشتراط العموم؛ ومثال ذلك:​
- (قد يرد الخطاب بالشيء -في القرآن- على اعتقاد المخاطب دون ما في نفس الأمر).
- (قد يرد الشيء منكرًا في القرآن؛ تعظيمًا له).
- (العرب قد تعلق الأمر بزائل, والمراد التأبيد).
- (الغالب في القرآن, وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يُذكر قبله ما يدل عليه).
- (قد يقتضي الكلام ذكر شيئين, فيُقتصر على أحدهما لأنه المقصود).
- (قد يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط, فيُكتفى بأحدهما عن الآخر).
- (العرب لا يقدمون إلا ما يعتنون به غالبًا).
- (الغالب عند مقابلة الجمع بالمفرد أنه لا يقتضي تعميم المفرد، وقد يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له).​
2. أن يكون المحمول على صيغة السؤال المشتمل على حكمين؛ فهو بذلك لا يعتبر قاعدة بصيغته المذكورة بل هو قاعدتان إذ الحكم فيه لم يكن باتاً، ومثال ذلك:
- (إذا استُدل بالفعل لشيئين، وهو في الحقيقة لأحدهما، فهل يضمر للآخر فعل يناسبه؟).
- ( الأمر المعلق على اسم, هل يقتضي الاقتصار على أوله؟).
- (الأمر بواحد مبهم من أشياء مختلفة معينة، هل يوجب واحدًا منها على استواء؟).
- (العموم إذا تعقبه تقييد باستثناء، أو صفة، أو حكم، وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما يتناوله العموم، هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض أم لا؟).​
3. أن يكون المحمول تقسيماً، أو نوعاً مما يشمله الحكم الكلي؛
فمثال التقسيم:
- (نزول القرآن تارة يكون مع تقرير الحكم، وتارة يكون قبله، والعكس).
- (قد يكون سبب النزول واحدًا والآيات النازلة متفرقة، والعكس).
- (نفي الاستطاعة قد يُراد به نفي القدرة والإمكان، وقد يُراد به نفي الامتناع، وقد يُراد به الوقوع بمشقة وكلفة).
- (الأوامر والنواهي على ضربين: صريح وغير صريح. فأما الصريح فله نظران: أحدهما: من حيث مجرده لا يعتبر فيه علة مصلحية. الثاني: هو من حيث يُفهم من الأوامر والنواهي قصد شرعي بحسب الاستقراء, أو القرائن الدالة على أعيان المصالح في المأمورات، والمفاسد في المنهيات. وأما غير الصريح فضروب: 1- ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم. وهذا له حكم الصريح. 2- ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله في الأوامر، أو ذمه أو ذم فاعله في النواهي، ونحو ذلك، فهذا دالّ على طلب الفعل في المحمود، وطلب الترك في المذموم. 3- ما يتوقف عليه المطلوب, وهذا مختلف فيه).
- (ما أمر الله به في كتابه: إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه؛ فهذا أمر له بالدخول فيه, وإما أن يوجه لمن دخل فيه، فهذا أمره به ليصحح ما وُجد عنده منه، ويسعى في تكميل ما لم يوجد فيه).
- (نفي الاستطاعة قد يُراد به نفي القدرة والإمكان، وقد يُراد به نفي الامتناع، وقد يُراد به الوقوع بمشقة وكلفة).
- (مقابلة الجمع بالجمع تارة تقتضي مقابلة الآحاد بالآحاد، وتارة تقتضي مقابلة الكل لكل فرد، وتارة تحتمل الأمرين، فتفتقر إلى دليل يعين أحدهما )​
ومثال النوع:
- (ضمير الغائب قد يعود على غير ملفوظ به، كالذي يفسره سياق الكلام).​
وقد بين أ.د./ يعقوب الباحسين في كتابه: ((القواعد الفقهية))ص85-89 أن التقسيم هو: تحليل ما يصدق عليه اسم الكلي. وعليه فلا ينطبق عليه مصطلح القاعدة بل بينهما تباين فلا تسمى القاعدة تقسيماً ولا التقسيم قاعدةً إلا بضرب من التأويل والأصل عدمه.​
4. أن يستثنى من المحمول؛ ومن أمثلة ذلك في القواعد:
- (لكل حرف من حروف المعاني وجه هو به أولى من غيره، فلا يجوز تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة).
- (الأمر يقتضي الفور إلا لقرينة).
- (الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم إلا لدليل).
- (النهي يقتضي التحريم والفور والدوام إلا لقرينة).
- (الخطاب لواحد من الأمة يعم غيره, إلا لدليل يخصصه به).
- (الخطابات العامة في القرآن تشمل النبي, كما أن الخطابات الموجهة إليه -عليه الصلاة والسلام- تشمل الأمة إلا لدليل).
- (إذا ورد الشرط، أو الاستثناء، أو الصفة، أو الغاية، أو الإشارة بـ "ذلك"، بعد مفردات أو جمل متعاطفة، عاد إلى جميعها، إلا بقرينة).
- (الكلمة إذا احتملت وجوهًا لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة).
- (الأصل حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا لدليل).
- (لا يجوز إخراج ما احتمله ظاهر الآية من حكمها إلا بحجة يجب التسليم لها).
وذهب أ.د./ يعقوب الباحسين في كتابه: ((قاعدة اليقين لا يزول بالشك)) ص236 و((المفصل في القواعد الفقهية)) ص49 إلى أن ما يذكر من مستثنيات لا يقدح في كليّة القاعدة؛ لأنها كليات استقرائية لا عقلية، كما أن شروط تطبيق القاعدة كافية في إخراج المستثنيات منها، فلا حاجة إلى المستثنيات أصلاً. وهو بهذا يميل إلى اطراد القاعدة وعدم القول بأنها أكثرية لأن ذلك يفقدها كليتها.

5- شروط تطبيق القاعدة :
لما كانت قواعد التفسير استقرائية لزم أن يكون لصدقها قيود وشروط ، وبهذه الشروط يتخلص من دفع الطعن في كليّة القاعدة ، وهي :​
1. أن تتوفر في الجزئيات الشروط الخاصة، التي لابد منها لانطباق القاعدة عليها.
ومثال ذلك : قاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فإنه يشترط لتطبيقها: ألا يقترن اللفظ بما يدل على العموم أو الخصوص، فإن اقترن به دل اللفظ على ما دلت عليه القرينة إجماعاً.​
2. أن لا يعارضها ما هو أقوى منها، أو مثلها، سواء كان دليلاً فرعياً خاصاً معتداً به، أو قاعدة أخرى متفقاً عليها.
فمثال معارضة الدليل:​
- معارضة القواعد الدالة على اعتبار السياق للتفسير النبوي الثابت في تفسير قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} فالسياق في مسجد قباء، والتفسير النبوي بين أن المراد مسجده صلى الله عليه وسلم .​
ومثال معارضة القاعدة:​
- معارضة القواعد الدالة على اعتبار السياق لتفسير جمهور السلف في قوله تعالى: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} فالسياق في مشركي قريش، وتفسير جمهور السلف على أن الشاهد عبدالله بن سلام رضي الله عنه.​

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.​
 
"كل من كتب في قواعد التفسير ينقصه جانب ضبط الصياغة وسبكها..."
هذه صحيح،وهناك في نظري نقص آخروهو غياب الترتيب والتصنيف...فقواعد التفسير ليست كلها سواء ، بعضها كلي وبعضها جزئي...
فثمة قواعد من مجال أصول التفسير، وأخرى من مجال التفسير نفسه ..(على غرار الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية)
وهذه القواعد الكلية والجزئية جميعا ليست مستمدة من خطاب واحد، فبعضها مستمد من العقيدة ،وبعضها من البلاغة،وبعضها من علم الكلام(عند المعتمدين عليه) ، وبعضها تداولية مصدرها الشبكة الثقافية العامة ...وغيرها..
فيتعين على كتب قواعد التفسير ألا تكون سردية فقط ( أي تسرد القواعد) ولكن يفضل أن تكون "صنافية" أيضا.
 
جزاك الله خيرا.
هل روى أحد سبب نزول آية بلفظ "سبب نزول"؟
أم هو تقسيم عقلي جاء به الزُرقاني من تلقاءِ نفسه، رحمه الله؟
 
توضيحاً لاعتماد الشيخ على كون القاعدة ( قضية كلية ) أقول:

يفرق الشيخ أد. يعقوب الباحسين -حفظه الله- بين الكلية الاستقرائية والكلية العقلية؛ فالعقلية لا تنخرم، أما الاستقرائية فيشترط لصدقها شروط، ومثال الكلية الاستقرائية: ( درجة غليان الماء ١٠٠* ) وهذا ليس دائماً بل لها شروط من أن يكون بمستوى سطح البحر وأن يكون له درجة ضغط معينة، وكذلك: ( قانون العرض والطلب الاقتصادي ) لا يكون صادقاً إلا تحت ظروف أو شروط معينة = فكذلك القواعد العلمية هي كليات استقرائية.

وعلى هذا فيمكن تلخيص رأيه بما يلي:


  1. [*=2]أن القول بأنها كلية لا يعني أنها تصدق دائماً بل لتطبيقها شروط بالتفصيل المذكور.
    [*=2]أن القول بأنها أغلبية يفقدها فائدتها؛ لأنه يعني أنها تتخلف عما يناسبها، فالقول بأنها ( كلية تصدق فيما تحققت فيه شروط تطبيقها ) = أقوى لها، وبه يمكن الاعتماد عليها.
وبالله التوفيق.
 
عودة
أعلى