سورة لقمان: سورة نسف المرجعية قراءة بنيوية في تفكيك مصادر الاحتكام الزائف وبناء المسؤولية الفردية

اسيل

New member
إنضم
16/01/2026
المشاركات
1
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
الإقامة
الاردن
تُقرأ سورة لقمان في الوعي العام بوصفها سورة أخلاقية تربوية، تبرز حكمة لقمان ووصاياه لابنه، وتُدرج غالبا ضمن خطاب القيم الأسرية والسلوكية.

غير أن هذه القراءة، على وجاهتها، تُخفي البنية العميقة للسورة، والتي لا تشتغل أساسا على تهذيب السلوك، بل على تفكيك المرجعيات التي يحتكم إليها الإنسان قبل السلوك.

فهي سورة نسف المرجعية، أي تفكيك كل ما يمكن أن يتحول إلى مصدر احتكام بديل عن احكام الله، سواء كان محتوى، أو جماعة، أو نسبا، أو تراثا، أو عاطفة، أو سلطة.

نلاحظ أن الآية التي تمسك البناء كله، وتُعد خلاصة مشروع السورة، هي قوله تعالى:

﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ

وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾

هذه الآية لا تأتي بوصفها توجيها تعبديًا فقط، بل بوصفها القرار النهائي بعد نسف كل البدائل.


فبعد أن تُفكك السورة المرجعيات الزائفة واحدة تلو الأخرى، تُبقي هذه الآية مرجعية واحدة لا تحتاج إلى سند خارجي، وهي الله اولا وآخرا ، واما شرط الإحسان فهو ضبط الفعل وعياً ومسؤولية ًتحت مرجعية الله.


تفكيك المرجعيات

تبدأ السورة بتحذير صريح من نوع خاص من الانحراف:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾

والخطورة هنا ليست في الترفيه، بل في تحول المحتوى إلى مرجعية تشكيل وعي.

فلهو الحديث هو كل خطاب يملأ العقل ويعطّل الميزان، ويصرف الإنسان عن التفكير في الغاية والمعنى، دون صدام أو مواجهة مباشرة.


ثم تنتقل السوره الى تفكيك المرجعية الثانية: مرجعية الخلق المدّعى وتطلب البرهان على ذلك

﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾

فالمرجعية التي لا تُنتج نظاما، ولا تحفظ توازنا، ولا تُحيي واقعا، تُسحب منها الشرعية مهما كان اسمها أو قدسيتها.وبذلك تُنسف مرجعية:

الأصنام و الأفكار المجردة والأشخاص

حين لا تملك أثرا حقيقيا.


ثم تأتي على تفكيك المرجعية الثالثة: مرجعية الجماعة والنسب


وتبلغ السورة ذروة خطورتها في قوله تعالى:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾

هنا تُسحب المرجعية حتى من الوالدين، لا من حيث البرّ، بل من حيث الاحتكام.

فالمعيار ليس في القرب، ولا العاطفة، ولا التضحية، بالعلم اي تملك أنت مسؤولية الاحتكام إليه أمام الله.

وتضع السورة ميزانا دقيقا:لا طاعة بلا علم لا احتكام بلا دليل ولا تقديس للعاطفة على حساب الحقيقة


ثم تأتي على تفكيك المرجعية الرابعة: مرجعية التقليد

تُدين السورة الاتباع غير الواعي:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾



فالتقليد (الاتباع غير الواعي )هنا ليس خطأ معرفيا بسيطا، بل تنازل عن المسؤولية الفردية.

والسورة، في مجملها، تُعيد تحميل الإنسان عبء قراره، وتمنعه من الاحتماء بأي مرجعية جمعية.


بعد كل هذا النسف المتدرج، لا تترك السورة فراغا، بل تُعيد البناء:

﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾

والتسليم هنا ليس تعطيل عقل ولا انصهارا في جماعة بل توجيه البوصلة إلى مرجعية واحدة ثابتة

الخلاصة
سورة لقمان ليست سورة وصايا أخلاقية فقط،بل سورة تحرير القرار الإنساني.

هي سورة تقول:

• لا محتوى يُفكّر عنك

• لا جماعة تتحمل عنك

• لا نسب يُنقذك

• لا تقليد يُعفيك

ثم تختم:

إن أردت عروة لا تنقطع،

فاجعل مرجعيتك لله،

واضبط فعلك بوعي تحت تلك المرجعيه.
 
عودة
أعلى