"سورة المائدة: ما الذي يقصده الله بـ 'من قبلكم'؟"

إنضم
02/01/2018
المشاركات
145
مستوى التفاعل
10
النقاط
18
الإقامة
غير معروف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لفت انتباهي في آية المائدة (5) دقة التعبير القرآني في التفريق بين الأحكام.

قال تعالى:
«وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم»
ثم قال: «والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم»

فنلاحظ أن قيد (من قبلكم) لم يأتِ في حكم الطعام، لكنه جاء صريحًا في حكم الزواج.

وهذا يفتح باب التأمل:
لماذا ذُكر القيد الزمني هنا ولم يُذكر هناك، مع أن المخاطَبين واحد وسياق السورة واحد؟

من المعلوم أن القرآن لا يذكر قيدًا إلا لحكمة، ولا يُهمل قيدًا إلا لحكمة.
فإضافة «من قبلكم» قد تكون إشارة إلى مرحلة زمنية محددة كان فيها هذا الحكم قائمًا، دون أن يُصرَّح بتعميمه خارج ذلك السياق.


أطرح هذا للتدبر في دقة اللفظ القرآني، لا للجزم ولا للاعتراض، والله أعلم.
 
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

"من قبلكم" قيد لا مفهوم له ، فكل الذين أوتوا الكتاب هم بالضرورة كائنون من قبلنا ، لأن رسالتنا هي الخاتمة الناسخة، فلن يؤتى أحد كتابا بعدنا، فلا فائدة لذكرالقيد في الظاهر!

لكن القرآن – كما ذكرتم- لا يذكر شيئا إلا لحكمة...فما الحكمة من ذكر أمر بديهي ؟

لعل الحكمة بلاغية ،قصدها التمييز بين الطعام والزواج ، فلا شك أن الطعام أمره أهون بكثير من الزواج لأن للزواج تبعات جليلة وخطيرة فهي تكوين أسرة وإنشاء ذرية وسلالة فيكون زيادة القيد تنبيها بلاغيا على هاجس التحري والاحتراز، لأن من شأن إملاء القيود إثارة الانتباه والاحتراس...وهذا الباب البلاغي له أمثلة في التنزيل:

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق : 6]

القيد المكاني "فَوْقَهُمْ" كالقيد الزمني "من قبلكم" ...فوقية السماء جزء من ماهيتها فلا حاجة لذكرها، فأهل اللغة يقولون:" كل ما علاك سماء" فمن علم معنى السماء علم بالضرورة فوقيتها فكيف يذكر القرآن ما هو تحصيل حاصل !

هنا مقصد بلاغي جليل هو تبكيت هؤلاء الغافلين وتقريعهم فالتقدير: أنتم عمي غافلون لا تنظرون إلى آيات السماء ، ولعلكم لا تعرفون السماء نفسها، فهي التي فوقكم!!
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا على هذا الموضوع وانا اتفق معكم ان الإشارة الى (قبلكم) هي قد تكون للتأكيد وتعظيم امر الزواج ولكن في المثال الذي طرحة الأخ العزيز أبو عبد المعز المتمثل في قوله تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق : 6])) حول كلمه فوقهم فهنا نجد ان فيها نظر لأنه ورد بالقران الكريم عدد من الالفاظ منها (من فوقهم) وهي تختلف عن كلمه فوقهم، فعبارة فوقهم تدل على القرب في مسافة الارتفاع مثل قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19))) وقوله تعالى ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)) اما كلمة من فوقهم فتدل على بعد مسافة الارتفاع مثل قوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50))) سبق النقاش من قبل احد الاخوة في موضع طرح سابقاً في هذا الموقع.
تفضلوا بقبول خالص التقدير
وليد الغشم
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،


أشكركم جزيل الشكر على النقاش البنّاء والملاحظات القيمة حول عبارة "الذين أوتوا الكتاب من قبلكم". حقًا، التدبر في ألفاظ القرآن يُظهر لنا دقة اختيار الكلمات وحكمتها.

أود أن أشارككم بعض الملاحظات الإضافية حول هذا الموضوع:

سياق التجربة الواقعية في آل عمران 186:
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

هنا الله يخاطب المؤمنين ويشير إلى أنهم سيسمعون أذىً من الذين أوتوا الكتاب . عبارة "من قبلكم" ليست مجرد بلاغة لغوية، بل هي تحديد زمني دقيق: هؤلاء تلقوا الكتاب قبل بعثة النبي ﷺ، والسبق الزمني مرتبط بتجربة حقيقية واجهها المسلمون.

سياق التحذير الواقعي في المائدة 57:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

الآية تشير إلى سلوك واقعي حدث في زمن الرسول ﷺ، حيث اتخذ بعض الذين أوتوا الكتاب دين الله هزواً ولعباً. الجمع بين "اتخذوا دينكم هزواً" و"من قبلكم"يدل على أن السبق الزمني في التلقي هو جزء من الخبر الواقعي، وليس مجرد بلاغة.
مقارنة بالبلاغة القرآنية:
في مواضع أخرى، مثل قوله تعالى:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق : 6]

القيد البلاغي "فوقهم" يُستعمل للتنبيه والتدبر، لكنه لا يغير الحقيقة الواقعية للسماء نفسها. بالمقابل، في الآيات التي ذكرناها، حذف "من قبلكم" سيغير فهمنا للسياق الواقعي، لأن السبق الزمني مرتبط بما وقع للمسلمين زمن الرسول ﷺ.
 
عودة
أعلى