الأخ الكريم وفقه الله
أشكرك على تشجيعك وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ، وأن يوفقنا لحسن القصد وإخلاص العمل لوجج سبحانه وتعالى .
أما سؤالك الأول فهو يتعلق بموضوع في غاية الأهمية من علوم البيان العربي وهو موضوع التقديم والتأخير في الكلام ودلالالته البلاغية . وقد كتب فيه العلماء وأشاروا إلى أهميته . ومن أول من كتب في ذلك العلامة سيبويه رحمه الله في (الكتاب) واشار إلى بعض أغراضه ، ثم توسع المتأخرون في بيانه ومن أمثلهم العلامة عبدالقاهر الجرجاني رحمه الله .
وقد صنفت مؤخراً كتب قيمة في تتبع هذه الظاهرة العربية في القرآن الكريم وفي الشعر العربي ، وهي جديرة بالقراءة والانتفاع مما فيها .
ومنها كتاب قيم كنت أعلنت عن صدوره في الملتقى بعنوان (بلاغة التقديم والتأخير في القرآن الكريم) للدكتور علي أبو القاسم عون ، وغيره من الدراسات الجادة . وهناك كتاب قيم صدر مؤخراً حول هذا الموضوع من مكتبة وهبة في القاهرة لعلي أعرضه في الملتقى في أقرب فرصة بإذن الله .
وأما جواب سؤالك الأول فقد وجدت له جواباً مكتوباً من كلام العالم الجليل الأستاذ الدكتور فاضل بن صالح السامرائي نفع الله به وبعلمه . ونصه كما وضعته في الملتقى أختنا الكريمة سمر الأرناؤوط وفقها الله :
- قوله تعالى (بما تعملون بصير) وفي آية أخرى يقول (بصير بما تعملون) فهل للتقديم والتأخير لمسة بيانية؟( د.فاضل السامرائى)
التقديم والتأخير يأتي لسبب والسياق قد يكون الحاكم والموضح للأمور.
إذا كان سياق الكلام أو الآية في العمل يقدّم العمل ، وإذا لم يكن السياق في العمل أو إذا كان الكلام على الله سبحانه وتعالى وصفاته يقدّم صفته. من باب تقديم العمل على البصر: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) البقرة) بهذا العمل بصير، إذا كان السياق عن العمل يقدم العمل على البصر وإذا كان الكلام ليس في السياق عن العمل أو الكلام على الله تعالى وصفاته يقدم صفته. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) البقرة) هذا إنفاق، (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) البقرة) (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) البقرة) (وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) هود) (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) الكلام على العمل فقدم العمل (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) سبأ) قدم العمل، (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت) هذا في القرآن كله إذا كان الكلام ليس على العمل أو على الله تعالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة) ليس فيها عمل، (وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) المائدة) لا يوجد عمل، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحجرات) يتكلم عن الله تعالى فيقدم صفة من صفات الله تعالى.
وأما سؤالك الثالث فكذلك ليس بعيداً عن موضوع التقديم والتأخير ودلالته البلاغية والنفسية .
وقد وجدت جوابه كذلك للدكتور فاضل السامرائي وهذا نصه :
*ما دلالة اختلاف ترتيب العدل والشفاعة بين آية (123)و(48)؟(ورتل القرآن ترتيلاً)؟
(وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ (123) البقرة) إذا استحضرنا الآية المماثلة لهذه الآية وجدنا اختلافاً في العدل والشفاعة فهناك قدّم (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ (48)) واخّر (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) وهنا قدّم (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ) لنُكتة أدبية وبلاغية وذاك أن أحوال الأقوام في طلب الفِكاك عن الجُناة تختلف فمرة تراهم يٌقدّمون الفِداء فإذا لم يُقبل منهم يُقدِّمون الشفعاء وتارة يُقدِّمون أولاً الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء فعرضت الآيتان أحوال نفوس الناس في فِكاك الجُناة.
وأما جواب سؤالك الثاني فقد ذكر له الدكتور عبدالعظيم المطعني توجيهاً جيداً في كتابه القيم (التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم) لعلي أنقل لك خلاصته في وقت أوسع بإذن الله . أو يتكرم أحد الزملاء في الملتقى فيفيدني وإياك بالجواب الصحيح إن شاء الله .
الهمزة في المثالين ( للإنكاروالتوبيخ) , أما ما تراه بعدهما من اختلاف تارة بالفاء وتارة بالواو !
فاعلم أنهما حرفا عطف , جاءت في الأولى فاء؛ لإرادة التفريع على آية مضت -والله أعلم - و في الثانية جاءت بواو لأنها معطوفة على مقدر يستنبط من فهم الآية .
أما آية ( أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم ) فــ (أم) حرف .
والواضح من سؤالك - أخي الكريم - أنك تظن أن ( أفــ ) و ( أوَ ) تعادلان ( أم ) وهذا ليس بصحيح . كما ذكرت .
وإليك تفصيل مبسط عن ( أم )
أم = تأتي :
1/ متصلة :
- لا يستغني ما قبلها عما بعدها = ( سواء عليّ أقمت أم قعدت )
- تقع بعد همزة التسوية = ( المثال السابق )
- تقع بعد همزة يطلب بها وبـ (أم) التعيين .. = ( أزيد قام أم عمرو )
2/ منقطعة :
- لا يفارقها الإضراب أبدا (خلافا لأبي عبيدة ) = ( تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه )
- تقع في الخبر المحض = ( مثاله : الآية السابقة )
- تقع في استفهام بغير الهمزة = (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور )
- وقد تقع بالهمزة إذا خرج عن معناه الأصلي = ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ) .
3/ زائدة :
=( ياليت شعري ولا منجا من الهرم ** أم هل على العيش بعد الشيب من ندم
4/ للتعريف : كما في في لغة حمير : ( أمْقمر ) .
والسؤال الثالث : أجاب عنه الشيخ عبدالرحمن وفقه الله .
وأستأذنه في أن أضيف بعض الكلام لعله يوضح المراد ..
إن الضمير في (منها) = راجع في الأولى إلى النفس الأولى وفي الثانية إلى النفس الثانية.
ففي الأولى نجد أنها قدمت الشفاعة ؛ لأن الشافع يقدم الشفاعة على بذل العدل عنها .
وفي الثانية قدم العدل ؛ لأن الحاجة إلى الشفاعة إنما تكون عند رده .
وإليك توضيح ذلك
لو أن عندنا شخص حُكم عليه بالقصاص ثم ذهب هو بنفسه إلى أولياء المقتول . ما الظن أن يقدم لهم ؟!
لا شك أنه سيقدم لهم الأموال لعلهم يصفحون عنه فإن لم يرضوا بالأموال ذهب ليأتي
بشفيع .
أما لو ذهب شخص عزيز على أولياء المقتول فإنه سيقدم الشفاعة فإن لم يجد تجاوبا منهم قدم لهم الأموال .