حول مؤشر السعادة !

البهيجي

Well-known member
إنضم
16/10/2004
المشاركات
2,833
مستوى التفاعل
131
النقاط
63
العمر
66
الإقامة
العراق
بسم الله الرحمن الرحيم

(تقرير السعادة العالمي.. زيف ممنهج )​


ياشا مونك؛ ترجمة: عصام محمد الجاسم: الجبيل الصناعية
(
كما هو الحال في كل عام، في العشرين من مارس، من المرجّح أن يتصدّر أمام ناظريك فيضٌ من العناوين الإخبارية التي تضجّ بنبأ صدور تقرير السعادة العالمي. فها هي وكالة أسوشيتد برس تطالعنا بـ(مانشيت) يصدح قائلاً: فنلندا تتربّع مجدّداً على عرش أسعد بلاد الدنيا، بينما تهوي الولايات المتحدة إلى حضيض لم تدركه من قبل، حتى إنّ مجلة فوربس تناولت الموضوع من منظور فلسفي، واعدةً قرّاءها بخمسة دروس مستقاة من تجربة فنلندا، التي تُصنَّف مرةً أخرى كأسعد دولة في العالم.

صدر هذا التقرير عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع ركز أبحاث الرفاه بجامعة أكسفورد، ليحمل بين طياته فحوى لم تتبدل معالمها ولم تَحِدْ عن جادّتها منذ انطلاقته الأولى في عام 2012، إذ لا تزال بلدان إسكندنافيا تتربّع على عرش السعادة العالمي، فجاءت فنلندا في طليعة الركب لهذا العام، تَقفو أثرَها كلٌّ من الدنمارك وآيسلندا والسويد. وفي المقابل، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية - على الرغم من كونها صرحاً شامخاً من صروح الثراء والتمكين الاقتصادي - لا تزال تتخلّف عن ركب الصدارة، فلم تحصد في مضمار هذا السباق العام إلا المركز الرابع والعشرين من بين مئة وسبع وأربعين دولة شملها التقرير، لتتوارى بذلك خلف دول أقلّ منها ثراء وأضيقَ مورداً، كليتوانيا وكوستاريكا.

لا بدّ لي من الاعتراف بأنّ ريبة تجاه هذا التصنيف قد راودتني منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناي عليه، ولأنّ لدي عائلة في كلّ من السويد والدنمارك على حدّ سواء، قضيتُ شطراً غير يسير من العمر في ربوع الدول الإسكندنافية، ورغم يقيني بما ترفل فيه تلك البلاد من مزايا لا تُنكر، إلا أنها لم تتبدَّ لي يوماً في صورة جِنان البهجة أو معاقل السرور، فهي بلاد يغشاها الزمهرير، ويلفّها الظلام جلَّ أيام السنة، ناهيك عن طبيعة شعوبها التي تميل إلى الانطواء المفرط والتباعد الاجتماعي الصارم، وحين تجوب أرجاء مدينتي كوبنهاجن أو ستوكهولم بساحاتهما الفاتنة، يندر أن تقع عيناك على ثغر باسم أو وجه طلق. فهل يُعقل، حقّاً، أن تكون هذه البقاع هي الأكثر غبطةً وسعادةً على وجه البسيطة قاطبة؟

لذا، إجلالاً واحتفاءً بـ(يوم السعادة العالمي)، عقدتُ العزم على أن أتبع حدسي، وأغوص أكثر في غمار البحث والتقصّي حول هذا الشأن بعمق وجلاء، بيد أنّ ما تبيَّن لي كان أنكى وأمرَّ مما تخيّلته؛ فإذا أردتُ الحديث بلغة منمّقة، قلتُ إنّ تقرير السعادة العالمي يرزح تحت وطأة معضلات منهجية جمّة، أمّا إذا آثرتُ الصدق والقول الفصل، فهو محضُ تقرير زائف ومضلِّل.

غالباً ما توحي التقارير الإخبارية المتواترة حول تقرير السعادة العالمي بأنّه ثمرةُ جهود بحثية مضنية واستقصاءات علمية، فبينما تشير صحيفة نيويورك تايمز -في معرض حديثها عن نسخة العام المنصرم - إلى أن التقرير يُصاغ سنوياً برعاية ائتلاف من الهيئات، يتصدّرهما منظمتا الأمم المتحدة ومعهد غالوب، حذّرت في نبرة قاتمة معلنةً أن الولايات المتحدة قد خرجت من قائمة العشرين الكبار، دون أن تشوب صياغتَها شائبة من ريبة، أو تلوح في أفقها لفتة من تشكيك في مدى موثوقية مثل هذه النتيجة.

في ضوء هذه التصريحات الواثقة، وفي ظل غياب أي أصوات ناقدة في جل هذه التقارير الإخبارية، قد يُعذر المرء إذا خُيِّل إليه أن هذا التقرير يعكف على تقييم مستويات السعادة في كل بلد من بلدان العالم تقييماً دقيقاً، مستنداً في ذلك إلى منهجية بالغة التعقيد، تجمع -على الأرجح- بين المعايير الذاتية والموضوعية على حدّ سواء. بيد أنّه، بمجرد إمعان النظر والتمحيص، يتكشّف لنا أنّ تقرير السعادة العالمي لا يرتكز على أي جهد بحثيّ جوهري، فبعيداً عن قياس مدى سعادة الشعوب عبر مزيج متطوّر من المؤشرات، نجده يكتفي بمجرد تجميع الإجابات عن سؤال واحد يتيم، وُجِّه إلى عينات محدودة نسبياً من الأفراد في كل دولة:

تأمّل معي سلّماً، درجاته مرقومة من الصفر قابعاً في القاع، إلى العاشرة شامخة في الذروة. لنفترض أن أعالي هذا السلّم تختزل أبهى حياة تصبو إليها النفس، وأنّ أدناه يجسّد أسوأَ ما قد يؤول إليه من مآل، فإذا كانت العاشرة هي الغاية في الكمال، والصفر هو القرار في الشقاء، فأين ترى موطئ قدمك على درجات هذا السلم في لحظتك الراهنة؟

إن المعضلة الجلية التي تعتري هذا التساؤل -والموسوم بـ(سلّم كانتريل) – تكمن في كونه ينأى تماماً عن جوهر السعادة ومعناها الحقيقي، إذ كشفت لنا الاستطلاعات المستفيضة أن ثمة بوناً شاسعاً وفارقاً جلياً في استجابات البشر حين يتم سؤالهم عما يحقق رضاهم العام عن مسيرة حياتهم، وبين تلك اللحظات التي يُسألون فيها عن كنه مشاعرهم الآنية ومدى بهجتهم في وقتهم الراهن. إن إنجاب الذرية، على سبيل المثال، يغمر وجدان الوالدين بشعور متعال بسمو الغاية وفحوى الوجود، بيد أنه -ويا للمفارقة- لا يُترجم بالضرورة إلى فيض من السعادة الآنية في أي لحظة معيشية معينة، حتى في تلك الأوقات التي يقضونها في كنف أطفالهم. وعليه، فإن أي تصنيف يرتكز استقصاؤه حصراً على (سلّم كانتريل) لن يمنحنا، في أقصى تقديره، سوى ما يمكن تسميته بـ(تقرير الرضا الذاتي عن الحياة على مستوى العالم)، ومن هنا نفهم لماذا لن يُغري مثل هذا العنوان الصادق العديد من الصحفيين للكتابة عنه.

إن المعضلة الأقلَّ جلاء في (مقياس كانتريل) لا تكمنُ فحسب في قصوره عن سبر أغوار الرضا الذاتي لدى المستطلَعةِ آراؤهم، بل في إخفاقه الصارخ في قياس كنهِ حياتهم؛ فبينما انبرى فريقٌ من الباحثين لاستنطاق أكثرَ من ألف مشارك في المملكة المتحدة حول فحوى هذا السؤال وما يرمي إليه، جاءت الإجابات الأكثر شيوعاً لتتمحور حول مفاهيم الثروة، والغنى، والنجاح، ما يكشف عن خلط مفاهيمي عميق بين جودة الحياة وبريق المقتنيات. وكما بيَّن أوغست نيلسون وزملاؤه في تفنيد بليغ وجهد دقيق، فإن لغة السؤال في طيّاتها ملامح تستدرج وعي المجيب، إذ إنَّ السُّلَّم كاستعارة، والتركيز على صورتي الدرجة العليا و(الدرجة السفلى)، يفرضان على المستجيب سياقاً يربط الرخاء بالتراتب الطبقي. أما النتيجة فتبعث على التأمل والتفكير، إذ يقولون: لئن كان سلّم كانتريل هو المقياسَ الأكثر شيوعاً لرفاه الإنسان، فإن النتائج توجب الحذر في قراءة دلالاته، إذ يبدو أن هيكل هذا السلّم يوجّه المشاركين قسراً نحو رؤية للرفاه تتمحور حول موازين السلطة وبريق الثروة والرفاهية.

لكن ربما تكمن المعضلة الكبرى التي تكتنف تقرير السعادة العالمي في أن مقاييس الرضا الذاتي عن الحياة لا تبدو متناغمة - بأي حال - مع تلك الغايات السامية التي نصبو إليها حين نستحضر مفهوم السعادة. فمن نافلة القول، وبحكم المنطق السديد، أن نتوقع من تلك الدول التي تتربع على عرش السعادة العالمي أن تكون الأقل تعرضاً لمشكلات الصحة النفسية. ولكن، هيهات لما تروّج له المنصات الإعلامية؛ إذ تبيّن أن قاطني تلك البلاد الإسكندنافية -التي ما انفكّت الصحافة تحتفي بسعادتها المزعومة- هم الأكثر إقبالاً على تجرّع عقاقير الاكتئاب، بل والأكثر إقداماً على الانتحار. فبينما تتربع فنلندا والسويد باعتلاء عرش مؤشرات السعادة العالمية، نجدهما في المقابل ترزحان تحت وطأة أعلى معدلات الانتحار في الاتحاد الأوروبي، إذ تُصنّفهما الإحصائيات الحديثة ضمن الدول الخمس الأكثر في هذا المضمار.

لقد تجلى لي بوضوح أن حدسي كان صحيحاً وفقاً للبيانات، أيدته شواهد الأرقام؛ فبلدان إسكندنافيا لا تكتفي بكونها أقل سعادةً مما تصوّره لنا عناوين الأخبار البرّاقة كل عام، بل إننا إذا ما سبرنا أغوار مؤشرات شتى تلامس جوهر السعادة في وجدان الإنسان العادي وفهمه الفطري لها - بقدر ما يفعل ذلك المعيار الوحيد الذي يعتمده تقرير السعادة العالمي- سنجد أن دولاً كفنلندا لا تحظى بمكانة تُذكر، ولا يرتفع لها شأن خاص في سلم السعادة الحقيقية.

لقد انبرى العالمان المرموقان في علم الاقتصاد، داني بلانشفلاور وأليكس برايسون، في ورقة بحثية حديثة لسبر أغوار الحقيقة واستجلاء ما قد يؤول إليه ترتيب السعادة العالمي إذا ما أُخضع لمعايير أرحبَ وأشملَ نطاقاً، فإذا بهما يطالعان مشهداً مغايراً تماماً، ويقفان على صورة تقلب الموازين رأساً على عقب)
ونكمل لاحقاً إن شاء الله تعالى .
 
عودة
أعلى