(تدبر آية) د/ رقية العلواني

إنضم
03/01/2021
المشاركات
834
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر

    • تدبر آية:

      حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله


      القرآن الكريم على عكس ما قد يظنه البعض كتاب يعلم الإنسان أن يعيش متفائلًا، أن يعيش مقبلًا على الحياة بكل الأمل متيقنًا أن الغد يحمل أخبارًا سارة وأن العيش سيكون أفضل وأن اليوم ينبغي أن يكون أفضل من الأمس وأن الغد يحمل معه تباشير الأمل.


      هذه النظرة المتفائلة للحياة تجعل الإنسان يستقبل أحداث الحياة التي قد تعلوها في بعض الأحيان أشياء من الصعوبات والشدائد والمحن المعتادة التي هي لا تخرج عن طبيعة الحياة، الحياة لا يمكن أن تصفو بدون كدر لا يمكن أن تبقى على طبيعة واحدة، الحياة من طبيعتها إذا أردنا بالفعل أن نفهم طبيعتها، من طبيعتها أنها تحمل الكدر في ثنايا الصفاء والنقاء، أنها قد يعرض فيها للإنسان المرض وهو في كامل صحته وعافيته وقوته.


      السؤال كيف أستقبل تلك الأحداث بنفس متشائمة؟ بنفس مليئة بالإحباطات؟ بنفس لا ترى الغد إلا أنه يحمل الأسوأ؟ أم بنفس مطمئنة بنفس راغبة بالله سبحانه وتعالى متفائلة مقبلة عليه متيقنة أن الله سيكشف الضر والله سبحانه وتعالى منجز وعده للمؤمنين.


      تأملوا قول الله عز وجل في سورة التوبة


      (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ( التوبة))


      صحيح الآيات في سياق الحديث عن المنافقين في أثناء تقسيم الصدقات

      لكن العبرة في القرآن

      قاعدة:

      العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


      الآية في آخر كلماتها

      (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ)

      وبداية الآية


      (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)

      أن أعيش الرضا أن أستشعر معنى الرضا عن قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره هناك أحداث تمر بي كإنسان لا أملك حيالها شيئًا، لا أستطيع أن أغيّر مجرى الأحداث فيها، ليس لي فيها كسب. ما يتعلق بكسبي وعملي وأخذي بالأسباب هذا أمر لا غبار عليه ولكن لا ينبغي أن يتعارض مع حالة الرضا النفسي التي ينبغي أن تبقى في أعماق القلب مستقرة الرضا والتقبل لما يأتي به القضاء والقدر

      يكفينا الله سبحانه وتعالى.






      واستشعار المؤمن بكفاية الله عز وجل له يعني الوثوق بما سيأتي به الله سبحانه وتعالى الوثوق بوعده، الوثوق بعطائه، الشعور أن ما أنا فيه الآن من نعم، نعم الله سبحانه وتعالى تكفيني وتدفع بي نحو الأمل وتستمطر رحمة الله عز وجل وتستجلب ذلك الرضا. الرضا عن الله سبحانه وتعالى في قضائه وقدره من أعظم ما تستجلب به الرحمة، من أعظم ما تستجلب به المغفرة من أعظم ما يستجلب به التفريج عن الكروب ورفع الضر عن الإنسان.


      هذه المعاني العظيمة تأملوها ونحن نقرأ هذه الآية


      (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)

      تأملوا معي هنا (السين) في المستقبل القريب، تأملوا في ثقة الإنسان المؤمن لو أن هؤلاء المنافقين قالوا واستشعروا حالة الرضا التي ينبغي أن يكون عليها قلب المؤمن وهو مستقبل لما عند الله سبحانه وتعالى واثق يأن الله سيؤتيه من فضله، بأن الله سيعطيه أحسن، بأن الأيام القادمة ستكون أفضل.


      هذه النظرة التفاؤلية التي تصنعها في نفسي هذه الآية العظيمة وتأملوا في قوله


      (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ)

      ولذلك في تفسير هذه الآية يقول بعض المفسرين من المعاصرين كذلك:

      لو أن العبد إذا أصابته ضائقة في رزق، في مرض، في همّ، نزل به غم من أكدار الحياة المعتادة قال


      (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ)

      فإن الله سبحانه وتعالى يكشف عنه ما قد نزل به من ضرّ.

      وعلى قدر يقين الإنسان وإيمان الإنسان وثقة المؤمن بعطاء الله ورحمته على قدر ما يعطيه الله سبحانه وتعالى، إحسان الظن بالله، استشعار تلك النظرة التي تحمل الأمل، تحمل الطمع والرغبة بما عنده سبحانه فالرب عز وجل خزائنه ملأى عطاياه لا تنفد عطاياه مستمرة علينا، نعمه سبحانه وتعالى تنزل علينا بالليل والنهار إن أخذ شيئًا فلربما أراد أن يعطينا ما هو أفضل ولربما أراد بحكمته سبحانه وتعالى أن يشعرنا بعظمة النعم التي نمتلك حتى يتجدد الإحساس بتلك النعم. بعض النعم حين يبدأ الإنسان يعتاد عليها وتصبح وكأنها شيء مألوف في حياته تفقد الطعم العجيب الذي يجعل فعلًا النعمة تُستقبل بالرضى، تُستقبل بالراحة، بالسعادة، بالحمد والشكر للمنعم الواهب سبحانه وتعالى. هذه النعم ربي سبحانه وتعالى يعالج عباده بين الحين والآخر يعالج عباده لكي يدعوهم إليه من جديد لتتجدد معاني الرضا والرحمة في قلوبهم وفي نفوسهم من جديد ولذلك في كل ما ينزل بنا من حوادث الدهر حكمة لله سبحانه وتعالى. هذه المعاني العظيمة إذا استشعرها المؤمن عاش حالة الرضا، عاش حالة الرضا غير المشروط، لأن رضاي عن الله سبحانه وتعالى رضاي عن قضائه وقدره لا ينبغي أن يكون مشروطا بالنعم فإن أخذ سبحانه لسبب أو لآخر وهو مالك الملك وهو الملك وأنا العبد وهو الرب الخالق الرزاق الوهاب المنعم وأنا عبد لا أملك لأمر نفسي من شيء، هذه المعاني إذا حدثت ينبغي أن يكون الرضى عن الله سبحانه وتعالى متواصل في الرخاء وفي الشدة، في المرض وفي الصحة، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، في الأخذ وفي العطاء، هذه المعاني تتجدد معي وأنا أقول وأدعو الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء العظيم


      (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ)

      يتبع
 
[td]
تدبر آية

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (الطلاق))

د. رقية العلواني

موقع إسلاميات


(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)


التوازن في الإنفاق، أن لا تنفق من المال فوق طاقتك، فوق سعتك، فوق ما تستطيع أن تقدّمه أو يكون من مدخولك.


وليس من العجب أبدًا، كل شيء في كتاب الله عز وجلّ له مناسبة واضحة، له حكمة حتى في موقع الآيات وفي موقع السور بل في موقع الآيات من السور، هذا التناسب العظيم يبين أنه فعلًا من أعظم أسباب الطلاق الذي يحدث بين الأزواج الطلاق الذي يحصل خاصة الذي يحصل في عصرنا الحاضر في بعض الأحوال خلال السنوات الأولى من الزواج وربما الكثير من الزيجات تتعرض لهذه الإشكالية في السنة الأولى من الزواج.

واحدة من أعظم الأسباب قضية الإنفاق، قضية أن الإنسان ينفق ويكلف نفسه فوق طاقتها، فوق ما آتاه الله عز وجلّ.

صحيح كلنا يرغب في أن يوسّع على نفسه وعلى أهله وأسرته، كلنا يرغب في أن يتوسع في مجال أو دائرة الرزق وخاصة مع التوجهات المعاصرة التي حولت الحياة المعاصرة إلى حد كبير في جانب استهلاك بحيث أننا نستطيع أن نقول دون تردد أن الإنسان المعاصر أصبح إنسانًا استهلاكيًا بامتياز بمعنى ليس بالضرورة أنه يستهلك ما يريده أو ما يحتاج إليه أبدًا، ليس بالضرورة أن يقتني شيئًا هو بحاجة حقيقية إليه ولكنه أصبح يقتني الأشياء لمجرد الاقتناء لمجرد الاستهلاك فقط ليس لأنه بحاجة إليها.



ولذلك ملاحظ جدًا أن وسائل الإعلام قد لعبت دورًا واضحا في الإيحاء والإيعاز للإنسان بأنك بحاجة إلى هذا الغرض بحاجة إلى هذه المسألة الحياة ستكون أسهل وأعظم وأجمل وأسعد حين تقتني تلك الحاجة وما إن يقتني ذلك الشي إلا يأتي بشيء آخر وتستمر الدوامة والنتيجة أن الإنسان إذا لم يتنبه ويستيقظ من هذه الغفلة ومن هذه الموجة سيقع فريسة للديون، ديون متراكمة متراكبة تُثقل كاهله وتؤرق ليله وتُدخل عليه عشرات المشاكل النفسية والاقتصادية التي من الطبيعي جدًا أنها تنعكس على حياته وطريقة أسلوبه ومعيشته وتعامله مع الزوجة أو الأسرة والتعامل مع محيط العمل والشعور بأن هناك دائمًا ثمة نقص حقيقي نقص في النواحي المادية يجعله لا ينتبه ولا يتنعم ببقية الأشياء التي يمتلكها يركز فقط على الشيء الذي لا يستطيع أن يتوسع فيه.


ولو أخذنا مثالًا بسيطًا في حياتنا المعاصرة قضية السفر للخارج في أثناء الصيف خاصة وأننا بعد فترة يسيرة من الزمن بإذن الله يأتي موسم الإجازات ومعه الأعياد ومعه الإجازات الصيفية هذا الأمر قضية السفر إلى الخارج لا شك أنها من الأمور التي تحتاج إلى ميزانية محددة، ميزانية ليست بالقليلة خاصة مع الإشكاليات الاقتصادية التي تعصف بالعالم بأسره.


وهنا يأتي التساؤل وهنا يأتي مساءلة الشخص ومساءلة الأسرة فيما بينها لإمكانياتها الحقيقية: هل أستطيع توفير هذا الشيء فعلًا دون أن يؤثر على الميزانية المادية والمالية للأسرة لعام أو لأعوام قادمة؟ هل أنا فعلًا بحاجة إلى هذا الأمر؟ أم أنني أستطيع أن أواصل حياتي وأن أتنزه وأن أرفّه عن نفسي وعن أسرتي وأستمتع بوقتي وبإجازتي دون الحاجة للدخول في دوامة الديون؟


مؤسف أن هناك عددًا من الأشخاص والأُسر في مجتمعاتنا يحتاجون للاستدانة والاقتراض من البنوك لأجل السفر إلى الخارج. والسفر للخارج ما عاد قضية الغرض منها احتياجية أو قضية نفسية بقدر ما عادت هي مجال للمباهاة وللتفاخر وللشعور بعدم النقص تجاه الآخرين فالكل يسافر لِمَ أنا لا أسافر ؟ هذا الشعور بالنقص النابع من قلة الثقة بالإنسان ذاته فلو أن الثقة وجدت فعلًا واستطاع الإنسان أن يغير من وجهة نظره للأمور والقضايا المختلفة وأصبح يدرك أن قيمته فيما ينجزه، قيمة الإنسان الحقيقية في الإنجاز في العمل الذي يقوم به في العمل الذي يقدمه في الممارسات الاجتماعية والأسرية والعلاقات الناجحة التي يؤسسها وليس في شيء آخر وليس في سفر للخارج إلى مكان اشتُهر بين الناس السفر إليه، المسألة ليست هكذا!



لِمَ أنفق فوق طاقتي؟ لِمَ لا أعيش الحياة فعلًا كما هي كما ربي علمني

(فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ)؟

لمَ لا أنظر أن الحياة هي مراحل متنوعة لا تقف على حال، اليوم ربما أكون محدودًا في دخلي وغدًا بإذن الله سيكون أفضل سيجعل الله بعد عسر يسرًا ثم إن المال بعد ذلك ليس باختيار وإنما هو عبارة عن اختبار في واقع الأمر ثم إن هناك قضية الربط بين السعادة والسكينة والاستقرار الأُسري والنفسي والراحة والهدوء والطمأنينة والزيادة في المال.


المال قد يزيد في قدرتك على اقتناء الأشياء ولكنه قطعًا لا يزيد في قدرتك في الحصول على السعادة، السعادة قرار لا يرتبط ارتباطًا وثيقًا منتهيًا أبديًا بقضية المال. المال يشكل جزءًا يسيرًا وطبيعة المال وكمية المال وما نفعله في المال تحدد أجزاء متنوعة.


الشاهد، آن لنا الأوان أن نتوقف عند قراراتنا وأن نفكر أكثر من مرة قبل أن نعيش ما يريده أو ما يراه الآخرون أنه سعادة وأنه راحة. نحتاج أن نعيد النظر في قراراتنا التي تأتي فعلًا مخالفة لإمكانياتنا المادية، نحتاج أن نلبس لباسًا بقدر مقاساتنا الحقيقية وليس شيئا أكثر من ذلك المقاس. نحتاج أن ندرك تمامًا أن الراحة والهدوء والسعادة لا تعني أبدًا أن أثقل كاهلي لأجل أيام أو لحظات أعيشها وأنا في الأصل قد أثقلت كاهلي وأسرتي بمزيد من القروض أو الديون في شيء لا حاجة إليه فيمكنك أن تسافر حين تسافر بقلبك وأفكارك ومشاعرك بعيدًا عن كل المنغّصات وبعيدًا عن كل الترّهات
[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
تعديل / حذف المشاركة
[/td]​
 
تدبر آية:

اَتَقْتُلُونَ رَجُلًا اَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ


أسوأ قرار يتخذه إنسان أن يلوذ بالصمت في موضع ينبغي أن يتكلم فيه حين يرى الحقائق أمام عينيه تُنتهك ولكنه يسكت، يؤثر السلامة يؤثر عدم تحدث الناس عنه بشيء يسوء، يؤثر أشياء كثيرة، هناك عشرات المبررات لنا حين نتخذ قرار الصمت والسكوت ونحن نرى المنكر ونرى الأخطاء وتكلمنا كذلك أننا أحيانًا لا ندرك أبدًا أننا بسكوتنا وصمتنا وسلبيتنا قد أعطينا شرعية لتلك المنكرات والأخطاء، ووقفنا عند آيات في كتاب الله تبين أن ذلك أبشع ما يمكن أن يقوم به أفراد المجتمع أن يصبح العرف السائد أن يسكت الأفراد بعضهم عن أخطاء بعض، أن لا يُنكر أحد منهم على الطرف الآخر ما يقوم به من قبيح فعل أو من قبيح قول أو فحش أو ما شابه.



وذلك لا يعني أبدًا أن يكون الإنسان فظًا أو غليظًا في أسلوبه وكلماته وطريقته، أبدًا، القرآن العظيم يعلّمنا على سلوك أحسن الطرق والوسائل أفضل الطرق في سبيل توصيل المعلومة وتبيان الخطأ وإنكار المنكر وتعريف المعروف والسير عليه ولكن قطعًا القرآن يجعل من الصمت أسوأ قرار في مثل هذه المواقف,

إننا في المجتمع نعيش في سفينة واحدة، نبحر في سفينة واحدة، المجتمع سفينة وهذه السفينة تسير بنا جميعًا ومن حق المجتمع ككل أن يمنع وأن يحمي أفراده من السقوط في الرذائل أو في الأخطاء والمنكرات هذه الحماية لا تعني وصاية من أحد على أحد ولكن هذه الوصاية تعني تكافل، تعني تعاون تعني تعاضد فالمخطئ منا وكلٌ منا معرّض للخطأ بحاجة إلى إنسان يأخذ بيده، بحاجة إلى إنسان يعيده من جديد إلى جادة الصواب ولكننا حين نؤثر الصمت ونؤثر السلبية ونؤثر السكوت في الموضع الذي ينبغي أن نمد فيه يد العون والمساعدة بكلمة حانية بكلمة طيبة بتبيان حق أو ما شابه، حين نفعل كل هذه الأمور إنما في واقع الأمر ندفع بذلك المخطئ إلى القاع ندفع به لكي يصل إلى قاع الخطأ، إلى العمق.



الإنسان معرّض للخطأ ولكن ربي سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بيّن لنا أن أعظم ما يمكن أن نفعله مع بعضنا البعض في أسرة في بيت في مجتمع أن نمسك بأيدي بعضنا البعض أن نتعاون فيما بيننا لننتشل بعضنا من ذلك الخطأ ولكن أن نترك المخطئ حتى ينهار ويقع في مزيد من الأخطاء ثم يسقط في القاع فلا يجد بطبيعة من يمدّ له يدًا حتى يغرق.


هذا السلوك هو النتيجة المترتبة على السكوت، النتيجة المترتبة على السلبية، النتيجة التي زينت لنا أنفسنا في بعض الأحيان بالقول بأنك لا ينبغي أن تتدخل في شؤون الآخرين، تحافظ على شعور الآخرين، لا تك قاضيًا على الناس! من قال هذا بهذا؟!

من قال أني حين أساعد الآخرين من قال حين أوضح الحقيقة وأوضح الطريقة بأسلوب مهذب لطيف من قال أن ذلك تدخل؟! من قال أن المجتمع يعيش دون أن يكون هناك تكافل بين أفراده؟!


من قال أن التكافل الاجتماعي في المجتمع ينحصر في بضعة دراهم أو دنانير يدفعها الذي لا يحتاج، الغني إلى من يحتاج أو من هو أقل منه، من قال هذا؟!

الجانب الأعظم في التكافل الاجتماعي هو ذلك الجانب الإنساني الذي يصحّح ويرشّد، الجانب الذي يعيش الأفراد فيه وكأنهم أسرة واحدة كما أراد لها القرآن.

بل إن القرآن خاطب البشرية كل البشرية على أنها أسرة واحدة ما يهمّ الشرق يهمّ الغرب وما يهمّ الغرب يهمّ الشرق لأنه أراد أن ينظر الإنسان العاقل إلى بني البشر على أنهم أسرة واحدة.

يا ترى متى نخرج عن ذلك الصمت السلبي الذي أوقعنا في مزيد من الأخطاء الذي وسّع دائرة الفساد، وسع دائرة الخطأ في حياتنا الذي فتح الباب على مصراعية أمام الشباب، أمام الفئات المختلفة في المجتمع لمزاولة أخطاء سكتنا عنها وأعطينا لها بذلك شرعية.



تدبروا في سورة غافر يقول الله عز وجلّ

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) [غافر: 28]

تأملوا رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، يستر إيمانه هذا في السابق كان يستر إيمانه وذلك نتيجة لظروف معينة نتيجة لسطوة فرعون ولم يكن من الحكمة أن يُظهر ذلك الإيمان. ولكن متى خرج ذلك المؤمن عن صمته؟ متى كسر حاجز الصمت؟ متى أظهر إيمانه بالله؟

حين كانت هناك جريمة على وشك أن تقع هذه الجريمة جريمة قتل موسى والتعرّض له من قبَل قومه أخرجت ذلك المؤمن الذي لم يذكر القرآن اسمه ولكن ليس المجال وجال ذكر أسماء ولا تفاخر بهذه المواضع، التركيز في القرآن العظيم على الفعل وليس على من قام بالفعل. كان يكتم إيمانه فخرج عن صمته وقال

(أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ).


المسألة أننا دائمًا وأبدًا في كل وقت بحاجة إلى أولئك الأشخاص الذين يأخذون على عاتقهم مسؤولية توضيح الأخطاء، مسؤولية التنبيه على الغلط وهم بذلك حين يقومون بتلك المهمة لا يقومون بها بعين الذبابة بمعنى تلك العين التي تبحث عن المساوئ والعيوب لكي تقف عليها إطلاقًا ولكنهم يفعلون ذلك بعين الطبيب المداوي الذي يبحث عن موضع الألم ويحاول أن يبحث عن أسبابه ومسبباته ثم بعد ذلك يصف الدواء بكل حكمة وحنان وشعور بالمسؤولية لا يعيّر أحدا بخطئه فذاك مُعابٌ لا شد فيه وإنما يعالج الأخطاء ينظر في الجروح والقروح، ينظر في تلك المواضع يطهّرها ينظّفها، يمتد بيده الحانية إلى كل موضع منها يُخرج المتقيّح، يُخرج الذي لا ينبغي أن يدخل في تلك الجروح ثم بعد ذلك يبدأ فيخيط شيئا فشيئا في تلك الأماكن لتلتئم الجروح ولكن حين تلتئم الجروح يحتاج العاقل منا أن يجعل تلك الجروح مطهّرة ليس فيها أي دنس قد أخرج منها كل صديد وقبيح يمكن أن يؤذيها في المستقبل لو أننا قمنا بخياطة ولمّ الجرح على ما فيه من مساوئ وعيوب.


نحتاج جميعا اليوم إلى وقفة جادة مع النفس نكتشف فيها جروحنا نكتشف فيها أخطاءنا نحاول أن ننظر إلى تلك الأخطاء بعين الطبيب نحاول أن ننظر إلى أخطاء أنفسنا أولًا ولكننا قطعًا ونحن نباشر كل تلك الأعمال والمراجعات لا ينبغي أبدًا أن يكون الصمت أو السكوت على الأخطاء حلًا أو احتمالية حلّ لما نمر به من أخطاء وعيوب.

نتعاون فيما بيننا نتراحم فيما بيننا وتصحيح الأخطاء لبعضنا البعض إنما هو من باب التراحم والتآلف والتكامل.


 
[td]



تدبر آية:

كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ





يقول الله عز وجلّ في سياق الحديث عن الكفار من بني إسرائيل وهو يصف أقبح الصفات التي اتصفوا بها وطبعًا القرآن العظيم حين يحدثنا عن هذا وحين يحدثنا عن الأمم السابقة إنما يأتي بها لسياق أخذ الدروس والعبر، في سياق التعلّم، في سياق عدم الوقوع التي وقع بها السابقون لأن العاقل هو الذي يتعظ بغيره ويتعلم من عثرات غيره، يتعلم من الأخطاء ويحاول أن يتدارك تلك الأخطاء فلا يكررها في حياته وقد علم مآلآت تلك الأفعال والأخطاء


القرآن العظيم في هذه الآية يحدد صفة شاعت وانتشرت بين تلك الأقوام، شاعت في المجتمع ما أصبحت مجرد عمل فردي فالقرآن يستعمل في مواضع أخرى كلمة (ينهون) ولكن هنا قال (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ) واصفًا ذلك الفعل عدم التناهي (لا يتناهون) وعدم التناهي هنا يوضح لنا من سياق الكلام أنه الذي ينبغي أن يكون أن يصبح إنكار الخطأ وعدم إعطاء الشرعية للأخطاء لما قبّحه الإسلام، لما يقبّحه وينكره العقل السليم الصافي الرشيد النقي الذي يتدبر في عواقب الأمور ويربط بين تلك المآلآت بما جاء في كتاب الله عز وجلّ حين لا يصبح ذلك تفاعلًا في المجتمع حين يرى أفراد المجتمع البعض منهم وهو يزاول أعمالًا مشينة قبيحة لا يقبل بها الشرع أنكرها الشرع العظيم زجر عنها نهى عنها هذه الأفعال حين يكتفي الإنسان المسلم الإنسان الذي يقرأ كتاب الله تعالى الإنسان الذي يعي تمامًا ما معنى رسالته على هذه الأرض يرى الأخطاء يرى القبائح يرى المنكرات من فحش في القول من فحش في الفعل من تصرفات دنيئة من مخالفات صريحة لشرع الله ولكنه يأبى إلا أن يلوذ بالصمت مبررًا لنفسه عشرات التبريرات وما أكثر التبريرات في حياتنا!



بمرور الوقت والزمن المخطئ يشعر أن هؤلاء يعطونه ويمنحونه شرعية سلبها الله سبحانه وتعالى منه. نحن حين نرى في حياتنا من يخطئ في حياتنا وكل ابن آدم خطاء ولكن هناك فرق شائع بين من يخطئ ويتستر على خطئه على فعلته وبين من يخطئ ويجاهر بذلك الخطأ وربما في بعض الأحيان حتى يتفاخر به، هذا النوع من التصرفات هو الذي نعى القرآن العظيم نعى على من يحاول أن يعطي شرعية لتلك التصرفات، كيف كيف يعطي شرعية وهو فقط التزم بالسكوت؟!










القرآن يعلّمني أني حين لا أوضح لذلك المخطئ الخطأ حين لا أبيّن حين لا أجعل هذا الإنسان المخطئ أنا في حقيقة الأمر أنا حين أوضح له الخطأ إنما آخذ بيده أحاول مساعدته، المخطئ فينا ليس إنسانًا منبوذًا كما يُهيأ للبعض أنك إذا أنكرت الخطأ على صاحبك كأنك نبذته، لا، المسألة ليست بهذا الشكل، المسألة أني بالعكس تماما حين أوضح له الخطأ إنما آخذ بيده إنما أحاول أن أريه أشياء ما رآها من قبل أحاول أن أوضح له العواقب، أسلك أحسن السبل والطرق والوسائل لأجل أن أبين له مدى الخطأ لكن أن أتركه وأتعامل معه وكأنه لم يخطئ وأغض النظر عن تصرفاته وربما تكون تلك التصرفات قبائح، منكرات، هذه كارثةّ ولن يتوقف أثر هذه الكارثة على الشخص فحسب وإنما قطعا سيمتد إلى أطراف متنوعة متعددة.








وثمّة أمر نغفل عنه تمامًا أننا حين نتقبل الأخطاء والانحرافات إنما نعطيها شرعية تتكلم بصمت لأبنائنا ولشبابنا ولبناتنا أن ذلك الفعل يمكن أن يكون مقبولًا منهم.



ربما لم نشعر بضخامة الأمر، ربما لم ننتبه إلى جسامة الجريمة، ربما لم ندرك تمامًا ما مدى الآثار السلبية الفظيعة المترتبة على ذلك الفعل، فعل السكوت، السكوت السلبي الذي بات فعلًا يقتل المجتمعات يقتل الحسّ والوعي بالمظاهر المختلفة، ربما لم نعي ذلك. ولكن القرآن العظيم في هذه الآية يؤكد أن من أكثر الأعمال شناعة أن لا يتناهى أفراد المجتمع عن المنكر فيما بينهم بأحسن الأساليب بأجمل الطرق ولكن في ذات الوقت لا يمكن أن يكون السكوت هو الحلّ بل السكوت هو الداء.
[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
[/td]​
 
[td]



تدبر آية
(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص))


حدثنا القرآن في سورة القصص عن موقف لإحدى بنات النبي شعيب عليه السلام، يحدثنا عن موقف اجتماعي أسري أخلاقي ولكن في سياق تلك القصة يحدّثنا عن أعظم المقومات التي تصلح بها الأًسر والمجتمعات والمؤسسات.
يحدثنا عن أعظم صفتين لا بد من توافرهما حين تكلّف إنسانًا أو شخصًا من الأشخاص للقيام بمهمة وخاصة حين تكون تلك المهمة التي تكلّفه بها مهمة صعبة مهمة شاقة كتكوين أسرة أو تزويج أو ولاية عامة أو خاصة أو ما شابه، وظيفة، وظيفة مهمة.

يقول في ذلك السياق

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( القصص))

"القوي الأمين"
قاعدة من القواعد العظيمة التي لا ينبغي أبدًا أن نبعدها عن أذهاننا حين نتخيّر الأشخاص لتولي مناصب أو مهام معينة في حياتنا وخاصة حين تكون تلك المهام مهام عامة، مهام تهم مجموعة من الأفراد، مهام مؤسسية، مهام جوهرية ومحورية.

القوة لا تنحصر في جانب مادي متحدد في البدن أو الجسد فليست كل الأعمال تحتاج إلى أولئك الأقوياء في بنية أجسامهم وإنما القوة بكافةأشكالها، القوة التي تعني الخبرة، المعلومات، المعرفة، التخصص، الدراية، الإدارة، المهارات، عشرات الأشياء تندرج تحت هذه الكلمة الواحدة:
القوي

ثم إن القوة لوحدها حتى وإن كانت قد شملت قوة مادية أو معنوية كذلك من القدرة على اتخاذ القرار أو القيادة أو ما شابه فإنها لا يمكن أبدًا أن تقيم حال المهمة التي أوكلته إليها دون أن يصاحبها الأمانة، الأمانة تلك الصفة التي احتفي بها القرآن أيما احتفال، الأمانة التي نكاد أبدًا نجدها تغيب عن واقع القرآن العظيم، لا نجدها أبدًا تغيب عن السور المختلفة في كتاب الله عز وجلّ جعل الأمانة هي أول علاقة بين الإنسان وخالقه


(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب))
الأمانة التي ينبغي أن تبحث عنها بحثًا جادًا قبل أن توكل المهمة إلى شخص ما مهمة جدًا، فحين تعطي اي إنسان تكليفًا معينًا عليك بتحري الأمرين: البحث عن القوة والبحث عن الأمانة. والقضية أخطر وأشد حين يكون التكليف في منصب أو ولاية عامة: قوة وأمانة. الوظائف والتكاليف والتعيينات ليست منحًا تعطى على أساس من المجاملات لمن نحب أو لمن تقترب منه نفوسنا أو لمن نريد أن نسدي إليه خيرًا أو معروفا أو مصلحة خاصة، لا يمكن أن تستقيم الحياة بهذا المعيار أبدًا لأنه معيار يقوم على أهواء النفوس والقرآن العظيم يصحح ويرشّد مسيرة الحياة الواقعية حين يقيم المعيار على أساس واضح من الموازين المختلفة، الموازين الأساسية والثانوية.


هب أنك زوجت ابنتك على سبيل المثال أو أسهمت في تزويج ابنة أو أخت أو واحدة من قريباتك على أساس غير معيار القوة أو الأمانة، على أساس المصلحة الشخصية، تبادل منافع أو تبادل مصالح ولكنك أسقطت حساب الأمانة،
يا ترى ما هي النتائج المترتبة على ذلك؟

انظر إلى الأمام لا تجعل النظر محدودًا فقط أو محصورًا في زاوية محدودة آنية ضيّقة وقتية وإنما كبّر الدائرة وسّع المسافة حاول أن تستشرف المستقبل وترى بأم عينك ما الذي يمكن أن يترتب على اتخاذ القرار الخطأ القرار الذي يُبنى على أهواء النفوس والمصالح الآنية، القرار الذي يتخذ على أساس المجاملات أو المهادنات، لا يمكن أن يستقر هذا النوع من الزواج لا يمكن أن يترتب عليه نوع من المصالح بالعكس أنت ترفد الأسرة والعشيرة والمجتمع بأعضاء غير فاعلين أعضاء غير مستقرين لا ذهنيا ولا نفسيًا ولا أخلاقيًا لأنك ما اقمته على العدل ما أقمته على المعيار الذي وجه إليه القرآن حتى يُحكم القضية ولا يجعلها خاصعة لتقلبات الأمزجة ولا لأهواء النفوس لكن وفق قواعد وضعها الحق القوي العزيز سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه سبحانه وتعالى بالقوة وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه المؤمن القوي العزيز وأمر عباده بتحري القوة والأمانة.


الذي في واقع الأمر نراه في مجتمعاتنا اليوم نراه في بيوتنا نراه في مؤسساتنا نرى أن هناك تخلفًا واضحًا عن الاهتمام بهذه المعايير العظيمة وخاصة حين يكون الأمر متعلقًا بوظائف، حين يكون الأمر متعلقًا بفرص عمل، كثير منا اليوم يغلّب المصالح الشخصية الآنية الوقتية على مصالح عامة وهو ما لم يرده القرآن لم يقبل به أبدا.

ولذلك ربي عز وجلّ لما قدّم لهذه الآية العظيمة جاء بها بصيغة عامة

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
الذي يصلح به المعاش، الذي تقام به الأمور، الذي تتحقق من خلال تعيينه وتوظيفه أداء المصالح والحفاظ عليها والحقوق على تلك المصالح العامة التي صانها القرآن بسياج من القوة والأمانة.
[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
تعديل / حذف المشاركة
[/td]​
 
[td]




تدبر آية -

(وَلَا تَجَسَّسُوا)

رقيه العلواني


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ )


كلنا يتمنى أن يرى في أبنائه الخير العميم كلنا يتمنى أن يرى الأبناء والبنات وقد حققوا النجاحات والأمنيات وربما الأحلام المتأخرة التي لم يتمكن الآباء والمربّون من تحقيقها كلنا يتمنى ذلك في أبنائه


لكن السؤال الذي ينبغي فعلًا أن نجيب عليه:

يا ترى كيف يمكن تحقيق ذلك؟


هل القرآن قدّم إجابات وافية عن وسائل وطرق وآليات للتربية الحسنة، التربية التي تصل بنا فعلًا إلى تحقيق كل هذه الأهداف بل وأكثر لأن الرقي والتقدم الذي نتمناه لأبنائنا لا ينحصر في بلوغ منصب أو وظيفة ولا في الحصول على جاهٍ أو مبلغ كبير من المال ولا في الحصول على حظ من حوظ الدنيا فحسب، هذا جزء من القصة لكن الجانب الأهم أن يحصل على جانب وفير من الأخلاق والقيم والمبادئ التي تكون عونًا له على نفسه ولأمته ولمجتمعه ولأسرته ولأمه وأبيه في الدنيا والآخرة.

نريد أن نتحدث عن بعض الوسائل السلبية التي عالجها بل ومنعها القرآن منعًا باتًا، لم يُجزها القرآن ولا حتى في أصعب وأشد الحالات احتياجًا، ذلكم التجسس.


يقول الله تعالى في سورة الحجرات تلك السورة التي حوت عشرات الآداب والأخلاقيات: أسس، قيم لإقامة الفرد على أسس صحيحة من الثقة والرقي الأخلاق، القرآن العظيم في سورة الحجرات يقول في آية واحدة وكلمة واحدة


(وَلَا تَجَسَّسُوا)

والتجسس هو عبارة عن نوع من الأعمال التي لا تليق بالإنسان المؤمن أن يقوم بها تحت أي ذريعة من الذرائع، واحدة من هذه الأعمال ما يقوم به بعض المربين حين يقوم بتتبع عورات ابنه في سرّه لا يكتفي بالظاهر من الأعمال ولا بالظاهر من الأقوال ولكن حين تنفقد الثقة فيما بينه وبين الأبناء يلجأ إلى تلك الطريقة التي يحاول من خلالها أن يتعرف على ما يقوم به الابن أو الفتاة دون علمه، في السر، ليتأكد تمامًا من قيام هذا الفتى أو الفتاة بعمل لا يرغب فيه ولا أن يراه الأم أو الأب صحيح أم لا.


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

يا تُرى حين أكّد القرآن النهي عن التجسس ألا يعلم الله سبحانه وتعالى بضرورة أن يكون الأم والأب على علم بما يدور ويحدث في حياة أبنائهم؟


الجواب بكل تأكيد: نعم، فالله عز وجلّ يقول في كتابه الكريم

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )

ألا يعلم سبحانه أننا اليوم ونحن في عصر التكنولوجيا والتواصل والآليات المتواجدة التي لم تكن متواجدة في عصورمن قبلنا ألا يعلم سبحانه أن الأبناء وهم بعمر مبكرة جدًا سيُتاح لهم أن يتصلوا بالعالم الخارجي أن يطلعوا على كمٍّ مهول من المعلومات ربما في كثير من الأحيان لا ينبغي أن يطّلعوا عليه، أن يروا صورًأ لا ينبغي أن ينظروا إليها، ألا يعلم الله عز وجلّ كل هذه التغيرات؟


بالتأكيد، سبحانه عالم الغيب والشهادة، إذن لم النهي عن قضية التجسس؟!


لمَ النهي في ذلك وتوجيه الآباء والمربين إلى أهمية بناء الثقة ومد جسور الثقة بينهم وبين الأبناء بعيدًا عن مزاولة التجسس.


التجسس في الأصل هو عمل غير لائق، والأمر الآخر التجسس لا يمكن أن يورث رقيًا في الأخلاق، لا يمكن للتجسس أن يولّد الصدق والثقة، لا يمكن أن يولّد التجسس والجبن والنفاق والازدواجية والكذب في نفوس أبنائنا.


إذن كيف السبيل لحل هذه المعضلة؟!


لا سبيل دون إحسان التربية، لا سبيل دون السير مع الأبناء في بناء الثقة فيما بينهم وآبائهم وأمهاتهم، لا سبيل سوى أن نراجع الطريقة التي نتعامل فيها مع الأبناء منذ الصغر، لا سبيل سوى أن نفتح كل الأبواب بيننا وبين أبنائنا ونمد كل الجسور وحين نفعل ذلك نحن فقط نهيئ تلك الأجواء الصالحة لأن يتحدث معنا الأبناء والبنات عن عثراتهم عن أخطائهم عن زلاتهم بمنتهى الشفافية بمنتهى الصدق والبعد عن الخوف ليس لأنهم لا يحترموننا، بالعكس، ولكن لأنهم بحاجة ماسة حين يتعثروا في طريقهم، حين يصدر منهم الزلل ومن منا لا يصدر منه الزلل؟! أو يتعثر في طريق الحياة؟!

هم حاجة إلى صدر حانٍ، هم بحاجة إلى نصيحة، هم بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم ليريهم ويرشدهم كيف يكون الطريق للخلاص من ذلك الخطأ وعدم الوقوع فيه مرة ثانية، ليسوا بحاجة إلى من يتتبع عوراتهم ولا من يقف على أسرارهم لمجرد أن يُظهر تلك العيوب، الأم والأب والمربّون بحاجة ماسة إلى مراجعات، تلك الأشياء التي اعتدنا عليها في السابق وربما نعتقد قطعًا عن طريق الخطأ أنها مجدية، هذه الوسائل ما عادت مجدية!


وحين ندفع بالأبناء لسلوك هذا الطريق، طريق الإزدواجية طريق إخفاء الحقائق وإخفاء الأخطاء وعدم مواجهة الأخطاء ومحاول التعرف على كيفية التخلص منها نحن ندفع بهم نحو طريق مجهول، نحن ندفع بهم في طريق بعيد كل البعد عن توجيهنا، عن إخلاصنا، عن تربيتنا، عن نصحنا السديد لهم، نمنع الخير الكثير بمجرد مزاولة كتلك المزاولة التي نهى عنها القرآن مع الأسف كثير من الآباء والأمهات اليوم وخاصة بشيوع الوسائل المتاحة من الكمبيوتر والآيباد ومن الهواتف النقالة ومن البرامج وغيرها، بدأ يمارس هذه العادة القبيحة التي نهى عنها القرآن: التجسس.


يعطي للفتى أو الفتاة الحرية في أن يتصرف كيفما يشاء، يتيح له الوسائل يوفر له الوسائل وربما على استحياء ينبّه على أهمية الالتزام ببعض الضوابط ولكنه فيما بعد ومن وراء ظهره يمد يده إلى تلك الأجهزة ليتفحصها ولينظر في أسرارها ولينظر أين دخل ذلك الفتى وأين دخلت تلك الفتاة بمن اتصلوا وبمن يتصلون؟




وإذا كان هناك استثناء يقع في فترة معينة فهو كقوانين الطوارئ بمعنى قد – في حالات مشددة جدًا، استثنائية وليست قاعدة – قد يحتاج الابن إلى من يتعرف على ماذا يقوم به نتيجة لوقوع قصور أو وقوع خلل لكنها حالة استثنائية لها شروط متعددة لا ينبغي أن تتحول في حياتنا إلى قاعدة نتعامل فيها مع أبنائنا وبناتنا.

[/td]​
[td]
[/td]​
[td]
[/td]​
 



تدبر آية –
(وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)


في كتاب الله عز وجلّ ذكر لعبادات متعددة
الصدقة الصلاة الزكاة الحج الصدق،
أخلاق متنوعة ولكن ملفت للنظر أن هناك عبادة واحدة من العبادات، واحدة ووحيدة جاء ذكرها مقرونا بالكثرة، عبادة واحدة، كل العبادات الأخرى لم يأتي معها ذكر للكثرة إلا هذه العبادة.
هذه العبادة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها الأنبياء
فقال مخاطبًا لزكريا

(وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [آل عمران: 41]

وقال عن موسى عليه السلام
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ( 33,34طه)

وقال ممتدحًا لبيوت الله
(وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج: 40]

وقال عن المؤمنين
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) [الشعراء: 227]

وقال كذلك في مدح المؤمنين
(لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]

وقال في سورة الأحزاب بعد أن عدد جملة من صفات المؤمنين الصادقينوالصادق ات المنفقين والمنفقات، كل هذه الأصناف والعبادات قال في واحدة منها كثيرًا حين قال

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35))
ثم قال في الأحزاب في نفس السورة
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41))

وقال في الجمعة
(وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الجمعة: 10]

هذه العبادة التي يغفل عنها الكثيرون منا، التي لا تحتاج إلى مال كما هو الحال في الصدفات ولا تحتاج إلى جهد بدني كما في الصيام أو في الحج ولا تحتاج إلى قيام ولا إلى ركوع ولا إلى سجود ولكنها تحتاج إلى شيء آخر تحتاج إلى صدق مع الله عز وجلّ في النية تحتاج إلى استحضار عظمة الله عز وجلّ وتكبيره وتقديسه وتعظيمه بما يليق بجلاله الأمر الذي يترتب عليه التوفيق من الله عز وجلّ فالرب سبحانه ملك الملوك لا يأذن إلا لمن يشاء بذكره لأنه إذا ذكره الواحد منا ذكره الله سبحانه وتعالى هذا شرف عظيم، مكانة عظيمة لا يمكن أن تعطى لأيّ إنسان أن يذكره الله سبحانه وتعالى فإن ذكره في نفسه ذكره الله في نفسه وإن ذكره في خلق أو في ملأ أو في جمع من الناس ذكره الله في جمع خير من ذلك الجمع. لنا أن نتساءل يا ترى هذه العبادة الوحيدة التي اختص الله سبحانه وتعالى الذكر بها بالكثرة ولم يأت ذكر الكثرة في عبادة أخرى على الإطلاق في كتاب الله عز وجلّ إلا الذكر، الذكر فيه الكثرة.

يا ترى كيف نتعرض لأن نكون من هؤلاء؟
كيف نصبح من هؤلاء الذين اختصهم الله بتوفيقه؟
وفّقهم لطاعته، أيّدهم بذكره أذِن لهم بأن يذكروه، كيف نرقى إلى هذا المستوى؟
كيف نرقى للوصول إلى هذه المنزلة العظيمة؟

يحتاح الإنسان منا فعلًا أن يبدأ بتعظيم الله عز وجلّ تعظيم الله في نفسه، المهابة والخوف والتقديس لله عز وجلّ عمل من أعمال القلوب، صحيح كلنا يحب الله، صحيح كلنا يقول الله أكبر صحيح كلنا يقدس الله عز وجلّ وندرك تمامًا بأن الله عز وجلّ في حياتنا أكبر من كل شيء ومن كل أحد ولكن لا يكفي المعرفة والإدراك، العمل الإيماني، العمل القلبي مهم جدًا في عملية الصلة وفي عملية ذكر الله عز وجلّ، هذه العبادة العظيمة يمكن أن يقوم بها الإنسان حتى وهو في صمته في سكوته في خضوعه لله سبحانه وتعالى آناء الليل وأطراف النهار.

ولنا أن نتخيل يا ترى كم من الأوقات والساعات والدقائق تمر علينا وربما لا نذكر فيها اسم الله سبحانه وتعالى إلا قليلًا على الرغم من أن الله تعالى قد جعل ذكره قليلًا صفة من صفات النفاق وعاب على المنافقين أنهم يغفلون عن ذكره ولا يذكرونه إلا قليلًا. ورغم ذلك تمر الساعات والدقائق واللحظات من أعمارنا ولا نكاد نذكر الله سبحانه وتعالى ربما إلا في صلاة حين يحين وقت الصلاة في حين أن المطلوب من هذه العبادة العظيمة أن نذكر الله عز وجلّ ذكرًا كثيرًا،

ذكرًا بالقلب وباللسان وبالجوارح
حتى يصبح الإنسان ذاكرًا لربه مخبتًا منيبًا خاشعًا له سبحانه.
ولكي يصل إلى هذه المرحلة يحتاج الإنسان المؤمن أن الذكر الذي هو أنفع شيء له في هذه الدنيا هو ذكر الله عز وجلّ يحتاج أن يبدأ فعلًا بترتيب سلم الأولويات في حياته حتى وهو يزاول عمله يبقى ذكر الله عز وجلّ في قلبه في نفسه في وجدانه وهذه المرحلة لا يصل إليها الإنسان وقد اشتغل القلب واللسان والذهن بأشخاص أُخر أو بأشياء أخرى، يوميات الحياة، جزئيات الحياة البسيطة التي لا ينبغي أبدا أن تحتل تلك المكانة الواسعة في قلوبنا وأذهاننا، نعم نعمل، نحن نقوم بأعمالنا، نزاول مختلف الأعمال ولكن يبقى القلب معلقًا بالله سبحانه وتعالى ذاكرًا له لا يبدأ بعمل أو يمسك بورقة أو يفتح بابًا أو يُغلق آخر إلا وذكر الله واسم الله على قلبه قبل لسانه، يستذكر دائمًا في قلبه هذا الذكر العظيم

لن تحلو لنا الحياة ولن يصفو لنا الوقت إلا بذكره سبحانه وتعالى ذكرًا كثيرًا وإذا فتح الله للعبد باب الذكر فقد فتح له سبحانه برحمته خيرًا كثيرًا عميمًا وتوفيقًا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بذكره.




 




تدبر آية:
إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا


يقول الله عز وجلّ عن نبيه زكريا، عن حالة من الحالات التي كان قد مرّ بها ذلك النبي نتأمل ونتدبر في تلك الحالة ونحاول أن نقوم بتوظيفها وتشغيلها في حياتنا نحن: “النداء الخفيّ”

الدعاء المستتر الخفيّ الذي لا يُظهره الإنسان لأحد من البشر لأنه يريد أن يوجّهه للرب سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يسمع السرّ ويعلمه كما يعلم الجهر والعلانية سبحانه.

يقول الله سبحانه وتعالى عن نبيه زكريا في سورة مريم

(كهيعص *ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا *وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (مريم))
تلك المناجاة، ذلك الصوت الخفي المستتر، ذلك ذلك الدعاء تلك الصلة بين العبد وربه نحتاج إليها اليوم جدا خاصة وأننا قد أصبحنا نعيش في عالم يضج بالأصوات المرتفعة، الأصوات العالية، الصاخبة كل شيء صاخب، كل شيء يرتفع بالصوت!

الصلة بين الإنسان وربه لا تحتاج إلى صوت مرتفع، تحتاج إلى إخفاء عن الآخرين في كثير من الأحيان ولذلك ربي سبحانه يحدثنا كثيرًا عن أعمال السرّ التي تكون مستترة عن أعين البشر ولكنها عند الله عز وجلّ معلومة يوجهها الإنسان لربّه فيتحرّى فيها الصدق والإخلاص: صدقة السر، البكاء من خشية الله، ذكر الله عز وجلّ في السرّ، أشياء متنوعة متعددة.




والنداء الخفي الذي توجّه به زكريا، توجّه بضعفه إلى القوي سبحانه، توجّه بفقره إلى الغني سبحانه، توجّه وهو العبد العاجز إلى الرب القوي القادر، وحين توجّه زكريا عليه السلام وكلنا يمكنه أن يتوجّه فالرب سبحانه قريب سميع مجيب الدعاء، يسمع لدعائك يسمع لذلك السرّ ولتلك الخواطر والهمسات والأنين والحنين مهما كان في أعماق وداخل أنفسنا وأرواحنا مهما بلغ به الأمر مهما وصل به العمق فالله يعلمه
(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) [الأنعام: 3]
فإذا كان ربي سبحانه وتعالى بكل هذه الصفات العظيمة قريب بما يليق بجلاله من عباده إذن لماذا لا نتوجه إليه بهمومنا بخواطرنا بمناجاتنا له بأحاسيسنا بكل ما يشغل أفكارنا كما توجه زكريا عليه السلام؟!
ولذلك حديث زكريا عليه السلام لم يكن حديثًا مختصرًا ولا كلامًا مقتضبًا، أبدًا، حكى الحكاية على الرغم من أنه يعلم تمامًا وهو على يقين أن الله عز وجلّ يعلم ما في نفسه ولو لم يتحدث ولكن نحن تكلمنا في مرة من المرات عن الشكوى للناس وقلنا أن المؤمن لا يبث شكواه لغير خالقه سبحانه بل يتوجه بكل الهموم وبكل الأفراح وبكل الخواطر وبكل ما يشغل البال لخالقه سبحانه وتعالى وأجمل وأحلى ما تكون تلك المناجاة في ساعات الليل الأخيرة ربما في ثلث الليل الأخير حيث لا ينام أصحاب الهموم والمشاغل، عادة الناس حينما يكون الذهن مشغولا بشيء ما بموضوع مهم أو بموعد أو بهمّ قد أثقل كاهل الإنسان في النهار أو حزن أو ألم شديد لا ينام بالليل، يفارقه النوم تمامًا والنعاس ولا يعرف النعاس ولا النوم إلى قلبه وإلى عينيه طريقًا، اجلس في تلك الساعة، استيقظ، قُم من فراشك في تلك الساعة وتوضأ اغسل كل تلك الأحاسيس والمشاعر التي يمكن أن تقف حاجزًا بينك وبين النداء، بينك وبين مناجاة الله عز وجلّ، في تلك الساعة العظيمة آنِس قلبك بذكر الله فهو يسمع الهمس وبيده مفتاح كل شيء، بيده كل ما تسأل وكل ما لم يخطر على بالك أن تسأله.






فهاهو زكريا عليه السلام فهو رجل قد كبر في السن ورغم هذا الأمر الذي هو بوحده كفيل بأن يحول بينه وبين تحقق تلك الأمنية القديمة الغالية إلا أنه مع ذلك هناك مانع آخر وهو أن زوجته عقيم عاقر لا تلد، ورغم كل تلك الموانع إيمان زكريا عليه السلام إيمان عميق بقدرة الله سبحانه القادر على أن يفعل الأشياء ولو حتى لم تكن لها أسباب فهو مسبّب الأسباب يعطّل الأسباب بقدرته ويُعمِل الأسباب بقدرته وكذلك يُعمِل الأمور والنتائج دون وجود أسبابها إن شاء.

كل ما نحتاج إليه أن يكون لدينا خزين من الثقة والإيمان والاطمئنان لأمر الله سبحانه وتعالى وأن نأتي بكل أمانينا المتأخرة، كل أمانينا القديمة والعاجلة والمستعجلة وكل ما نحلم به، أن نأتي به في تلك الساعة ونقف بين يديه سبحانه ولنا أن نطيل الوقوف بين يديه ببكاء صامت على ما فات، تقصير على ما قد فرّطنا في جنبه سبحانه واستجداء لرحمته ورأفته وكرمه وفضله وجوده.





سل الله عز وجلّ حين تسأل وأنت موقن تمامًا أن لا أحد من البشر يملك لك شيئاً من دون الله سبحانه وأن كل ما تبحث عنه إنما هو بين يديه سبحانه وأن خزائن ملكه لا تنفذ ولا تنقضي أبدًا وأن عطايا البشر مهما كانت فهي في نهاية الأمر ممنونة محسوبة منقوصة منغّصة لا يمكن أن تكون أو تأتي دون أمر من الخالق سبحانه الذي حين يعطيك يعطيك عطاء ليس بمنّ وليس فيه نقص وليس فيه ذلك النوع من التحسّر والتحسّف أو ما نشعر به حين نتكلم مع البشر في حاجة لنا نتمنى أن تقضى على أيديهم.


توجه بكل حاجاتك وبكل أمانيك وبكل طموحاتك وآمالك لخالقك سبحانه وناده نداء خفيا استتر فيه عن أعين وأسماع الخلق بثّه شكواك، بثّه أحزانك وآلآمك وإن كان سبحانه عالمٌ بها فهو الرؤوف الرحيم الذي يحب أن يُدعى، الذي يحب أن نتوجه إليه وأن نسأله.
 




تدبر آية:
(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَاِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)


يمتدح القرآن العظيم عباد الله المؤمنين، المنصفين، العادلين، البعيدين عن الكذب وشبهات الظلم والاعتداء على الآخرين. ومن تلك الأوصاف العظيمة التي تدخل تحت هذا ما وصف الله به عباده المؤمنين حين خصهم وشرفهم وأكرمهم بوصف
(عباد الرحمن) في سورة الفرقان. واحدة من تلك الأوصاف العظيمة أنه قال عنهم
(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (الفرقان))
ونريد أن نتوقف اليوم عند
“الذين لا يشهدون الزور”.

الزور في معناه العام في اللغة:
الميل، ولذلك يقال عن الكذب زورًا لأنه يميل بالكلام عن الصدق عن المطابقة الواقع، معرفة الشيء والإخبار به كما حدث في الواقع.



يخيّل للبعض منا أن شهادة الزور فقط تلك الشهادة التي يُسأل عنها الناس في المحاكم حين تُرفع قضايا متعلقة بأموال أو بحقوق آخرين أو ما شابه ولكن واضح جدًا أن القرآن العظيم لا يقف بالشهادات عند هذا المعنى المحدود الضيق وإنما يصل بها إلى كل قول، فكلمة شهادة معناها إخبار ونحن في كل حياتنا، حياتنا اليومية إما نُخبِر بشيء وإما نُخبَر بشيء وفي كلتا الحالتين نحن في الواقع نزاول الشهادة فأنا إما أن أؤدي الشهادة بمعنى الخبر حين أقول به أو أتكلم به وإما أتلقى شهادة من أحد حين يخبرني أحد من الناس بشيء ما، فيا ترى أين موقع تحصيني لنفسي ولذاتي في علاقاتي وأقوالي وشهاداتي ضد الزور؟


في ممارساتي اليومية يا ترى إلى أي مدى أنا أعرض أقوالي وشهاداتي على الكتاب العظيم خشية أن أقع في الزور أو الميل؟ وكيف أحكم في حياتي ذلك الميل؟
كيف أستطيع أن أسيطر على ذلك الميل حتى أرقى لمنزلة أن أكون عبدًا من عباد الرحمن وأنال به ذلك الشرف العظيم فأصبح من أولئك العباد أصحاب المنزلة والوجاهة عند الله سبحانه، أولئك الذين لهم معية خاصة من الله عز وجلّ لهم حفظ، لهم رحمة خاصة كيف أصل إلى تلك المرحلة؟
أحتاج بالتأكيد إلى نوع من أنواع اليقظة، نوع من أنواع الاستحضار التام لأهمية أن لا أميل في حياتي عن العدل عن ذلك الخط الرفيع والخيط الرفيع في ذات الوقت.



كثير من جوانب الميل في حياتنا تحدث حين نتكلم عن أهلنا، عن أقاربنا، عن من نحب، عن أنفسنا مهم جدًا نحن نؤدي تلك الشهادات شعرنا أم لم نشعر لأن الشهادات كل الشهادات ستُكتب
(سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) [الزخرف: 19]
فكل تلك الشهادات أنا أحتاج أن أقف فيها مع نفسي أولًا ومع ضميري موقف الإنسان المتيقظ الفطن الحذر جدًا الذي لا يريد أن يميل حتى فيما بينه وبين نفسه عن ذلك الخط الواضح من العدل والإنصاف هذا الخط الذي يسميه القرآن العدل ويسمي كل ما سواه الزور. يا ترى أنا حين أتحدث عن نفسي وعن إمكانياتي وأتكلم حتى عن مؤهلاتي في الموضع والموطن الذي يحتاج لذلك أو عن غيري ممن أحب ومن أهلي ومعارفي وأقاربي يا ترى إلى أيّ مدى أنا أراعي ذلك الخط؟
إلى أي مدى أنا لا أميل عن العدل والصواب والإنصاف؟ يا ترى هل تغيرني وتحركني تلك المنافع القريبة العاجلة أو الآجلة فتميل بي يمينًا أو شمالًا؟



يا ترى هل تحركني عواطفي وأحاسيسي ورغبتي في نفع نفسي أو نفع من أحب بالشكل الذي أنا أتصوره أنا منفعة فأدلي بشهادة ما كان ينبغي لي أن أدلي بها فأُنسب على سبيل المثال لشخص لا يستحق أمرًا ما كان ينبغي أن أنسبه إليه.
يا ترى كم من المرات أنا تأثرت بتلك المشاعر فحادت ومالت بي عن الطريق الصائب في إدلائي بالشهادة فنسبت إلى أحد من الناس أو حتى إلى نفسي ما لا أستحقه؟
ويا ترى في كم من المرات قد حدث معي أني ربما قد زرت ومِلت عن العدل وأنا أتكلم هن الآخرين لأجل تعطيل مصلحة معينة حتى تذهب في تصوري تلك المصلحة لمن أريد وليس لذلك الشخص البعيد؟



كل هذه المراقبات قد تصدر منا في حياتنا اليومية ولا ننتبه إليها!
نحن ربما في بعض الأحيان نكيل المدح والثناء لأهلينا ولأبنائنا ولأقاربنا ولمعارفنا وخاصة حين نريد أن نتوسل لهم لأجل أن يحدث لهم منفعة معينة من وظيفة أو تقديم على عمل أو منصب أو ربما حتى في تزكية لأجل زواج أو إتمام مشروع زواج.
أين الحذر وأين الشهادة وأين الالتزام والبعد عن شهادة الزور في مواقفنا الحياتية تلك أين مراعاة الله عز وجلّ ؟
ويا ترى حين يحدث في بعض الأحيان كما يحدث في كل الأُسر والعائلات والبيوت شجار أو نزاع أو بعض الخلاف فيما بين الأبناء بعضهم البعض أو الأبناء وأبناء لعمومة أو الأزواج والزوجات



أين نصيب الشهادة الحق لا الشهادة الزور في المواقف المختلفة؟
القرآن يربينا يعلمنا أن نجعل من تلك القيم والخصائص سجايا في أنفسنا في طباعنا ولا يمكن أن تتحول الممارسات إلى طباع وسجايا دون معاصرة ومقارنة أحداث متعددة ومواقف متنوعة تمررني بكل تلك الاختبارات الصعبة لأخرج منها بعد ذلك بنفس منصفة قوية تأبى الظلم وتأبى الزور حتى وإن كان ذلك على حساب رغباتها الآنية المحدودة لأنها تدرك تمامًا أن النفع الأصلح والأدوم والأبقى في الحفاظ على تلك النفوس من الزور في حمايتها من الكذب الذي سماه الله عز وجلّ ظلمًا وزورًا في كتابه الكريم ليحذرنا من عاقبته ليبين لنا أنه لا يمكن أن يأتي بخير وإن توهمنا أو تصورنا واهمين أن فيه خير أو صلاح.
 



تدبر آية
(وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)



(وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)
هذه القضية:
الصبر على ما لم نحط به خبرا وعلما ومعرفة وإدراكًا بحكم بشريتنا قضية في غاية الأهمية، قضية تعترضنا في كثير من الأشياء التي نمر بها في حياتنا، المشاريع التي يتأخر النجاح فيها المشاريع المعطلة في حياتنا سواء مشاريع على المستوى العملي أو المستوى العائلي أو الاجتماعي والأسري والمادي كل المشاريع التي في بعض الأحيان لا نرى لها ثمرة أو نتيجة.

كل الأمنيات التي لم تتحقق لنا بعد كل القضايا التي نتمنى أن تقع اليوم قبل الغد، كل الأشياء التي نعتقد أنها أنفع وأصلح وأحسن بالنسبة لنا ونريد أن تحدث الساعة وليس بعد ساعة، كل تلك الأمور القرآن العظيم يعلمنا من خلال هذه القصة

(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا )

يعلمنا بالمقابل أن ما هو مطلوب مني كبشر بعد أن أجتهد وأقوم بالعمل الذي ينبغي أن اقوم به أن أصبر أن أعطي الأمور المختلفة في حياتي الزمن، حقيقة الزمن الذي لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الصبر، وأني أدرك وأنا أصبر وأنتظر أن هناك أشياء في الحياة أنا لم أحط بها علمًا بحكم بشريتي بحكم إنسانيتي بحكم علمي القاصر المحدود فنحن لا نعلم المخفي من الأمور، نحن لا نعلم إلا شيئا مما ظهر نعلم ظاهرًا من الأشياء وهناك عشرات الأشياء مخفية عنا في علم الغيب عند الله سبحانه، هناك كثير من المواقف في حياتنا ربما ونحن نمر بها نحرص عليها وعلى وقوعها أشد الحرص ونتمنى في قرارة أنفسنا أن تحدث الآن ولا تحدث بعد يوم أو يومين ولكن الله سبحانه يشاء أمرًا آخر فتؤخر تلك الأمنيات المستعجلة ولا تحدث تلك الأماني التي كنا نتمناها وربما نتأثر وربما نحزن لذلك وربما حتى نشعر بالسخط والضجر والسأم أن ذلك لم يحدث ولكن بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر ندرك تمامًا أن الخير كل الخير في أن تلك المشاريع التي حرصنا عليها لم تحدث ولم تقع.

هذه الإشكاليات نحن نحتاج أن نستحضرها ونحن نمر في الحياة بقضايا متعددة ربما تأخر في مواعيد زواج، ربما تعطل في تحقيق أمنية عزيزة غالية على أنفسنا.
كل أولئك الذين تتعطل أمنياتهم كل أولئك الذين يبحثون عن الوقت والساعة التي يرون فيها أحلامهم واقعًا على الأرض كل تلك الأمور تحتاج منا إلى صبر تحتاج منا أن ندرك أن هناك فسحة من الوقت وفسحة من الزمن ومجال للفعل الإلهي الذي لا يمكن أبدا أن يحدث شيء في الكون إلا بأمره وإرادته سبحانه.

عندها فقط لا يستبد بنا اليأس حين تتعطل الأمنيات لا يأخذنا الملل وطول الانتظار بعيدًا عن التفاؤل والإيجابية والعمل الدؤوب عندما لا يحدث ما نتمناه رغم كل سعينا وحرصنا على أن يحدث.
فهناك الكثير من الأشياء لم نخبرها ولم نعلمها ولم نحط بها علمًا، كثيرمن الأمور من المشاريع التي تتعطل ربما الخير في أنها قد تعطلت ربما الخير في أنها لم تشغل في تلك اللحظة التي تمنيناها لأن هناك نقص في جهة معينة لم نستكمله وربي سبحانه من لطفه ورحمته بنا وخبره وعلمه بنا سبحانه وتعالى أراد لنا أن تُعطل وأن لا تتم في الوقت الذي حددنا لنا وإنما في الوقت الذي حدده هو سبحانه وتعالى لنستكمل النقص لنتخلص من جوانب ضعف موجودة في تلك المشاريع.

وحين ننظر إلى طبيعة العلاقة بيننا وبين الله سبحانه أنها علاقة الخبير العليم بعباده وخلقه يربيهم ويعلمهم ويؤدبهم ويزكيهم، عندها فقط ستتغير الأمور وستتغير النظرة التي نستقبل بها أحداث الحياة ولذا ربي سبحانه وتعالى يقول

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك))
خبير بنا سبحانه خبير بأن كثيرًا من الأمنيات لو حدثت في الوقت أو بالشكل الذي أردناه يمكن أن تؤدي إلى اشياء غير جيدة في حياتنا على المستقبل القريب وربما حتى المستقبل البعيد.

نحتاج إلى جرعة من الطمأنينة والثقة بأمر الله سبحانه وتعالى خاصة في حياتنا المعاصرة التي تتسم بعامل السرعة الشديدة فنحن في بعض الأحيان يصل بنا الأمر كمن يرمي البذرة في الأرض ويتوقع أن يحصد الثمار بعد أسبوع واسبوعين هذا لا يمكن أن يحدث!
كل شيء في الكون حتى تلك البذرة التي نبذرها في الأرض تحتاج إلى عناية وإلى رعاية وإلى سقي وإلى ماء وإلى ظروف معينة لكي تنبت وحين تنبت في نفس الوقت تأخذ مراحل حتى تكبر حتى تصل إلى مرحلة حتى تكون شجرة حتى تحمل بعد ذلك ثمرة وحتى الثمرة ربي سبحانه وتعالى لا يجعلها من أول تكوّنها صالحة لأن تُجنى أو تقطف، هناك مدة زمنية، أنا إن استعجلت في قطف تلك الثمرة لا يمكن أن أحصد منها شيئًا حتى في الطعم سيكون الطعم مرًّا كالعلقم لأني بالفعل استعجلت وحصدت الثمرة قبل أوان نضجها، قبل اكتمال نضجها!

أنّى لي أن أتعلم أن أطبق هذه الجزئيات والقوانين الموجودة أمامي في الكون وفي الطبيعة على حياتي ونفسي على ترك الاستعجال في بعض الأمور والتأني بها، إعطاء عامل الزمن، عامل الوقت حتى في التعامل مع الأشخاص حتى في التعامل مع الأبناء حتى في إحساننا للناس نحن حين نفعل ونقوم ونصنع ونبذل جهدًا لا تتوقع أنك ستجني الثمرة غدًا أو بعد غد وربما قد يطول الأمد!
الله خبير بالوقت الذي يمكن أن تجنى فيه الثمار ربما ربي سبحانه أراد لك شيئا آخر أراد لك وقتا آخر تستفيد منها بشكل أفضل.
فإذا بنيت العلاقة بيننا وبين الله عز وجلّ على تلك الثقة على تلك الطمأنينة على إدراك أننا في نهاية الأمر بشر فينا قصور فينا محدودية فينا قصر نظر بحكم بشريتنا فينا نوع من أنواع الاستعجال الذي تكلم عنه القرآن الإنسان خلق من عجل ولكن هذه العجلة ينبغي أن أراعيها وأن أهذبها وأشذبها إلى أن تستقر حياتي وفق جانب التأني وعدم الاستعجال في الأمور والحكم على الأمور ببداياتها بإدراك أن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء خبرة وعلمًا ومعرفة ورحمة

 




تدبر آية –
(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)



وصف الله سبحانه وتعالى كتابه العظيم بأوصاف عديدة ومن تلك الأوصاف أنه بصائر يقول الله عز وجلّ في كتابه العظيم
في سورة الأنعام

(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِر مِن رَّبِّكُمْ) [الأنعام: 104]
يقول في الأعراف

(هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[الأعراف: 203]
يقول في الإسراء

(مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِر)[الإسراء: 102]
يقول في سورة القصص

(بصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: 43]
ويقول في الجاثية

(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) الجاثية).


ولنا أن نتوقف عند معنى البصائر فالبصائر جمع لكلمة بصيرة وهناك ترابط واضح بين البصر والبصيرة، فبالبصر يرى الإنسان وينظر المحسوسات المختلفة، الصور المتعددة المتنوعة الكونية التي نراها من حولنا ولكن عندما يأتي الأمر عند البصائر أو البصيرة فهي نور في القلب يرى فيه الإنسان القضايا المعنوية غير المحسوسة، غير المرئية يدرك بها أمورًا تقع في وجدانه، في إدراكه، في ذاته، يميّز بها بين الحق والباطل، يميّز بها بين العدل وبين الظلم، بين الخطأ وبين الصواب.



عشرات الأمور تقع لنا في اليوم والليلة نحتاج فيها إلى اتخاذ قرارات، هذه القرارات لا يمكن أن تأتي هكذا من فراغ مبنية على مجرد الصور التي نراها من أمامنا، هناك أشياء أخرى.
والقرآن العظيم ربي سبحانه وتعالى حين اختار له هذا الوصف ووصفه بأنه بصائر في أكثر من موضع في آيات القرآن يريد أن يعلمنا أن نتوجه إلى هذا القرآن الكتاب العظيم حين تختلط علينا الأمور، حين نريد أن نتبين الحق من الباطل، الخطأ من الصواب، الضلال من الهدى.

هذه الأمور المختلطة المتشابكة وكثير من الأمور في واقعنا وفي حياتنا باتت متشابكة، خيوط، كومة من الخيوط المتشابكة، أخرى من الطرق المتعددة وكأنها ألغاز في بعض الأحيان.
من الذي يمكن أن يساعدنا في حل هذه الإشكاليات؟
في فكّ هذه الخيوط المترابطة المتشابكة؟
من الذي يمكّننا من أن نصل إلى اختيار الأصوب والأفضل والأحسن لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا؟
من الذي يمكن أن يقودنا إلى اختيار العاقبة الأحسن، النتيجة الأفضل في قراراتنا حين تختلط علينا الأوراق والأمور؟
القرآن العظيم.

وبطبيعة الحال أنا لن أجد حين أريد على سبيل المثال أن أبحث عن حل أو أتخذ قرارًا في قضية معينة ربما متعلقة بزواج، ربما متعلقة بعمل، ببيت، بأولاد، بشراء، ببيع، بأهل، يا ترى هل سأجد الإجابة واضحة في كتاب الله مباشرة؟
القرآن كتاب لا يقدم الإجابات المباشرة على المشاكل أو الإشكالات اليومية التي يمر بها الناس لأنها متنوعة، لأنها متعددة، لأنها تختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى، ولكن القرآن يضع لي الإطار العام الذي من خلاله أستطيع أن أتبين الأمور، أستطيع أن أميّز بين الخطأ والصواب، بين الحسن والأحسن.
فكلما ازدادت علاقتي بكتاب الله عز وجلّ تكرّست تلك النظرة في قلبي وفي نفسي وفي حياتي أنّي لا هدى لي بعيدًا عن القرآن، كلما أصبحت أتمسك أكثر بكتاب الله وأرى فيه هداية وأرى فيه سبيلًا لتخليصي مما أنا فيه على مختلف المستويات كلما تعمّق هذا الشعور والإحساس فيّ توطدت العلاقة بيني وبين القرآن، وكلما توطدت تلك العلاقة ازدادات وقويت البصيرة في نفسي وفي وجداني شعّ نور البصيرة في إحساسي وفي تصوراتي وفي أفكاري التي أبني من خلالها قراراتي المختلفة التي أتخذ قراراتي في الحياة من خلالها، التي أبني مواقفي وقراراتي وعلاقاتي على أساسها.
لا يمكن للإنسان العاقل أن يمشي في الحياة متخبطًا سائرًا على غير هدى تحرّكه الأهواء والنوازع، يحتاج إلى بصائر، يحتاج إلى دليل.



وفي بعض الأحيان نحن حتى حين نريد أن نشق طريقًا في السيارة لنصل إلى مسافة قريبة أو بعيدة من شوارع أو من طرق أو من مكانات نحتاج إلى أن يكون لدينا دليل أو خارطة وحين يكون هناك نوع من أنواع الإعدادت في الشارع أو التغييرات حتى في البناء أو في مستوى الإعداد نجد أنفسنا في حيرة من أمرنا لا ندري أنذهب من هنا أو من نذهب من ذلك الطريق؟
نبحث عن الطريق الأفضل والأقصر والطريق الذي يمكن أن يوجهنا إلى الوجهة التي نريد بأسهل وأيسر ما نريد.
فكيف لنا ونحن نسلك طريق الحياة الممتد المتعرج الذي ينحني حينًا ويبتعد أحيانًا عن المسار الذي نريد الوصول إليه؟! كيف للعاقل أن يسير في الطريق دون بصائر توجهه؟! دون طريق يوضح له المسافات؟! دون نور يوضح له أين يسير في ذلك التوجه؟! أين يؤدي به ذلك المنعطف إن أخذ يمينًا أو شمالًا؟!
لا يمكن للعقل ولا المنطق ولا القلب يمكن أن يقبل بهذا النوع من التخبط!.

فكلما ازددت قوة وعلاقة وبدأت العلاقة بينك وبين كتاب الله تزداد وتقوى وتشتد ازداد شوقك إليه وكلما ازداد الشوق والتعلق والمحبة لكتاب الله بدأ نور القرآن العظيم يدخل إلى ثنايا النفس والروح تشرق به الروح، يشرق به العقل والفكر والحسّ فيبدأ فعلًا بطريقة عفوية جدًا يرى الهدى، يرى النور، يرى الخير، يتبصّر فيما حوله، يتبصّر في كل المسائل والأشياء والمواقف التي تمر به وهو في ذلك كله لا يستغني عن الدعاء لله عز وجلّ والتوجه إليه في كتابه الكريم ليهديه سبل الرشاد.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصّرنا وأن يعلمنا وأن يهدينا للحق الذي يحبه ويرضاه وأن يجعلنا له كما يحب ويرضى
 




تدبر آية :
(وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)


هذا الكتاب بعدة أوصاف في القرآن نفسه
ومن تلك الأوصاف أن الله وصفه بأنه بشارة وبشرى والبشارة كما نعلم هي الخبر السار الذي يثلج الصدر ويطيب به الخاطر وترتاح به النفس ويأنس له الوجدان. البشرى ذاك الخبر المفرِح الذي يُدخل السرور والأنس والطمأنينة على القلب حين يطول الانتظار بالإنسان ويتمنى أن يسمع خبرًا سارًا. وربي سبحانه وصف كتابه الكريم بهذا الوصف فقال(وَهُدًى وَبُشْرَى( لِلْمُؤْمِنِينَ)) [البقرة: 97]
وفي موضع آخر (وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89]
(وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 102]
(وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) [الأحقاف: 12]
إضافة إلى عشرات البشارات جاءت بصيغة الفعل (وبشّر) في كتاب الله الكريم.

ولنا أن نتساءل ما نوع الأخبار السارة التي حملها القرآن للمؤمنين به؟
تدبروا على سبيل المثال في قوله في سورة البقرة
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لهم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار) [البقرة: 25]
وفي نفس السورة حين يحدثني الله عز وجلّ عن ابتلاءات، عن مصائب، عن طبيعة الحياة فيقول (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة) وفي آية أخرى (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223] وفي ثالثة في سورة الحج (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج: 34] وفي نفس السورة (وَبَشِّر الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37] (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: 47] (فَبَشِّرْ عِبَادِ) [الزمر: 17]



كل تلك البشارات كل تلك الأنباء السارة التي تفرّج عن القلب الهموم وتمسح عنه آثار الحزن والألم كل تلك البشارات لمن؟!
لمن يؤمن بهذا الكتاب لعظيم، لمن ينظر ويتدبر ويتلو في آياته فيرى فيها غدًا أفضل، لا يرى في تلك الابتلاءات الوجوه الكريهة التي يبغضها في الابتلاءات أو المحن ولكنه يرى أو يقرأ ما بين السطور، يرى بُعدًا آخر وصفحة أخرى في تلك الابتلاءات والمحن والأشياء التي تمر به في أحداث الحياة فتتألم نفسه بها.

يرى فيها شيئًا آخر يرى فيها صبرًا حين يكون الصبر مطلبًا وواجبًا فيرى في الصبر حلاوة تمحو به تلك المرارة التي يمر بها في أثناء دروب الحياة ومكابدة الهموم والأحزان والصبر على الابتلاءات والمحن.

القرآن العظيم وهو يحدثنا عن طبيعة الدنيا وهو يحدثنا عن الابتلاءات التي نمر بها عن طبيعة الامتحانات، المواقف التي نتعرض لها يبشرنا دومًا أن الله مع الصابرين، يبشرنا ويحمل لنا الأنباء السارة أن ما تراه اليوم وأن ما تراه من بدايات الأمور لا يعني أن ليس فيها خيرًا ما تراه في بداية حياتك ربما من ظروف، ما تمر به من صعوبات، ما تعترضك من عقبات كل هذه الأمور لا تبتئس حين تمر بك، امتلك في نفسك وفي قلبك تفاؤلًا ينبع من الإيمان بالله، تفاؤلًا ينبع من التدبر في كتابه سبحانه، ينبع من صدق التوكل عليه، ينبع من اليقين بأن ما ورد في كتاب الله عز وجلّ صدق، حقّ، تيقن، تأكد تمامًا وتيقن بأن الغد يحمل أخبارًا سارة وبأن ما نام على الإنسان ربما من خبر أو حزن أو من ألم، خبر لم يرق له ربي سبحانه وتعالى قادر على أن يبدل ذلك الحزن بشيء آخر بسرور، بفرح، بطمأنينة. مرارة الصبر لا تذهب سدى فأجر الصابرين عند ربهم يوفّى بغير حساب.

آهات الأمراض والمتاعب والمشاق التي تمر بنا لا تضيع هكذا هدرًا فربي سبحانه يكفر بكل آهة عشرات الخطايا والذنوب والآثام يرفع بها الدرجات ويضاعف بها الحسنات ويمحو بها السيئات ويعطي بها تفضلًا وتكرمًا ومنًّا وإحسانًا.

وما يمنعه ربي سبحانه عنا لخير لنا في ذلك لحكمة يراها سبحانه فهو العزيز الحكيم، لا ترى فيها فقط مرارة الامتحان وصعوبة الابتلاء والانتظار ولكن تأمل وانظر وتدبر في كتاب الله عز وجلّ وهو يبشر المؤمنين وهو يبشر أولئك الذين يبحثون عن الحكم يبحثون عن ما وراء الأحداث، يبحثون عن الأشياء التي يقرأونها في كتاب الله فيصلون ويدركون بها ما يعرض في حياتهم من أمور من مشاق من مصاعب من تحديات، لا يرون في الابتلاءات نهاية المطافات ولكن يرونها مجرد سؤال يستعينون بالله على حلّه ومواجهته وقطعًا والنتيجة لا يمكن أن تكون إلا خيرًا وعطاء ومنًّا وفضلًا وإحسانًا.

ثم إن المؤمن ينتظر الخبر السار، ينتظر البشرى ولذلك ربي عز وجلّ يقول
(لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) [يونس: 64]



ربي يبشر عباده في الحياة الدنيا من خلال آيات القرآن العظيم ولذلك ونحن نأتي إلى القرآن العظيم ينبغي أن نأتي إليه بقلوب تنتظر الإخبار بأمور سارة، تنتظر إدراك حقائق الأمور والوقائع، تقرأها بنفس مطمئنة لا ترى في الواقع مهما اسودّ ومهما تغيرت أشكاله وتبدلت أصناف الأمور التي تمر به لا ترى فيه واقعا ميؤوسا منه ولا حالة ميؤوسا منها فالمؤمن لا يعرف اليأس إلى قلبه ممرًا أو مسلكا وكيف يعرف اليأس وهو يقرأ في كتاب الله عز وجلّ عشرات البشارات وهو يرى في أن ذلك القرآن العظيم في حد ذاته هو مصدر لكل بشارة هو مصدر لكل خير

ولذلك ليس من العجب أن تأتي النفوس إلى كتاب الله منقبضة منكمشة تحمل الهموم والأحزان لكنها بمجرد أن تتلو من آيات هذا الكتاب آية أو ربما كم آية إذا بكلّ ذلك الهمّ يذهب ويروح وكأنه قد زال تمامًا حتى وإن لم يتبين للإنسان أن قد زالت أسباب ومسببات تلك المكدرات والمنغّصات في حياته ولكن مجرد تلاوة القرآن تطيب بها النفوس وتنشرح بها الصدور وتهدأ بها القلوب وتخفت بها أصوات المخاوف وما يمكن أن يبث اليأس في قلوب البشر الذين يبتعدون عن ذلك الكتاب العظيم.
بشّركم الله بكل خير وأسعد الله أوقاتكم
 
عودة
أعلى