بلاغة سورة الشمس: تأثير التكرار الصوتي بـ "ها" في دلالات الفجور والتقوى

إنضم
02/01/2018
المشاركات
137
مستوى التفاعل
9
النقاط
18
الإقامة
غير معروف
بسم الله الرحمن الرحيم


تُعتبر سورة الشمس واحدة من السور المكية التي تتميز بجمال بلاغي عميق، حيث تتجلى فيها العلاقة المتناغمة بين آيات الله في الكون وتفاعل الإنسان مع الفطرة الإلهية. من أبرز ما يميز السورة هو تكرار الحرف "ها" في نهاية كل آية، وهو تكرار لا يقتصر على الجانب الصوتي الجمالي، بل يمتد ليحمل دلالات معنوية وروحية عميقة. هذا التكرار يعكس توازنًا نفسيًا وروحيًا في عملية التعاطي مع الفجور والتقوى، حيث يرتبط بأثر داخلي يدعو إلى تهذيب النفس والالتزام بالطريق المستقيم. لا يقتصر الجمال القرآني هنا على التناسق الصوتي، بل يتعداه إلى رسالة تطهيرية وتوجيهية تسهم في تقوية إيمانه بالله تعالى.

١.وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
تبدأ السورة بالإشارة إلى الشمس وما تحمله من إشراق، حيث تعتبر رمزًا للمعرفة والهداية. و "ضُحاها" حين تتجلى الشمس بأقصى درجاتها من الإضاءة.

الحكمة من "ها": "ها" في الآية يُضفي على الفكرة عمقًا، إذ يُجسد التجلي الكامل للضياء. "ها" تصبح رمزًا للظهور والكشف، كما أن الشمس تكشف عن نفسها بأقصى درجاتها، فكذلك الحق يسطع في النفس البشرية ويظهر بوضوح.

٢.وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا
بعد الإشارة إلى الشمس، تأتي الآية لتذكر القمر الذي يتبعها، كرمز للفترات الهادئة التي تعقب إشراقة النهار. القمر، في سكونه ونوره الخافت، يمثل الراحة والسكينة التي تلزم الإنسان بعد العمل والنشاط، ويظل شاهداً على أن التوازن في الكون لا يُكتمل إلا بتتابع الليل والنهار.

الحكمة من "ها": "ها" في اخر الآية يُسهم في إبراز الانسجام بين الشمس والقمر، ويُعمق معنى التتابع بينهما. القمر الذي يتلو الشمس كدليل على النظام الكوني، يشير إلى ضرورة التوازن بين الاندفاع والهدوء، بين الفعل والراحة، كما هو الحال في الحياة بين العمل والتقوى، وبين الفجور والتوبة.
 
٤"وَالْنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا"
بعد الإشارة إلى الشمس وضُحاها كآية من آيات الله التي تضيء الكون وتكشف عن أسرار الوجود، تأتي هذه الآية لتبرز النهار كوقت يتجلى فيه الضياء، حيث يُضيء الأرض ويكشف للمؤمن عن عجائب الله في الكون. "التجلّي" هنا لا يعني مجرد الإضاءة الظاهرة، بل هو تجلٍّ للحقائق الكونية التي تسير وفق مشيئة الله، وتُظهر النظام في الأرض والسماء. النهار هنا يمثل اللحظة التي تتكشف فيها آيات الله بوضوح، كما تتجلى شمس الحقيقة وتبدد الظلام، مما يذكّر الإنسان بضرورة التأمل في آيات الله التي تملأ الكون.


الحكمة من "ها": في "جَلَّاهَا" يعمق هذا المعنى، حيث يُجسد تجلّي آيات الله في الكون وتوضيح الحقائق التي كانت غائبة عن النفس البشرية. الحرف "ها" يشير إلى الكشف والإظهار، ويُعزز الإيقاع الصوتي هذا التجلي، كما يُسهم في خلق شعور بالوضوح والشفافية. إن القرآن الكريم، مثل ضياء النهار، يجلي الحقائق في قلوب المؤمنين ويكشف لهم الطريق المستقيم، تمامًا كما أن الشمس تزيل الظلام وتكشف عن الملامح.

٤ "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا"

بعد أن تحدثت الآية السابقة عن النهار الذي يضيء ويكشف آيات الله، يأتي الليل في مقابل ذلك ليغشي الأرض بظلامه، ليُصبح الستر الذي يغطي الكون ويُعطي المؤمن فرصة للتأمل. الليل ليس مجرد غياب الضوء، بل هو لحظة من الخشوع والسكينة التي تتيح للإنسان أن يراجع نفسه ويقف بين يدي الله. في الليل، يُذكر المؤمن بآيات الله في الكون التي تنام تحت الظلام، وفي سكونه يتأمل في عظمة الخالق وحكمته.

الحكمة من "ها": في "يغشاها" هنا يحمل دلالة عميقة على التغطية التي يمنحها الليل، حيث يُغشي الكون ليظل الإنسان في حالة من الستر والتأمل. الإيقاع الصوتي المتكرر يعكس هذا الستر، ويُذَكِّر المؤمن بأن الليل هو الفترة التي يتجلى فيها سكون الكون، ويتيح للإنسان العودة إلى نفسه ومراجعة سيره مع الله. إن الليل، كآية من آيات الله، يُشعر المؤمن بالسلام الداخلي ويساعده على التوازن الروحي بعد يوم من السعي والعمل.
 
عودة
أعلى