عبدالكريم عزيز
New member
إنَّ التعامل مع التراث التفسيري يقتضي قدرًا كبيرًا من الوعي المنهجي والإنصاف العلمي؛ ذلك أن التفاسير التي خلّفها العلماء المتقدمون نشأت في سياقات علمية ومعرفية خاصة، وكانت تحكمها مقاصد محددة وطرائق في العرض والاستدلال تختلف باختلاف المدارس العلمية واهتمامات أصحابها. ومن ثمّ فإن تقويم هذه الجهود لا يصح أن يتم بمعزل عن فهم تلك المقاصد والمناهج التي التزم بها أصحابها. إذ إن من مظاهر الخلل في بعض القراءات المعاصرة للتراث التفسيري الحكمُ على التفاسير السابقة بمعايير لم تكن داخلة في مقاصد مؤلفيها، كالمؤاخذة بعدم استقصاء وجوه الاستنباط أو عدم التعرض لبعض الدلالات التي توسع فيها المتأخرون. والحال أن كثيرًا من المفسرين المتقدمين كان مقصدهم الأساس بيان المراد من الآية الكريمة، اعتمادًا على اللغة والسياق وأقوال السلف، وهو ما يمثل جوهر العملية التفسيرية، أما التوسع في استخراج اللطائف والاستنباطات فهو مجال آخر يأتي بعد استقرار المعنى التفسيري. ومن هنا فإن المنهج العلمي الرصين يقتضي قراءة التراث التفسيري في ضوء أصوله ومقاصده، مع الإفادة من جهود المتأخرين والمعاصرين في توسيع دائرة الاستنباط، دون أن يفضي ذلك إلى التقليل من قيمة أعمال المتقدمين أو تحميلها ما لم تُنشأ من أجله.