د. محمد بن جميل المطري
Member
الرد على صاحب المقال السخيف: هل البخاري عاقل أو حتى مسلم؟!
الحمد لله الذي حفظ سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأهل الحديث، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أما بعد:
فقد اطلعت على مقال مملوء بالدجل والمغالطة والحقد على السنة النبوية بعنوان: هل البخاري عاقل أو حتى مسلم؟ لكاتب عرف نفسه بأنه الدكتور أحمد عبده ماهر، ووصف نفسه بأنه مستشار ومحام بالنقض وباحث إسلامي.
وقد ادعى هذا الكاتب في مقاله الطويل الذي سيُسأل عنه يوم القيامة بأن البخاري أعمى، وأن الذين يناصرونه مجموعة من المخابيل وإن كانوا بالملايين، وزعم أن كتاب البخاري أكبر بدعة في الإسلام، وحشد نحو 20 حديثا ليوهم الناس أن صحيح البخاري كله مكذوب، مع أن عدد أحاديث صحيح البخاري أكثر من 2500 حديث، فلو سلمنا أن تلك الأحاديث العشرين لا تصح فلماذا يريد أن ينسف بقية أحاديث صحيح البخاري؟!
ولماذا يريد أن ينكر السنة النبوية كلها وقد أمرنا الله في آيات كثيرة بطاعة رسوله كما أمرنا بطاعته؟!
والحقيقة أن كل ما أورده الكاتب من أحاديث ففي شروح السنة بيان معانيها وتوجيهها، ولن أذكر في ردي هذا الجواب عنها حديثا حديثا لكون ذلك معروفا عند أهل العلم في كتبهم.
لكن لا باس بأن أكتفي بمثال، وهو حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فقد هول الكاتب ذلك، مدعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُمكن أن يسحره ساحر، وهذا يدل على جهله الفاضح بكتاب الله، فقد ذكر الله في القرآن الكريم أن سحرة فرعون سحروا النبي موسى عليه الصلاة والسلام فقال الله سبحانه: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 116]، وقال عز وجل: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 66، 67].
ونقول لهذا الجاهل: الإمام البخاري مكث في جمع كتابه الصحيح 16 عاما، وكان لا يكتب حديثا فيه إلا بعد أن يصلي ركعتي الاستخارة، وكل حديث فيه فقد رواه غير البخاري من أصحاب الكتب الحديثية الأخرى من شيوخ البخاري وزملائه وغيرهم، فالحديث الذي يرويه البخاري قد تجد أنه رواه أيضا مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم، بل جاء بعض المحدثين بعد زمن البخاري فرووا نفس أحاديث صحيح البخاري حديثا حديثا بأسانيد أخرى من غير طريق البخاري، وهم أصحاب كتب المستخرجات على صحيح البخاري، فيروون الحديث الذي في صحيح البخاري من طريق شيخ البخاري أو شيخ شيخه.
ومنكرو السنة يجهلون هذا، ولا يعلمون أن البخاري لو لم يخلقه الله أو لم يؤلف كتابه الصحيح فتلك الأحاديث التي في صحيحه موجودة في كتب غيره من المحدثين، والله حافظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهِنَها ... فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوَعِلُ
وسأذكر هنا قواعد نافعة تعصم قارئها - بإذن الله - من الاغترار بشبهات الطاعنين في السنة، وتكشف شبهاتهم بالجملة:
القاعدة الأولى: تكذيب الخبر مع احتمال صدقه ضلال مبين.
قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، والحديث الصحيح وحي من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وروى أحمد في مسنده (22215) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2178) عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ "، أي أقول لكم ما أوحاه الله إلي، وروى أحمد في مسنده (17174) وأبو داود في سننه (4604) بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه".
قال ابن القيم رحمه الله في حاشيته على سنن أبي داود (7/ 348): "وأما رد الحديث بالقياس فلو لم يكن فيه إلا أنه قياس فاسد مصادم للنص لكفى ذلك في رد القياس، ومعلوم أن رد القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس، وبالله التوفيق".
فطريقة العلماء ليست التكذيب والإنكار بما لم يحط الإنسان بعلمه ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾، ولا الجزم في مقام الاحتمال المعتبر، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي لا تقل ما لا تعلم، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية (5/ 75): " نهى الله تعالى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾، وفي الحديث: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث"".
وقد قرن الله من يُكذِّب بالصدق بمن كذَب على الله، وحكم عليهما جميعا بأنهما ظالمين فقال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.
القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك، وخبر المتخصصين في علمٍ ما لا يصح أن يرده الجاهلون بذلك العلم بالظن.
فمثلا قواعد أهل الطب لا يُقبل ردها من الجاهلين بالطب، وقواعد النحاة لا يردها الجاهل بالنحو، وهكذا ما صححه المحدثون من الأحاديث لا يُقبل ردها بالظن، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا، ونقول لمن أراد أن يشكك في حديث في الصحيحين أو في غيرهما مما صححه أهل الحديث: لن يُقبل ذلك منك إلا إذا أتيت بحجة بينة بحسب القواعد التي وضعها أهل الحديث رحمهم الله، فإنهم لا يضعفون الحديث إلا لطعن في أحد الرواة أو لسقط في الإسناد، فأثبت لنا أن أحد رواة الحديث غير ثقة أو أنه أخطأ في روايته، أو أثبت لنا أن هناك سقطا في الإسناد وانقطاعا، وإلا فاسكت خيرا لك.
فطريقة أهل الحديث أنهم يجمعون طرق الحديث فيتبين لهم الصواب من الخطأ، وبجمعهم للروايات يتبين لهم حال الرواة في الحفظ والإتقان، فمن وافق من الرواة أصحابه الذين يشاركونه في الرواية عن شيخهم تبين لهم ضبطه وإتقانه، فإن خالفهم بالزيادة والنقصان والخطأ تبين لهم ضعف حفظه، فإن أضاف إلى ذلك تفرده بروايات عن شيخهم الواحد ولم يذكرها غيره من طلاب ذلك الشيخ تبين لأهل الحديث كذب ذلك الراوي أو اتهموه بالكذب بحسب إكثاره من التفرد وبحسب مروياته ومخالفته لأقرانه الذين يروون عن شيخ واحد.
قال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه (1/ 7): "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله".
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله في مقدمة كتابه الجرح والتعديل (1/ 5 -7 ): " وجب أن نميز بين عدول الرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة. ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة حُق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات. وأن يُعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم، وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو والاشتباه، ليُعرف به أدلة هذا الدين.
وليُعرف أهل الكذب تخرصا، وأهل الكذب وهما، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيُكشف عن حالهم، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يُعبأ به ولا يُعمل عليه، ويُكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار.
ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم وتباين درجاتهم؛ ليُعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والبحث عن الرجال والمعرفة بهم، وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح. ويُعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه. ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فهذا يُترك حديثه ويطرح روايته ويُسقط ولا يُشتغل به" انتهى بتصرف واختصار.
القاعدة الثالثة: إذا تعارض نصان ثابتان يُجمع بينهما ولا يُكذَّب أحدهما.
إذا تعارض نصان ثابتان سواء كانا آيتين أو آية وحديثا، أو حديثين، فإن العلماء يقولون: يُجمع بينهما فإن لم يمكن يُنظر الناسخ من المنسوخ، فإن لم يُعرف المتقدم من المتأخر يُرجح بينهما، والمرجحات عند العلماء أكثر من 100 مرجح لا يعلم منها المشككون في السنة إلا أن يُقدم القرآن على السنة أو المتواتر على الآحاد!! ثم إن لم يمكن الترجيح يقولون: نتوقف وفوق كل ذي علم عليم.
انظر في بيان هذا كتاب نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر ص 97، وانظر كتاب التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للحافظ العراقي رحمه الله ص 286 وما بعدها فقد ذكر مائة وعشرة من المرجحات!!
فهذه طريقة أهل العلم قديما وحديثا، أما طريقة أهل الأهواء فالتكذيب والرد لما يظنونه لا يدخل عقولهم!!
وطريقتهم هذه مبتدعة ومتناقضة، وقد توصلهم إلى الكفر إن أعملوها في نصوص القرآن الكريم، وهم إن لم يعملوها في القرآن وأعملوها في السنة فقد تناقضوا؛ فإن القرآن والسنة الصحيحة كلاهما وحي وكلاهما حق، وإن صدَّقوا ببعض الآيات القرآنية وإن لم تدخل عقولهم فلماذا لا يقبلون بعض ما في السنة مما لم يدخل عقولهم؟!!
وهذا التناقض الواضح يكفي في بيان بطلان منهجهم، فإن في القرآن العظيم أشياء تحير العقل ويجب الإيمان بها وإن لم تدخل عقولنا، وسأذكر ثلاثة أمثلة من سورة واحدة وهي سورة الكهف:
- قصة أصحاب الكهف العجيبة وفيها قال تعالى:﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾، وهذا شيء عجيب جدا قد لا يدخل عقول الكفرة، ولكننا نؤمن به ولا نشك فيه لقول الله، ولو جاءت هذه القصة في حديث صحيح لما شككنا فيه أيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
- قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام فيها عجائب كثيرة منها قوله تعالى:﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴾ أي أحياه الله بعد موته واتخذ طريقاً في البحر، حيث حبس الله جرية الماء فصار هناك نفقاً في مكان دخول الحوت البحر!! وهذا شيء عجيب جدا كما قال فتى موسى: ﴿ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴾!
- قصة ذي القرنين وبنائه الردم، قال تعالى حاكيا عنه: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾، وهذا أمر عجيب جدا يحير العقول ولكن ليس محالا، فالله آتى ذا القرنين من كل شيء سببا، ونحن نؤمن بهذه القصة التي أخبرنا الله عنها ولا نشك فيها، ومن شك فيها وقال: هذا من أساطير الأولين فقد كفر، ولو كانت هذه القصة في صحيح البخاري لقال هذا الكاتب: هذا من خرافات الأولين!!
- الدابة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، فنؤمن بأن هذه الدابة تكلم الناس ولا نتفلسف فنقول: هل تكلم الناس باللغة العربية الفصحى أو بأي لغة كما قال ذلك الكاتب بكل وقاحة في رده لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر بكلام بعض الحيوانات!
- قصة عرش بلقيس حين أتي إلى النبي سليمان عليه الصلاة والسلام من اليمن إلى الشام في طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾، ولو كانت قصة سليمان عليه السلام وإتيان العرش له من أرض سبأ إلى بلاد الشام قبل أن يرتد إليه طرفه في حديث في صحيح البخاري لرده كاتب المقال الأحمق بكل جرأة، وأنكر على من يصدق به، ولقال: هذه خرافة، ولا يمكن أن نصدق ما يخالف العقل!! فأفٍّ لك يا دكتور ولعقلك الممسوخ!!
ومدرسة منكري السنة ليست جديدة، بل هي قديمة جداً من قبل عهد ابن قتيبة رحمه الله لكنها تتكرر في كل عصر، وما أكثر ضحايا هذه المدرسة التشكيكية، قال الله سبحانه: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، فكونوا يا عباد الله من الصدِّيقين ولا تكونوا من المرتابين!!
القاعدة الرابعة: باجتماعِ النقلِ الصحيح والعقلِ الصريح تُدْرَكُ الحقائق الشرعيَّةُ.
باجتماعِ النقلِ الصحيح والعقلِ الصريح تُدْرَكُ الحقائق الشرعيَّةُ؛ فلا النقلُ وحده يُفِيدُ فاقدَ العَقْلِ, ولا العقلُ وحده يُفِيدُ فاقدَ النَّقْل, فلا بد من اجتماعهما، وبنقصِ واحدٍ منهما تَنْقُصُ المعرفةُ بالحَقّ.
وليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح من القرآن والسنة ما يوجب مخالفة الشرع أصلاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموعة الرسائل والمسائل (3/64-65): "كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفاً بالأدلة الشرعية وليس في المعقول ما يخالف المنقول، ولهذا كان أئمة السنة على ما قاله أحمد بن حنبل: معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه، أي معرفته بالتمييز بين صحيحه وسقيمه، والفقه فيه معرفة مراد الرسول وتنزيله على المسائل الأصولية والفروعية أحب إلي من أن تحفظ من غير معرفة وفقه، وهكذا قال علي بن المديني وغيره من العلماء فإنه من احتج بلفظ ليس بثابت عن الرسول أو بلفظ ثابت عن الرسول وحمله على ما لم يدل عليه فإنما أتي من نفسه. وكذلك العقليات الصريحة إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول، والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها لم تكن إلا حقاً وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف إمكان المعاد، ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام أحد من الناس " انتهى مختصرا.
القاعدة الخامسة: إن تعارض النقل والعقل في الظاهِرِ قُدِّمَ النَّقْلُ على العقلِ.
إن تعارض النقل والعقل في الظاهِرِ قُدِّمَ النَّقْلُ على العقلِ؛ لأنَّ النَّقْلَ عِلْمُ الخالِقِ الكامِلِ, والعَقْلَ عِلْمُ المخلوقِ القاصِر، وهذا التعارض يكون بحسب الظاهر لا في حقيقة الأمر؛ فإنه لا يمكن أبداً حصول تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وإذا وجد تعارض فإما أن يكون النقل غير صحيح أو العقل غير صريح . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة العرشية ص35: " ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كله حق يصدق بعضه بعضا، وهو موافق لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة، والقصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما يظن تعارضها: من صدَّق بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه، أو اعتقد شيئا ظنه من العقليات وهو من الجهليات، أو من الكشوفات وهو من الكسوفات إن كان ذلك معارضا لمنقول صحيح وإلا عارض بالعقل الصريح، أو الكشف الصحيح، ما يظنه منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون كذبا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على شيء ولا يكون دالا عليه ".
والعقل كالبَصَر، والنقل كالنُّور؛ لا يَنتفِعُ المُبْصِرُ بعينِهِ في ظلامٍ دامِس, ولا يَنتفِعُ العاقلُ بعقلِهِ بلا وَحْي, وبِقَدْرِ النورِ تَهْتَدِي العَيْن, وبقدرِ الوحيِ يَهتَدِي العَقْل, وبكمالِ العقلِ والنقلِ تَكتمِلُ الهدايةُ والبصيرة؛ كما تَكتمِلُ الرؤيةُ حِينَ الظَّهِيرَة، فالمؤمنون أبصر الناس بالحقائق الشرعية لجمعهم بين النقل الصحيح والعقل الصريح قال تعالى:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
القاعدة السادسة: يجب اتباع الوحي وعدم الاستغناء عنه بالعقل وحده.
يجب اتباع الوحي وعدم الاستغناء عنه بالعقل وحده، ومَنْ قالَ: إِنَّهُ يَهتَدِي إلى اللهِ بعقلِهِ المُجرَّدِ بلا وحيٍ, فهو كمَنْ قالَ: إنَّهُ يَهْتَدِي إلى طريقِهِ بعينِهِ المُجرَّدَةِ بلا ضياءٍ, وكُلٌّ منهما جاحدٌ لقطعيٍّ ضروريٍّ, والأوَّلُ بلا دِين, والثاني بلا دُنْيَا. والأول بلا بصيرة، والثاني بلا بصر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
والوحي هو الذي يَهْدِي الأنبياءَ، ويَهْدِي أَتْبَاعَهُمْ، ويدل على هذا قول الله تعالى:﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، فلا هداية إلا لمن اتبع الوحي ومن لم يتبعه فقد ضل ضلالا مبينا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء:136]، وقال سبحانه:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾.
وقد ضل مَنْ يقول: لا أُصدِّق بأي حديث إلَّا إذا أدرَكَهُ عقلي, وما لا يُدْرِكُهُ لا أُؤمِنُ به, فإن هذا قَدَّمَ العقلَ القاصر الناقص الذي يجهل أكثر مما يعلم على الحديث الصحيح الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالمؤمن العاقل يقدم الحديث الصحيح على كل عقل، فما لا يُدرِكُهُ العقلُ لا يَعْنِي عدَمَ وجودِهِ, ولكنَّهُ هو غيرُ مُدْرِكٍ له, فللعقلِ حَدٌّ يَنتهِي إليه, كما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا ينتهِي إليه لا ينتهي الكونُ والوجودُ بنهايتِهِ, وللسمعِ حَدٌّ لا تنتهِي الأصواتُ بنهايتِهِ؛ فللنَّمْلَةِ صوتٌ لا يُسْمَع, وفي الكونِ فَضَاءٌ وكواكبُ ونجومٌ لا تُرَى.
ومعلوم أن النصوص الشرعية منها ما يفهمه غالب الناس، ومنها مما لا يفهمه إلا العلماء، ومنها ما لا يفهمه ويعرف دلالته إلا الراسخون من أهل العلم، فيكون موقفنا هو العمل بالمحكم والوقوف عند المتشابه. والمتشابه: هو ما لا يعلمه إلا الراسخون من أهل العلم، وأما جعل هذا المتشابه أصلا، أو التشكيك في المحكمات بضربها بالمتشابهات فهذا سبيل أهل الغي، يقول الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح بحال، ومتى توهم متوهم أن نصا من النصوص الشرعية الثابتة خالف للعقل فليتهم عقله هو، والشريعة الإسلامية - بحمد الله- تأتي بما تحار فيه العقول ولا تأتي أبداً بما تحيله العقول كما قرر ذلك المحققون من العلماء، بمعنى أن الشريعة لا تأتي بما تعده العقول السليمة أمرا مستحيلا.
ويجب التسليم للنقل الصحيح أخبارا وأحكاما سواء عَرَفْنا العِلَّةَ أو لم نَعْرِفْها, قال الزهري رحمه الله: "من الله الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم ".
فبعض القضايا العقلية الثابتة بالأدلة القطعية لا تدركها بعض العقول لعدم فهمها لها، فكيف بالقضايا التي لا تحيط بها العقول وهي كثيرة جدا مما نراه ونشاهده؟! ومن أقربها سبب تثاؤب بعض الناس عند تثاؤب شخص آخر في المكان الذي هو فيه!! فلا تعرف العقول سبب ذلك، ومن تكلم في سبب ذلك بالظن لا يمكنه أن يطلب من جميع الناس أن يسلموا بتفسيره، ومثل ذلك الروح لا تحيط العقول بحقيقتها قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الشوكاني رحمه الله في تفسيره فتح القدير (3/302): " أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها عباده ، ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: أن علمكم الذي علمكم الله، ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظا من العلم وافرا، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر عليهما السلام" انتهى.
وبالجملة يجب على المسلم أن يقدم قول الله ورسوله على كل قول وعلى كل قياس وعلى كل ذوق وعلى كل استحسان، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن كثير في تفسيره : " أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، وعن ابن عباس قال: ﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال سفيان الثوري: ﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بقول ولا فعل " انتهى.
ومن أشكل عليه حديثاً صحيحاً فلا يبادر إلى إنكاره وتكذيبه ورده، بل يرجع إلى كلام أهل العلم في شرحه وتوجيهه، روى ابن ماجه (20) بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فظنوا به الذي هو أهياه، وأهداه، وأتقاه»، وقد ألف العلماء كثيرا من الكتب في بيان مشكل الحديث وتكلموا في توجيه ما يشكل منها أو ما يخالف بعضها بعضاً في الظاهر، كما تكلموا في توجيه الآيات القرآنية المتعارضة في الظاهر، وألفوا كتبا كثيرة في ذلك من أجمعها كتاب العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" وأكتفي هنا بذكر مثالين يبينان توجيه العلماء للآيات المتعارضة في الظاهر:
المثال الأول: قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ هذه الآية تعارض في الظاهر آيات سورة النازعات ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾، حيث تدل آية سورة البقرة على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة: «ثم»، ومثلها آيات سورة فصلت: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ بينما آيات سورة النازعات تدل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء!!
وقد سُئل عن هذا الإشكال حبر القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولاً قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء، ويدل لهذا أنه قال: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ولم يقل: خلقها، ثم فسر دحوه إياها بقوله: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾، وجمع بعض العلماء بجمع آخر وجيه وهو أن معنى قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ أي مع ذلك، فلفظة «بعد» بمعنى مع، ونظيره قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، فهذان وجهان صحيحان للجمع بين الآيتين، ولو كانت آية سورة النازعات واردة في حديث في صحيح البخاري لسارع المبطلون أمثال كاتب المقال المفتون بالتكذيب به بدعوى التعارض بين القرآن والحديث!!
المثال الثاني: قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد جاءت آيات أخرى تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون، كقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾، وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، فهذه الآيات تعارض في الظاهر آية سورة المرسلات، ولو كانت آية سورة المرسلات حديثاً صحيحاً لسارع المبطلين إلى رده بدعوى مخالفته للقرآن، مع أن الجمع ممكن فقد قال أهل العلم: القيامة مواطن كثيرة، ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون، وبهذا نصدق بجميع النصوص، وكلها حق، ولا تُرد بعض النصوص ببعض بدعوى التعارض كما هو الضالين، فهذا جهل عظيم بمنهج العلماء فإنهم لا يقولون بالتعارض إلا إذا لم يمكن الجمع كما تقدم تقريره، ولكن زيِّن له سوء صنعه ويحسب أنه يحسن صنعاً، وقد حذرنا الله من مخالفة منهج الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين وأخبر أنه يعاقب من فعل ذلك بأن يوله ما تولى أي يُزيِّن له الباطل في عينيه، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم، وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم".
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول"، وقال أيضًا: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا: وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم".
وقد أحسن من قال:
تمســـك بحبــــل الله واتبـع الهـــدى ولا تـــــــك بدعيـــــا لعلك تفلـــــح
ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رســـــول الله تنجو وتربح
ودع عنك آراء الرجــــــــال وقولهم فقول رسول الله أزكى وأشـــــرح
ولا تك من قوم تلهو بدينـــــــهم فتطعن في أهل الحديــــــث وتقدح
ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رســـــول الله تنجو وتربح
ودع عنك آراء الرجــــــــال وقولهم فقول رسول الله أزكى وأشـــــرح
ولا تك من قوم تلهو بدينـــــــهم فتطعن في أهل الحديــــــث وتقدح
وختاما: الإيمان مبني على التصديق بخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي أول المصحف الكريم في بيان صفات المتقين: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾، أي يصدِّقون بالغيب، والغيب هو خبر الله وخبر رسوله، فلا يُكذَّب خبر الله وخبر رسوله لشبهة، ولا يُعارض أمر الله وأمر رسوله لشهوة، وهذا خلاصة الدين الإسلامي:
التصديق بالأخبار، والعمل بالأحكام، قال الله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾، وبالله التوفيق.
هذا بحمد الله ما يسر الله لي إيراده باختصار نصحا للمسلمين، ودفاعا عن سنة خاتم المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وكتب/ محمد بن علي بن جميل المطري