الحياء ولباس النفس

إنضم
11/01/2012
المشاركات
3,867
مستوى التفاعل
11
النقاط
38
العمر
69
الإقامة
الدوحة - قطر
لقد اهتم خلْقٌ كثير بمظاهر أجسادهم , وأهملوا نفوسهم ؛ مع أن النفس أولى بالاهتمام، والروح أولى بالرعاية، والقلب أولى بالعناية. فكم من ساتر لعورة جسمه مظهر لعورة نفسه ؛ وما أجود ما قيل :
يا خادم الجسـم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربـح مما فيه خسران​
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان​
وهذه دعوة للتأمل في ماهية لباس النفس ، ليستر الإنسان عورات داخله كما يستر عورات ظاهره ، إن الله تعالى يقول: ] يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [ [ الأعراف : 26 ] .
ففي هذه الآية امتن الله تعالى على عباده باللباس الذي يواري العورات الظاهرة ، ثم بين أن التقوى خير لباس ، فكما أن للجسم عورات يجب أن توارى بلباس ، فكذلك للنفس عورات يجب أن توارى بلباس ؛ وأخبرنا الله تعالى أن التقوى هي لباس النفس ، وما أحسن ما قيل :
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى تقلب عريانًا وإن كان كاسيا​
وخـير لباس المرء طاعـة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا​
وعن كنه هذا اللباس وماهيته يقول ابن عباس t: لباس التقوى هو العمل الصالح ؛ وقال عثمان بن عفان وابن عباس y : السمت الحسن ؛ وقال قتادة والسدي وابن جريج : لباس التقوى : الإيمان ؛ وقال بعضهم: لباس التقوى : الحياء ([1]) ؛ والكل متلازم ، فالتقوى تقتضي العمل الصالح ، والسمت الحسن ، وأصلها الإيمان ، والحياء شعبة من الإيمان ، وداعٍ للالتزام بكل ما سبق ؛ وهذا الذي يسميه أهل التفسير : التفسير بالمثال .
وعلى ذلك فلباس التقوى لا يتم إلا بمحاسن الأخلاق ، وقد قال الرسول الأعظم e: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ " ([2])، وقال e: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ " ([3]) , وقال: " أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا.. "الحديث ([4]) ؛ والأحاديث في ذلك كثيرة .
فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها، بل هي أصول الحياة التي يرتضيها الدين ويحترم ذويها ؛ كما قال الشيخ الغزالي - رحمه الله .
وإذا تفحص الأخلاق متأمل وجد أن الحياء أصل لجل هذه الأخلاق إن لم يكن لجميعها ، ومن هنا قال رسول الله e : " إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ " ([5]) ، بل جعل النبي e الحياء والإيمان قرينين ، فإذا ذهب أحدهما ذهب الآخر ؛ فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – يرفعه : " الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر " ([6]) ، فهما قرينان لا ينفصلان , فإما أن يبقيا جميعا أو يذهبا جميعا ؛ ذلك لأن الحياء يحث صاحبه على الفضائل ويمنعه عن الرذائل ، وأنه كما قال e : " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ " أَوْ " الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ "، وفي رواية: " الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إلا بِخَيْرٍ " متفق عليه من حديث عمران بن حصين t ([7]) .
هذا، وإنك – أيها القارئ – إذا أرجعت ما تراه بين الناس من سوء خلق وجهر بمعصية وترك للطاعات وفعل للمنكرات إلى قلة الحياء أو انعدامه ، فما أبعدت ؛ فقد قال e: " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " رواه البخاري عن أبي مسعود البدري t ([8]) .
قال الماوردي - رحمه الله : اعلم – رحمك الله – أن الخير والشر معان كامنة ، وتُعرف بسمات دالة ، كما قالت العرب : تخبر عن مجهوله مرآته ؛ وكما قال الشاعر :
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر​
فسمة الخير : الدعة والحياء ، وسمة الشر : القحة والبذاء ، وكفى بالحياء خيرًا أن يكون على الخير دليلا ، وكفى بالقحة والبذاء شرًّا أن يكونا إلى الشر سبيلا ؛ وقد قال e: " الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ " ([9] ) ؛ ويشبه أن يكون العي في معنى الصمت ، والبيان في معنى التشدق ، كما جاء في الحديث الآخر : ".. وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي فِي الْآخِرَةِ مَسَاوِيكُمْ أَخْلاقًا الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ " ([10] ). وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال: " الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ " ( [11] ) ؛ وقال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه ؛ وقال بعض البلغاء : حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه ؛ وقال بعض البلغاء العلماء : يا عجبا ! كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي ، وتتقي من طول مالا تتقي ؟!
وقال صالح بن عبد القدوس :
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه​
حياؤك فاحفظه عليك وإنما ... يدل على فعل الكريم حياؤه ( [12] )​
إن الحياء هو الخلق الذي يميز هذه الأمة ، فهل ترجع الأمة إلى خلقها ؟
اللهم ردَّنا إلى ديننا ردًّا جميلا ... آمين .


[1] - انظر لهذه الآثار تفسير ابن جرير: 8 / 149.

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref22 – رواه أحمد: 2 / 381، والبخاري في الأدب المفرد (273)، والحاكم (4221) عن أبي هريرة، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفي الموطأ: 2 / 904 (1609) بلاغا " بعثت لأتمم حسن الأخلاق ".

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref33 – رواه أحمد: 6 / 64، 90، واللفظ له، وأبو داود (4798)، والحاكم (199) عن عائشة وصححه على شرطهما، وله شاهد عند الحاكم (200) عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه،وصححه على شرط مسلم.

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref44 – رواه أحمد: 2 / 250، 272، والترمذي (1162) وصححه، والدارمي (2792)، وابن حبان (479)، والحاكم (1، 2) وصححه عن أبي هريرة. ورواه أحمد: 6 / 47، 99، والترمذي (2612) وصححه عن عائشة رضي الله عنها.

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref55- رواه ابن ماجة (4181)، وأبو يعلى (3573)، والطبراني في الأوسط (1658) عن أنس، ورواه أبن ماجة (4182)، وأبو نعيم في الحلية: 3 / 220، عن ابن عباس. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ج2 ص227؛ وله شاهد رواه مالك في الموطأ: 2 / 905 (1610) عن زيد بن طلحة بن ركانة مرسلا.

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref66 – رواه البخاري في الأدب المفرد (1313)، أبو نعيم في الحلية: 4 / 297، والحاكم (58) وصححه على شرطيهما.

[7] - البخاري (6117)، ومسلم (37).

[8] - البخاري (6120)، ورواه أبو داود (4797)، وابن ماجة (4183).

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref99- رواه أحمد: 5 / 269، والترمذي (2027) وحسنه، والحاكم (17) وصححه على شرطهما، عن أبي أمامة رضي الله عنه. قال الترمذي : وَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ وَالْبَذَاءُ هُوَ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ ، وَالْبَيَانُ هُوَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ ، مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءِ الَّذِينَ يَخْطُبُونَ فَيُوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَيَتَفَصَّحُونَ فِيهِ مِنْ مَدْحِ النَّاسِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ . ا.هـ .

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref1010- جزء من حديث صحيح رواه أحمد : 4 / 193، 194، وابن حبان (482) عن أبي ثعلبة الخشني . ورواه الترمذي (2018) عن جابر .

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref1111- رواه أحمد : 2 / 501 ، والترمذي (2009) وصححه ، وابن حبان (609 ) ، والحاكم (172) وصححه؛ ورواه ابن ماجة (4184) عن أبي بكرة رضي الله عنه .

http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref1212- أدب الدنيا والدين ص240، 241 ، باختصار وتصرف.
 
عودة
أعلى