أعظم دروس الهجرة

إنضم
11/01/2012
المشاركات
3,868
مستوى التفاعل
11
النقاط
38
العمر
67
الإقامة
الدوحة - قطر
قد كان في إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة دروسًا للأمة أهمها :
أن التماس الأسباب لا ينفي التوكل على الله تعالى ، فهذا درس عظيم في حياة الفرد والأمة : فقد التمس النبي صلى الله عليه وسلم جميع الأسباب الموصلة إلى نجاح الرحلة ؛ من سِرية الأمر، وجعل عليَّ بن أبي طالب يبيت في الفراش ، واختيار الرفيق ، وإعداد الراحلة ، والاتفاق مع دليل حاذق ، والتعمية على الأعداء ، إذ انطلق جنوبًا تجاه غار ثور ، واتجاه الرحلة إلى الشمال حيث المدينة المنورة ، وإعداد عبد الله بن أبي بكر ليأتيهما بأخبار القوم ليلا إذا هدأ الطلب عنهما ، وأسماء بنت أبي بكر لتأتيهما بما يحتاجونه من طعام وماء ، وعامر بن فهيرة يأتي خلفهما بالغنم ، ليعفي على آثارهما ، وليشرب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من لبن الغنم .
كل هذه الأسباب التمسها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته متوكلا على الله تعالى ، وقد كان الله تعالى قادرًا أن يسري بنبيه إلى المدينة دون أن يراه أحد ، ودون أن يلقى من مشقة الإعداد ومشقة الرحلة شيئًا ، لكنه درس للأمة على مدى الأجيال .
وليأت الدرس الثاني بعد التماس الأسباب المتاحة، وهو: أن الأمة إذا التمست الأسباب في حدود طاقتها متوكلة على الله جل وعلا ثم ضاقت الأسباب عن نتائجها أمد المؤمنين الصابرين المحتسبين بنصر من عنده : { ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } . لقد انتهى المشركون في طلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى الغار، حتى قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ ! فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ ". فأخذ الله بأبصارهم أن يروا رسوله وصاحبه ورجعوا عنهم، وتمت الرحلة التي غيرت وجه التاريخ وأضاءت للبشرية طريقها.
ألا ما أحوج المسلمين اليوم لدروس الهجرة، ومعايشة شأنها والتفكر فيها ! ما أحوج الأمة للعودة إلى الطريق التي تستحق بها نصرة ربها ! ما أحوج الأمة للرجوع إلى كتاب ربها وسنة نبيها والاستمساك بهما ! قال الله تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } [ غافر:51 ]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ".
 
من دروس الهجرة العظيمة : بناء المسجدين : مسجد قباء ، ومسجد المدينة
المساجد بيوت الله تعالى في أرضه ، وهي خير بقاع الأرض ، وهي مع كونها محل العبادة كانت ملاذ المؤمن ومفزعه ، ومدرسة الطالب ، وروضة الطفل .
وفوق ذلك كانت برلمان الدولة ، ومجتمع الوفود ، ودار القضاء ، ومكان إرسال السرايا .
وبالجملة كان المسجد يشكل كثيرًا من الوزارات في الحكومات النظامية اليوم .
والمتأمل يجد أن للمسجد في الإسلام مكانة عظيمة ، ينبئك عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول عمل له في هجرته عندما نزل قباء أسس مسجدها ؛ ثم لما انتقل إلى المدينة فكان أول ما اهتم به تأسيس مسجدها .
فالمسجد هو المبنى الذي أُعِدَّ لعبادة الله تعالى وحده ؛ وكذا الجامع ، وإنما سمي ( جامعًا ) لاجتماع المسلمين فيه في الصلوات الخمس ، وفي صلاة الجمعة ، وفي الأمور المهمة .
ومن شأن هذه الاجتماعات الدائمة أن تقوي الأواصر ، وتشدَّ الروابط ، وتؤكد الأخوة الإيمانية بين المسلمين ؛ فيتفقدون غائبهم ، ويعودون المريض منهم ، ويعينون ذا الحاجة المحتاج ، ويتعاونون على البر والتقوى .
والمسجد – على مر التاريخ – كان المدرسة والجامعة التي تخرج منها قيادات الإسلام من أمراء وقادة وعلماء وغيرهم .
والمسجد كان دار القضاء التي يُقضى فيها بين المتخاصمين ، إلى أن بنيت دور القضاء بعد ذلك .
والمسجد كان ملاذ الفقير وذي الحاجة الذي لا مسكن له ، ولا ينسى المسلمون أهل الصفة فقراء المسلمين الذين ما كان لهم مأوى إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ينظر المسلمون في حاجتهم ، ويرعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد تَخَرَّج من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادات العالم ، الذين فتح الله بهم البلاد وقلوب العباد .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود في المسجد ، ويرسل الرسل إلى الملوك والرؤساء من المسجد ، ويعد الجيوش ، ويرسل السرايا من المسجد ، وينظر في حاجات المسلمين في المسجد ، ويوزع الأعطيات عليهم في المسجد .
هكذا كان المسجد في عهده صلى الله عليه وسلم وعهود الخلفاء بعده ، إلى أن بنيت الأبنية التي اختصت بكثير من هذه المهام .
ويبقى أن تربية المسلمين ، والمحافظة على إيمانهم ، وتعليمهم أمور دينهم وحياتهم .. يبقى ذلك من مهام المساجد ؛ فليست المساجد دورًا للصلوات فقط ، وقصرها على ذلك تضييع لمهامها ؛ ولله در الدكتور القرضاوي ، قال :
لا يُصنعُ الأبطـال إلْـ ... لَا في مساجِـدنا الفسـاحْ
في رَوْضَـةِ القـرآنِ في ... ظِـلِ الأحـاديثِ الصحاحْ
لا يستوي في مَنْطِـقِ الْـ ... إِيمـانِ سَـكْـرَانٌ وصـاحْ
مَـنْ هَمُّـهُ التقـوى وآ ... خـرُ هَمُّـه كـأسٌ وراحْ
شَـعْـبٌ بغـيرِ عقـيدةٍ ... وَرَقٌ تَـذُرُّ بـهِ الريـاحْ
مَنْ خانَ ( حيَّ على الصلا ... ةِ ) يخونُ ( حيَّ على الكفاحْ )[SUP] ( [1] )[/SUP]
من هنا تفهم – أيها القارئ – لماذا يريد أعداء الإسلام قصر دور المسجد على الصلاة ، ثم إغلاقه !!


[1] - أبيات من قصيدة لفضيلة الدكتور القرضاوي بعنوان ( يا أمتي وجب الكفاح ) .
 
عودة
أعلى