محمود عبدالله إبراهيم نجا
Member
حديث (الولد للفراش) مُقيد بالإمكان (القرائن العلمية ومنها الصفات الوراثية)
قد يظن البعض أن حديث (الولد للفراش)، مُطلق (غير مقيد)، وبالتالي فكل مولود على فراش الزوج يُنسب له ولو لم يكن من صلبه، وهذا الظن غير صحيح، ومخالف لمنطق العقل، ومخالف لقول جمهور أهل العلم الذين قيدوا فهم الحديث بشرط الإمكان (القرينة العلمية) فقالوا (من ولدت زوجته من أمكن أنه منه لحقه نسبه (1، 2). وهذا الإمكان الذي اشترطه العلماء يخص الزمان والمكان والقدرة، كما هو مبين في الأمثلة التالية:
1. إذا أنجبت المرأة لأقل من ستة اشهر من تاريخ الزواج فهو ولد زنى.
2. إذا أنجبت الزوجة وزوجها مسافر سفر طويل وثبت استبراء رحمها منه بالحيض، فلو حملت فهو ولد زنا.
3. إذا حملت الزوجة وزوجها ممتنع عن جماعها وثبت استبراء رحمها منه بالحيض، فحملها من زنا.
4. إذا كان الزوج لا يقدر على الإنجاب لعلة طبية مؤكدة كأن يكون خصي، أو عنده ضمور في الخصية، او لا يوجد حيوانات منوية في منيه، فلو حملت زوجته فهو ولد زنا.
■ مما سبق يمكن إعادة صياغة شرط الإمكان لفهم كيفية تقييد حديث (الولد للفراش)، بالعبارة التالية؛
لا يُمكن أن يُنسب الولد للفراش حال وجود قرينة علمية تُثبت استحالة أن يكون الولد من صُلب صاحب الفراش، اي أن القرينة العلمية شرعاً تُثبت او تنفي الزنا، وتنفي النسب أو تثبته، ولا يقال في وجود القرينة العلمية الولد للفراش، فإذا لم توجد قرينة علمية، أو تمسك صاحب الفراش بنسب الولد ورفض طلب الزاني بالتنازل عنه، فحينها فقط يقال (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وحين نفهم شرط الإمكان بأنه القرينة العلمية، وأنه مُقدم على حديث (الولد للفراش)، فلابد من طرح الأسئلة التالية:
1. هل الصفات الوراثية للمولود تدخل في شرط الإمكان؟، أي تصلح كقرينة علمية تُثبت او تنفي الزنا والنسب؟، وهل قدمها النبي على حديث (الولد للفراش)؟
2. هل قدم الصحابة شرط الإمكان على حديث (الولد للفراش)؟
3. هل قصد النبي بحديث (الولد للفراش) التعميم؟ أم قصد حالات خاصة في قضايا النسب لا يتوفر فيها شرط الإمكان (القرينة العلمية)؟.
■ هل الصفات الوراثية للمولود تُعد شرطاً للإمكان؟ وهل قدمها النبي على حديث (الولد للفراش)؟
نعم الصفات الوراثية للمولود تُعد في الإسلام شرطاً للإمكان، وهي قرينة علمية قوية استعملها رسول الله في اثبات ونفي الزنا، وفي اثبات ونفي النسب، من خلال استعمال علم القيافة (مقارنة الصفات الشكلية)، وإليكم الأدلة؛
1. النبي سبق القضاء في إثبات النسب بالصفات الوراثية في قضية تميمة بنت وهب.
في البخاري عن أمنا عائشة أن تميمة طلقها زوجها رفاعة ثلاث طلقات، فتزوجت عبدالرحمن ابن الزبير، وكانت مُحبة لطليقها، كارهة لعبدالرحمن، فلم تمكنه من نفسها، وكانت تريد الطلاق والعودة لرفاعة، فجاءت تشتكي لأمنا عائشة أنه يضربها ولا يقدر على الجماع، فتأثرت ونقلت شكواها لرسول الله، فلما عرف عبدالرحمن #أخذ #ولديه #من #زوجة #سابقة وحضر لرسول الله، وحضرت تميمة. فلما سأله رسول الله (بنوك هؤلاء؟)، فقال نعم. فقدم الزوج قرينتان على أنه مستطيع للجماع، الأولى قرينة الفراش، فله أولاد من زوجة غيرها، والثانية الإقرار بأنهما ولديه. وهنا يُفترض أن يحكم الرسول بكذب تميمة وصدق زوجها، ولكن وراد أن زوجته الأولى خانت فراشه، وأدخلت على نسبه من ليس من صلبه؟، وهذا لا يخفى على قاضٍ بمكانة رسول الله، فلجأ للقرينة الأقوى من الفراش وهي القيافة، فقال لتميمة (هذا الذي تَزْعُمِينَ ما تَزْعُمِينَ؟! فَوَاللَّهِ لهمْا أشْبَهُ به مِنَ الغُرَابِ بالغُرَابِ). أي هَذا الَّذي تَزعُمينَ عَدَمِ قدرتِه على الجِماعِ، أولاده أَشْبَهُ بِه مِن شبه الغُرابِ بالغُرابِ،وحكم لعبدالرحمن باستمرار الزواج ورفض الخلع.
فاستدَلَّ الرسول على كذب تميمة بالقيافة (شبه الصفات الوراثية) ولم يقل لها عنده أولاد من فراش سابق، فقدم الصفات الوراثية على الفراش، بما يدل على أن الصفات الوراثية أكثر يقينية من الفراش، ولا حرج على الفقهاء والقضاة في التأسي بفعل النبي.
2. حديث الذي ولدت له امرأته ولد أسود فأنكر نسبه
في الصحيحين أن أعرابياً قال لرسول الله (ولدت غلاماً أسودَ، وإني أنكرته" وهو يعرض بنفيه، فقال النبي: "هل لك من إبل؟" قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟" قال: حُمْر. قال: "هل فيها من أورق؟" قال: إن فيها لورقاً. قال: "فأنى أتاها ذلك؟" قال: عسى أن يكون نزعه عرق! قال: "فلهذا عسى أن يكون نزعه عرق). وفي هذا الحديث ظن الأعرابي أنه أتى بقرينة علمية من خلال القيافة (الصفات الوراثية) تثبت ان زوجته زانية وتنفي نسب الولد عنه، ومع ذلك لم يقل له النبي (الولد للفراش)، ولكن قابل قرينة الصحابي العلمية، بقرينة علمية أقوى تثبت إمكان أن الولد له وأن زوجته ليست بزانية، فاحتج عليه بتوارث الصفات المختلفة من الأجداد عبر عروق النطفة، وهو أمر أثبته العلم الحديث. والحديث لا شك أنه حُجة في أن الصفات الوراثية قرينة يقينية ينبغي أن تُقدم على دليل الفراش عندما يشتكي الزوج نسب ولده.
3. حديث القائف وأقدام أسامة ابن زيد
في الصحيحين من حديث أمنا عائشة (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض). ولو كان الولد للفراش بإطلاق، لما فرح النبي بقول القائف، ولكان زجره عن فعله فيقول له كيف تحاول اثبات نسب الولد بالقيافة رغم أن نسبه ثابت بالفراش؟!، فدل فعل النبي وموافقته على فعل القائف أن الصفات الوراثية قرينة يقينية ينبغي أن تُقدم على دليل الفراش في قضايا النسب. وقد قال ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث في فتح الباري (هذا الحديث فيه الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِف لَا يُعْتَبَر قَوْله).
■ هل قدم الصحابة شرط الإمكان (القرينة العلمية) على حديث (الولد للفراش)؟
الجواب هو نعم، والدليل من حديث المرأة التي وضعت ولد لستة أشهر من زواجها، فرفع زوجها امرها لسيدنا عُثمان، وفي روايات اخرى لسيدنا عُمر (يبدو ان القصة تكررت).
لاحظوا معي ان هذه القصة شبيهة تماما بقصة الصحابي الذي وضعت له امرأته ولد أسود، فحكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالقرينة العلمية ولم يقل الولد للفراش، وكذلك سنرى الآن أن كبار الصحابة قلدوا رسول الله فقدموا الإمكان (القرينة العلمية) على حديث الولد للفراش.
في هذه القصة جاء الزوج بقرينة علمية فقد ولدت بعد زواجها بستة أشهر، وهو أمر غير معتاد عند العرب، وهذا يعني أنها زنت وحملت قبل زواجها به، وهذه القرينة العلمية كانت مُقنعة لسيدنا عُثمان (او سيدنا عُمر)، فقدمها على حديث الولد للفراش، وأمر برجم الزوجة. ولكن بعض الصحابة لم يرض بهذا الحكم، وقالوا المراة ليست زانية، وأسسوا دفاعهم على القرينة العلمية وليس على حديث (الولد للفراش)، فقال سيدنا ابن عباس (او سيدنا علي في رواية مالك)، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، وقال والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها ". وفي فعل الصحابة أكبر دليل على وجوب تقديم القرائن العلمية على حديث الولد للفراش، وأنهم مقلدون لفعل رسول الله، ويجب علينا أن نحذو حذوهم.
■ هل قصد النبي بحديث (الولد للفراش) التعميم؟ أم قصد حالات خاصة في قضايا النسب لا يتوفر فيها شرط الإمكان (القرينة العلمية)؟.
مما سبق من أدلة يتبين لنا الرسول والصحابة قدموا شرط الإمكان العلمي على (الولد للفراش)، عند التعامل مع قضايا النسب، ولنا أن نسأل، لماذا قال النبي حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر)؟
فأقول وبالله التوفيق هذا الحديث ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا خاصة حدث فيها نزاع بين صاحب الفراش والزاني على نسب الولد، ويصر صاحب الفراش على نسب الولد له، ولأن ماء الزنا هدر فحتى لو ثبت بالقيافة نسب الولد للزاني فلن ينسبه النبي له عقوبة له كما فعل في حديث هلال ابن أمية وحديث عويمر العجلاني، فبعد اللعان وإجراء القيافة التي أثبتت نسب الولد للزاني إلا أن النبي لم ينسبه شرعا للزاني وامر بحسن معاملته. وطالما الولد لا يُنسب للزاني فما الداعي لنزع نسبه من صاحب فراش يصر على نسبه له؟!، فكان قول النبي (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، قالها النبي في نسب أولاد الجاهلية في رواية عبد الرزاق (لما حج رسول الله، قال له العباس: إن فلانا ابني ونحن مقسمون عليه، فقال النبي: لا، الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وهو نفس الحكم الذي حكم به في حديث أمنا عائشة عن ابن وليدة زمعة (كان عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال: ابن أخي، قد كان عهد إلى فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان عهد إلى فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ثم قال صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". ثم قال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله تعالى) متفق عليه.
وقد أشكل هذا الحديث على الكثير، لأن النبي أمر سودة بالإحتجاب من ابن وليدة زمعة، مع انه ألحقه بأبيها زمعة فهو أخوها، فكيف يكون أخاها وتؤمر بالاحتجاب منه؟. وهذا الإشكال يزول إذا أدركنا أن النبي نفذ الحكم العام في أبناء زنا الجاهلية، فلا نسب للزاني لأن ماءه هدر، ومع ذلك لم يمنعه هذا الحكم العام من تقديم القيافة والصفات الوراثية على حديث الولد للفراش حين تعلق الأمر بنسب هذا الولد لزوجته، فمحال أن يخدع النبي نفسه وقد رأى قوة الشبه بين الولد وبين عتبة فقال لسودة (احتجبي منه)، فهو يقيناً ليس بأخيها، وهذه ليست المرة الأولى التي يحكم فيها النبي بالقيافة والصفات الوراثية، ففي حديثة تميمة أثبت النسب، وفي حديث ابن وليدة زمعة نفى النسب، والنبي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وينبغي أن أذكر هنا أن النبي مارس القيافة بعلم تام بكيفية توارث الصفات الوراثية من الآباء للأبناء، فأرجو الإطلاع على بحث كيف استخدم النبي القيافة بعلم؟(3).
■ الخاتمة
مما سبق يتبين لنا بجلاء أن حديث (الولد للفراش)، ليس مُقيداً فقط بإمكان الزمان والمكان والقدرة، وإنما أيضاً مُقيد بإمكان الصفات الوراثية، وهي قرينة علمية قوية قدمها رسول الله وقدمها أصحابه على حديث (الولد للفراش) عند النزاع على نسب الولد. ويتبين لنا ايضاً ان المسلم لو اشتكى نسب ولده لولي الأمر، فينبغي على ولي الأمر أن يقتدي بهدي الرسول والصحابة، فلا يُقال عندها (الولد للفراش)، ولكن يكون الرد بالقرينة العلمية سواء للإثبات أو النفي، وذلك لنزع الشك من النفوس، لأن الشك لو تمكن من نفس الزوج لربما قتل زوجته وولدها. وإذا كان هذا هو هدي الرسول والصحابة، فينبغي على فقهاء زماننا ان يفعلوا نفس الشيء فيقدموا القرينة العلمية ومنها القيافة على حديث (الولد للفراش)، وان يعيدوا النظر في استخدام البصمة الوراثية كبديل للقيافة لكونها أقوى في الحُجة من الناحية العلمية، وسواء استخدموا القيافة أو البصمة الوراثية فقد استجابوا لقول الله (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، والله تعالى اعلى واعلم.
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطا أو سهو أو نسيان فمني وحدي والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية الطب، جامعة المنصورة، مصر
■ المراجع: في التعليقات
قد يظن البعض أن حديث (الولد للفراش)، مُطلق (غير مقيد)، وبالتالي فكل مولود على فراش الزوج يُنسب له ولو لم يكن من صلبه، وهذا الظن غير صحيح، ومخالف لمنطق العقل، ومخالف لقول جمهور أهل العلم الذين قيدوا فهم الحديث بشرط الإمكان (القرينة العلمية) فقالوا (من ولدت زوجته من أمكن أنه منه لحقه نسبه (1، 2). وهذا الإمكان الذي اشترطه العلماء يخص الزمان والمكان والقدرة، كما هو مبين في الأمثلة التالية:
1. إذا أنجبت المرأة لأقل من ستة اشهر من تاريخ الزواج فهو ولد زنى.
2. إذا أنجبت الزوجة وزوجها مسافر سفر طويل وثبت استبراء رحمها منه بالحيض، فلو حملت فهو ولد زنا.
3. إذا حملت الزوجة وزوجها ممتنع عن جماعها وثبت استبراء رحمها منه بالحيض، فحملها من زنا.
4. إذا كان الزوج لا يقدر على الإنجاب لعلة طبية مؤكدة كأن يكون خصي، أو عنده ضمور في الخصية، او لا يوجد حيوانات منوية في منيه، فلو حملت زوجته فهو ولد زنا.
■ مما سبق يمكن إعادة صياغة شرط الإمكان لفهم كيفية تقييد حديث (الولد للفراش)، بالعبارة التالية؛
لا يُمكن أن يُنسب الولد للفراش حال وجود قرينة علمية تُثبت استحالة أن يكون الولد من صُلب صاحب الفراش، اي أن القرينة العلمية شرعاً تُثبت او تنفي الزنا، وتنفي النسب أو تثبته، ولا يقال في وجود القرينة العلمية الولد للفراش، فإذا لم توجد قرينة علمية، أو تمسك صاحب الفراش بنسب الولد ورفض طلب الزاني بالتنازل عنه، فحينها فقط يقال (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وحين نفهم شرط الإمكان بأنه القرينة العلمية، وأنه مُقدم على حديث (الولد للفراش)، فلابد من طرح الأسئلة التالية:
1. هل الصفات الوراثية للمولود تدخل في شرط الإمكان؟، أي تصلح كقرينة علمية تُثبت او تنفي الزنا والنسب؟، وهل قدمها النبي على حديث (الولد للفراش)؟
2. هل قدم الصحابة شرط الإمكان على حديث (الولد للفراش)؟
3. هل قصد النبي بحديث (الولد للفراش) التعميم؟ أم قصد حالات خاصة في قضايا النسب لا يتوفر فيها شرط الإمكان (القرينة العلمية)؟.
■ هل الصفات الوراثية للمولود تُعد شرطاً للإمكان؟ وهل قدمها النبي على حديث (الولد للفراش)؟
نعم الصفات الوراثية للمولود تُعد في الإسلام شرطاً للإمكان، وهي قرينة علمية قوية استعملها رسول الله في اثبات ونفي الزنا، وفي اثبات ونفي النسب، من خلال استعمال علم القيافة (مقارنة الصفات الشكلية)، وإليكم الأدلة؛
1. النبي سبق القضاء في إثبات النسب بالصفات الوراثية في قضية تميمة بنت وهب.
في البخاري عن أمنا عائشة أن تميمة طلقها زوجها رفاعة ثلاث طلقات، فتزوجت عبدالرحمن ابن الزبير، وكانت مُحبة لطليقها، كارهة لعبدالرحمن، فلم تمكنه من نفسها، وكانت تريد الطلاق والعودة لرفاعة، فجاءت تشتكي لأمنا عائشة أنه يضربها ولا يقدر على الجماع، فتأثرت ونقلت شكواها لرسول الله، فلما عرف عبدالرحمن #أخذ #ولديه #من #زوجة #سابقة وحضر لرسول الله، وحضرت تميمة. فلما سأله رسول الله (بنوك هؤلاء؟)، فقال نعم. فقدم الزوج قرينتان على أنه مستطيع للجماع، الأولى قرينة الفراش، فله أولاد من زوجة غيرها، والثانية الإقرار بأنهما ولديه. وهنا يُفترض أن يحكم الرسول بكذب تميمة وصدق زوجها، ولكن وراد أن زوجته الأولى خانت فراشه، وأدخلت على نسبه من ليس من صلبه؟، وهذا لا يخفى على قاضٍ بمكانة رسول الله، فلجأ للقرينة الأقوى من الفراش وهي القيافة، فقال لتميمة (هذا الذي تَزْعُمِينَ ما تَزْعُمِينَ؟! فَوَاللَّهِ لهمْا أشْبَهُ به مِنَ الغُرَابِ بالغُرَابِ). أي هَذا الَّذي تَزعُمينَ عَدَمِ قدرتِه على الجِماعِ، أولاده أَشْبَهُ بِه مِن شبه الغُرابِ بالغُرابِ،وحكم لعبدالرحمن باستمرار الزواج ورفض الخلع.
فاستدَلَّ الرسول على كذب تميمة بالقيافة (شبه الصفات الوراثية) ولم يقل لها عنده أولاد من فراش سابق، فقدم الصفات الوراثية على الفراش، بما يدل على أن الصفات الوراثية أكثر يقينية من الفراش، ولا حرج على الفقهاء والقضاة في التأسي بفعل النبي.
2. حديث الذي ولدت له امرأته ولد أسود فأنكر نسبه
في الصحيحين أن أعرابياً قال لرسول الله (ولدت غلاماً أسودَ، وإني أنكرته" وهو يعرض بنفيه، فقال النبي: "هل لك من إبل؟" قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟" قال: حُمْر. قال: "هل فيها من أورق؟" قال: إن فيها لورقاً. قال: "فأنى أتاها ذلك؟" قال: عسى أن يكون نزعه عرق! قال: "فلهذا عسى أن يكون نزعه عرق). وفي هذا الحديث ظن الأعرابي أنه أتى بقرينة علمية من خلال القيافة (الصفات الوراثية) تثبت ان زوجته زانية وتنفي نسب الولد عنه، ومع ذلك لم يقل له النبي (الولد للفراش)، ولكن قابل قرينة الصحابي العلمية، بقرينة علمية أقوى تثبت إمكان أن الولد له وأن زوجته ليست بزانية، فاحتج عليه بتوارث الصفات المختلفة من الأجداد عبر عروق النطفة، وهو أمر أثبته العلم الحديث. والحديث لا شك أنه حُجة في أن الصفات الوراثية قرينة يقينية ينبغي أن تُقدم على دليل الفراش عندما يشتكي الزوج نسب ولده.
3. حديث القائف وأقدام أسامة ابن زيد
في الصحيحين من حديث أمنا عائشة (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض). ولو كان الولد للفراش بإطلاق، لما فرح النبي بقول القائف، ولكان زجره عن فعله فيقول له كيف تحاول اثبات نسب الولد بالقيافة رغم أن نسبه ثابت بالفراش؟!، فدل فعل النبي وموافقته على فعل القائف أن الصفات الوراثية قرينة يقينية ينبغي أن تُقدم على دليل الفراش في قضايا النسب. وقد قال ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث في فتح الباري (هذا الحديث فيه الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِف لَا يُعْتَبَر قَوْله).
■ هل قدم الصحابة شرط الإمكان (القرينة العلمية) على حديث (الولد للفراش)؟
الجواب هو نعم، والدليل من حديث المرأة التي وضعت ولد لستة أشهر من زواجها، فرفع زوجها امرها لسيدنا عُثمان، وفي روايات اخرى لسيدنا عُمر (يبدو ان القصة تكررت).
لاحظوا معي ان هذه القصة شبيهة تماما بقصة الصحابي الذي وضعت له امرأته ولد أسود، فحكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالقرينة العلمية ولم يقل الولد للفراش، وكذلك سنرى الآن أن كبار الصحابة قلدوا رسول الله فقدموا الإمكان (القرينة العلمية) على حديث الولد للفراش.
في هذه القصة جاء الزوج بقرينة علمية فقد ولدت بعد زواجها بستة أشهر، وهو أمر غير معتاد عند العرب، وهذا يعني أنها زنت وحملت قبل زواجها به، وهذه القرينة العلمية كانت مُقنعة لسيدنا عُثمان (او سيدنا عُمر)، فقدمها على حديث الولد للفراش، وأمر برجم الزوجة. ولكن بعض الصحابة لم يرض بهذا الحكم، وقالوا المراة ليست زانية، وأسسوا دفاعهم على القرينة العلمية وليس على حديث (الولد للفراش)، فقال سيدنا ابن عباس (او سيدنا علي في رواية مالك)، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، وقال والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها ". وفي فعل الصحابة أكبر دليل على وجوب تقديم القرائن العلمية على حديث الولد للفراش، وأنهم مقلدون لفعل رسول الله، ويجب علينا أن نحذو حذوهم.
■ هل قصد النبي بحديث (الولد للفراش) التعميم؟ أم قصد حالات خاصة في قضايا النسب لا يتوفر فيها شرط الإمكان (القرينة العلمية)؟.
مما سبق من أدلة يتبين لنا الرسول والصحابة قدموا شرط الإمكان العلمي على (الولد للفراش)، عند التعامل مع قضايا النسب، ولنا أن نسأل، لماذا قال النبي حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر)؟
فأقول وبالله التوفيق هذا الحديث ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا خاصة حدث فيها نزاع بين صاحب الفراش والزاني على نسب الولد، ويصر صاحب الفراش على نسب الولد له، ولأن ماء الزنا هدر فحتى لو ثبت بالقيافة نسب الولد للزاني فلن ينسبه النبي له عقوبة له كما فعل في حديث هلال ابن أمية وحديث عويمر العجلاني، فبعد اللعان وإجراء القيافة التي أثبتت نسب الولد للزاني إلا أن النبي لم ينسبه شرعا للزاني وامر بحسن معاملته. وطالما الولد لا يُنسب للزاني فما الداعي لنزع نسبه من صاحب فراش يصر على نسبه له؟!، فكان قول النبي (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، قالها النبي في نسب أولاد الجاهلية في رواية عبد الرزاق (لما حج رسول الله، قال له العباس: إن فلانا ابني ونحن مقسمون عليه، فقال النبي: لا، الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وهو نفس الحكم الذي حكم به في حديث أمنا عائشة عن ابن وليدة زمعة (كان عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال: ابن أخي، قد كان عهد إلى فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان عهد إلى فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ثم قال صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". ثم قال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله تعالى) متفق عليه.
وقد أشكل هذا الحديث على الكثير، لأن النبي أمر سودة بالإحتجاب من ابن وليدة زمعة، مع انه ألحقه بأبيها زمعة فهو أخوها، فكيف يكون أخاها وتؤمر بالاحتجاب منه؟. وهذا الإشكال يزول إذا أدركنا أن النبي نفذ الحكم العام في أبناء زنا الجاهلية، فلا نسب للزاني لأن ماءه هدر، ومع ذلك لم يمنعه هذا الحكم العام من تقديم القيافة والصفات الوراثية على حديث الولد للفراش حين تعلق الأمر بنسب هذا الولد لزوجته، فمحال أن يخدع النبي نفسه وقد رأى قوة الشبه بين الولد وبين عتبة فقال لسودة (احتجبي منه)، فهو يقيناً ليس بأخيها، وهذه ليست المرة الأولى التي يحكم فيها النبي بالقيافة والصفات الوراثية، ففي حديثة تميمة أثبت النسب، وفي حديث ابن وليدة زمعة نفى النسب، والنبي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وينبغي أن أذكر هنا أن النبي مارس القيافة بعلم تام بكيفية توارث الصفات الوراثية من الآباء للأبناء، فأرجو الإطلاع على بحث كيف استخدم النبي القيافة بعلم؟(3).
■ الخاتمة
مما سبق يتبين لنا بجلاء أن حديث (الولد للفراش)، ليس مُقيداً فقط بإمكان الزمان والمكان والقدرة، وإنما أيضاً مُقيد بإمكان الصفات الوراثية، وهي قرينة علمية قوية قدمها رسول الله وقدمها أصحابه على حديث (الولد للفراش) عند النزاع على نسب الولد. ويتبين لنا ايضاً ان المسلم لو اشتكى نسب ولده لولي الأمر، فينبغي على ولي الأمر أن يقتدي بهدي الرسول والصحابة، فلا يُقال عندها (الولد للفراش)، ولكن يكون الرد بالقرينة العلمية سواء للإثبات أو النفي، وذلك لنزع الشك من النفوس، لأن الشك لو تمكن من نفس الزوج لربما قتل زوجته وولدها. وإذا كان هذا هو هدي الرسول والصحابة، فينبغي على فقهاء زماننا ان يفعلوا نفس الشيء فيقدموا القرينة العلمية ومنها القيافة على حديث (الولد للفراش)، وان يعيدوا النظر في استخدام البصمة الوراثية كبديل للقيافة لكونها أقوى في الحُجة من الناحية العلمية، وسواء استخدموا القيافة أو البصمة الوراثية فقد استجابوا لقول الله (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، والله تعالى اعلى واعلم.
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطا أو سهو أو نسيان فمني وحدي والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية الطب، جامعة المنصورة، مصر
■ المراجع: في التعليقات