أهمية أعمال القلوب ...

السليماني

Well-known member
إنضم
18/07/2020
المشاركات
392
مستوى التفاعل
47
النقاط
28
الإقامة
السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أعمال القلوب


قد يَغفُل كثيرٌ من النَّاس عن الاعتِناء بأعمال القلوب، مع أنَّ ذلك من جملة الإيمان، بل إنَّ ذلك من أوَّل ما يَدخل في الإيمان، قال ابن تيمية: "ولا بدَّ أن يَدخل في قوله: اعتِقاد القلب أعمالُ القلب المقارنة لتصديقِه؛ مثل حبِّ الله، وخشية الله، والتوكُّلِ على الله ونحو ذلك، فإنَّ دخول أعمال القلْب في الإيمان أوْلى من دخول أعمال الجوارح باتِّفاق الطَّوائف كلها"[1].



عمل القلب أهم من عمل الجوارح:

وعمَل القلب أشدُّ وجوبًا من عمَل الجوارح؛ ولذا قال ابن القيِّم موضحًا ذلك: "ومن تأمَّل الشريعةَ في مصادرها وموارِدها علِم ارتباطَ أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنَّها لا تَنفع بدونها، وأنَّ أعمال القلوب أفْرَضُ على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميَّز المؤمن عن المنافق إلَّا بما في قلب كلِّ واحدٍ منهما من الأعمال التي ميزَت بينهما، وهل يمكن أحدٌ الدُّخولَ في الإسلام إلَّا بعمل قلبه قبل جوارحه، وعبوديَّةُ القلب أعظَمُ من عبوديَّة الجوارح، وأكثر وأدوم؛ فهي واجِبةٌ في كلِّ وقت"[2].



وقال: "وعمل القلب؛ كالمحبَّة له والتوكُّل عليه، والإنابةِ إليه والخوفِ منه، والرَّجاءِ له وإخلاص الدِّين له، والصَّبرِ على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره، والرِّضى به وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذلِّ له والخضوع، والإخباتِ إليه والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرْضها أفرْضُ من أعمال الجوارح، ومستَحَبُّها أحبُّ إلى الله من مستحَبِّها، وعمَل الجوارح بدونها إمَّا عديم المنفعة أو قليل المنفعة"[3].



ولذا كان عمَل القلب أعظَمَ خطرًا من عمَل الجوارح، وأشدَّ أمرًا؛ فمَن أتى بعمَل الجوارح غافلًا عن عمَل القلب كان ضالًّا أو مقصِّرًا بحسب نوع ترْكه لعمل القلب، قال ابن القيم: "إنَّ لله على العبد عبوديتَين؛ عبوديةً باطِنة وعبوديَّة ظاهرة، فله على قلبه عبوديَّة، وعلى لسانه وجوارحِه عبودية؛ فقيامُه بصورة العبوديَّة الظَّاهرة مع تعرِّيه عن حقيقة العبوديَّة الباطِنة ممَّا لا يقرِّبه إلى ربِّه ولا يوجِب له الثَّواب وقبول عمله؛ فإنَّ المقصود امتِحانُ القلوب وابتلاء السَّرائر، فعمل القلب هو رُوح العبوديَّة ولبُّها، فإذا خَلا عمَل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا رُوح"[4].



وإنَّما كان لعمل القلب هذه الأهميَّة الكبيرة؛ لأنَّه سائقُ النَّفس وقائدُها؛ ولذا "إذا قام بالقلب التصديق بـ (الله) والمحبَّةُ له لزم ضرورةً أن يتحرَّك البدَنُ بموجب ذلك من الأقوال الظَّاهرة والأعمالِ الظَّاهرة، فما يَظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجِب ما في القلب ولازمه، ودليلُه ومَعلوله، كما أنَّ ما يقوم بالبدَن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب؛ فكلٌّ منهما يؤثِّر في الآخَر، لكنَّ القلبَ هو الأصلُ والبدنَ فرعٌ له، والفرع يستمدُّ من أصله، والأصل يَثبُت ويقوى بفرعه؛ كما في الشَّجرة التي ضُرب بها المثَلُ لكلمة الإيمان قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ [إبراهيم: 24، 25]، وهي كلمةُ التوحيد، والشجَرةُ كلَّما قويَ أصلُها وعرق وروي قويَت فروعُها، وفروعها أيضًا إذا اغتذَت بالمطَر والرِّيح أثَّر ذلك في أصلها، وكذلك الإيمان في القلب والإسلام علانية، ولمَّا كانت الأقوال والأعمال الظَّاهرة لازمةً ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطِنة كان يستدلُّ بها عليها"[5].



ارتباط عمَل القلب بعمل الجوارح:

غير أنَّ ما ذُكر من العناية بعمَل القلب ليس مَعناه الاقتِصار عليه دون عمَل الجوارح؛ إذ بين عمَل القلب وعمَل الجوارح تلازُمٌ ضروري، قال ابن تيمية: "وكذلك أعمال القلب لا بدَّ أن تؤثِّر في عمل الجسَدِ، وإذا كان المقدَّم هو الأوجب، سواء سمِّي باطنًا أو ظاهرًا، فقد يكون ما يسمَّى باطنًا أوجَب؛ مثل ترْك الحسَد والكِبر، فإنَّه أوجب عليه من نوافِل الصِّيام، وقد يكون ما يسمَّى ظاهرًا أفضل؛ مثل قيام الليل، فإنَّه أفضَل من مجرَّد ترْك بعض الخواطِر التي تَخطر في القلب من جِنس الغِبطة ونحوها، وكلُّ واحد من عمَل الباطِنِ والظَّاهر يُعين الآخَر"[6].



وقال: "إنَّ الصِّراط المستقيم هو أمورٌ باطِنة في القلب؛ من اعتقاداتٍ وإرادات وغيرِ ذلك، وأمورٌ ظاهرة؛ من أقوالٍ وأفعال قد تكون عبادات وقد تكون أيضًا عادات؛ في الطَّعام واللِّباس، والنِّكاحِ والمسكن، والاجتِماعِ والافتراق، والسَّفرِ والإقامة والركوبِ، وغير ذلك، وهذه الأمورُ الباطِنة والظَّاهرة بينهما - ولا بد - ارتِباطٌ ومُناسبة؛ فإنَّ ما يقوم بالقلب من الشُّعور والحال يوجِب أمورًا ظاهرة، وما يَقوم بالظَّاهر من سائر الأعمال يوجِب للقلب شعورًا وأحوالًا"[7].



وقال ابن القيم: "فكلُّ إسلامٍ ظاهِر لا يَنفُذ صاحبُه منه إلى حقيقة الإيمانِ الباطِنة فليس بنافِعٍ حتى يكون معه شيءٌ من الإيمان الباطِن، وكلُّ حقيقةٍ باطنة لا يقوم صاحبُها بشرائع الإسلام الظَّاهرةِ لا تَنفع ولو كانت ما كانت؛ فلو تمزَّق القلب بالمحبَّة والخوفِ، ولم يتعبَّد بالأمر وظاهِرِ الشَّرع لم ينجِه ذلك من النَّار، كمان أنَّه لو قام بظَواهر الإسلامِ وليس في باطِنه حقيقةُ الإيمان لم يُنجِه من النار"[8].



وهذا التلازُمُ بين الظَّاهِر والباطِن يبيِّن لك أنَّ نقص أحدهما مؤثِّر على نقْص الآخَر؛ فالنَّقصُ في الأعمال الظَّاهرة إنما هو لِنقص ما في القلب من الإيمان، كما أنَّ التفريط في الأعمال الظَّاهرة مؤثِّر على نقص الإيمان القَلبي، وكمالُ الإيمان الواجِب الذي في القلب لا يُمكن مع انعِدامِ الأعمال الظَّاهرة الواجبة، بل يَلزم من وجود هذا كاملًا وجودُ هذا كاملًا، كما يَلزم من نقْص هذا نقصُ هذا[9].




أقسام السائرين إلى الله في أعمال القلوب:

والسَّائرون إلى الله في أعمال القلوب أقسام:

الأول: قسم اعتنَوا بالأعمال الظَّاهرة وجعلوها دأبَهم من غير حِرص منهم على تَحقيق أعمال القلوب ومنازلِها وأحكامِها، وإن لم يكونوا خالين من أصلها، ولكنَّ هِمَمَهم مَصروفة إلى الاستِكثار من الأعمال الظَّاهرة.



فترى أحدَهم يقيم الصَّلاةَ غير أنَّه لا يَعتني بخُشوعها وإظهارِ الذلِّ والاستِكانة فيها، ويَعتني بعدَم سَماع المحرَّم من غيبةٍ أو نميمة غير أنَّ قلبه مَخمور بالحِقد والكِبْرِ والعُجب.



وهذا حال كثيرٍ من النَّاس، بل وقد يَنتسب أحدهم إلى العلم ويَعتني بالأعمال الظَّاهرة، وقلبه مبتلًى وهو لا يَنتبه لذلك ولا يعقله.



الثاني: قسم صرَفوا اهتمامَهم بصَلاح قلوبهم وعُكوفِها على الله وحده وحفظِ الخواطِر، واعتنَوا بأعمال القلوب؛ من تَصحيح المحبَّةِ، والخوف والرَّجاء، والتوكُّلِ والإنابة، غير أنَّهم ترَكوا بعضَ ما يحبُّه الله من الأعمال الظَّاهرة؛ كالدَّعوة إلى الله، وتعليمِ النَّاس الخير، ونحوِ ذلك.



فالأوَّلون قصَّروا؛ حيث أَهملوا أعمالَ القلوب ولم يَلتفتوا إليها وعدوها فضلًا أو فضولًا، والآخرون قصَّروا؛ حيث قصَروا نظرَهم وعملَهم عليها، ولم يلتفِتوا إلى كثيرٍ من أعمال الجوارح.



وقسمٌ توسَّطوا؛ فاعتنَوا بأعمال القُلوب كما اعتنَوا أيضًا بالأعمال الظَّاهرة، غير أنَّ لعمل القلب عندهم فضلًا.



فهؤلاء هم الذين وفَّقهم اللهُ؛ فجمعوا بين عبوديَّةِ الظَّاهر وعبوديَّةِ الباطِن، وهذا طريق السَّابقين العارفين[10].




الأسماء والصفات وأثرها في الترابط بين عمل القلب وعمل الجوارح:

وباب الأسماء والصِّفات ممَّا يَظهر فيه التلازُمُ بين عمَل القلب وعملِ الجوارح؛ فالتأمُّل فيها والتعبُّد بمقتضاها يَبعث على الرَّبط بين العَملين؛ فالتعبُّد باسم الله العليم يَبعث على التَّقوى وحِفظِ الجوارِحِ، كما يَبعث على حِفظ القلب والخواطِر، وكذلك بقيَّة الأسماء؛ فإنَّها تَبعث على التوكُّل والإنابَةِ والمحبَّةِ، والخوفِ والرَّجاء، وما يترتَّب على ذلك من أعمال الجوارح؛ من فِعل ما يحبُّه اللهُ والمسابقة إلى فعله، وترْكِ ما يبغضه الله والبعد عنه.



قال العز بن عبدالسَّلام: "المعارف كُوًى يَنظر منها بالبصائرِ إلى عالَم الضَّمائر، فتُشاهد القلوبُ ذاتَه وصِفاته، فتعاملُه بما يَليق بجلاله وجمالِه، ثمَّ تأمر الأعضاءَ والجوارِحَ بأن تُعامله بما يليق بعظَمَته وكمالِه"[11].



وممَّا سبَق يتبيَّن مكانة هذا الموضوع من تَزكية النَّفس وعبوديَّةِ القلب، وأنَّه من الوسائل الأوليَّة في هذا الباب والتي قد يغفلها كثيرٌ من النَّاس؛ ولذا كان هذا الطَّرْح لهذا الموضوع تَذكيرًا بأهميَّته ودخولِه في باب التزكية والتنقيةِ.



وهذان الأمران وإن كانا ممَّا يوضِّح أهميَّة الموضوع غير أنِّي قدَّمتُهما على بيان أهميَّة الموضوع لضرورة التَّنبيهِ عليهما على جِهة الخصوص.


[1] مجموع الفتاوى (7 / 506).

[2] "بدائع الفوائد" (3 / 193)، وانظر التحفة العراقية ضمن مجموع الفتاوى (10 / 6).

[3] "مدارج السالكين" (1 / 114)، وانظر: "تجريد التوحيد المفيد"؛ للمقريزي (117).

[4] "بدائع الفوائد" (3 / 192).

[5] مجموع الفتاوى (7 / 541، 542) وما بين المعكوفين زيادة منِّي، وانظر الفوائد (203).

[6] مجموع الفتاوى (11 / 381، 382)، وانظر مجموع الفتاوى (26 / 25).

[7] اقتضاء الصراط المستقيم (1 / 80).

[8] الفوائد (179، 180).

[9] انظر: مجموع الفتاوى (7 / 582).

[10] الفوائد (180).

[11] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال (17)، والكُوى: جمع كوَّة، وهي الخَرْق في الحائط؛ انظر: القاموس المحيط (1713).


https://www.alukah.net/sharia/0/101997/أعمال-القلوب/
 
امراض القلوب وعلاجها ...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

إن الناظر في حال مجتمعنا اليوم يجد أمرًا عجيبًا من انتشار كثير من المفاسد كالخيانة، والبغضاء، والحسد، والبغي، وحصول الهجران والقطيعة بين الناس وغير ذلك من الأمراض التي حلت بمجتمعنا، لو سَأَلتَ عن ذلك تجد أن من أعظم أسباب ذلك، فساد القلب، وإذا صلح قلب العبد صَلُحَ سائر الجسد ورُزِقَ صاحبه البشارة بالخير و ذاق حلاوة الإيمان في قلبه.
منزلة القلب ومكانته.

1-ملك الجوارح ومحركها:
فإن استقام قلب العبد استقامت جوارحه وإن اعوج اعوجت، قال ابن القيم: " ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذى تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ))(1). فهو ملكها، وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "لأن كل راع مسؤول عن رعيته" كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون(2). وقال شيخ الإسلام: الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ(3).

2-محِل التقوى:
القلب له منزلة عظمى تفوق سائر أعضاء الجسد، وهو محِل امتحان تقوى العبد كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات: 3]، وكقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((التقوى ها هنا، وأشار بيده إلى صدره، ثلاث مراتٍ))(4).

3- محِل نظر الإله:
كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ))(5).
قال المناوي: "فكم من ظريف اللسان جميل المنظر عظيم الشأن هالك غدا في القيامة لسوء عمله وكآبة منقلبه وقبح سيرته وسوء سريرته، فالقلب هو محل نظر الحق فلا عبرة بحسن الظاهر وزخرف اللسان مع خبث الجنان"(6).

4-تتفاوت الدرجات بتفاوت ما في القلوب:
قال ابن القيم: "إِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"(7).
ومع عِظم منزلة القلب إلا أنه سريع التقلب من حال إلى حال، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ-رضي الله عنه-، قَالَ: مَا آمَنُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ((لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا))(8). ولله در القائل:
مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ فَاحْذَرْ عَلَى القلب من قلبٍ وتحويل
وقال بعض السلف: مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن. ويكفى في هذا قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]، فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له فى كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أُخرى عليه. وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاءُ لا إِلَهَ إلا هو(9). نسأل الله السلامة.
ro16.gif

أسباب فساد القلب:

إن الاهتمام بصلاح القلوب، والبحث عن أسباب فسادها أمرٌ في غاية الأهمية، فصلاح القلب يترتب عليه صلاح الأعمال والسلوكيات، وهناك كثير من الأسباب وراء فساد القلب وقسوته وغلظته منها:

1-الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن، والتأمل في آياته الكونية:
"لقد أخبر ربنا تبارك وتعالى أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب، كما قال سبحانه: {إِنّ في ذلِكَ لَذِكرَى لمنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]. وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لما يُحيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي بما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان.
وقال ابن القيم: " فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً"(10). وقد توعد الله أصحاب هذه القلوب وعيداً شديداً فقال{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22].

2-البعد عن الحق بعد معرفته:
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، وقال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف: 5]
أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان(11). فعاقبهم سُبْحَانَهُ بإزاغة قُلُوبهم عَن الْحق لما زاغوا عَنهُ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا قيل من عرض عَلَيْهِ حق فَرده فَلم يقبله عُوقِبَ بِفساد قلبه وعقله ورأيه(12).

3-كثرة الذنوب والمعاصي:
ومن أدمن الذنوب واستسهلها بلغ به الحال كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله((وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا))(13). فهذا يموت قلبه، ويَتَلَبَّد إحساسه، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا(14).
قال المحاسبي: "اعلم أنَّ الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار"(15).
وقال عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذُّل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
ومن أعظم الذنوب إفسادًا للقلب النظر لما حرم الله، فالْبَصَرُ هُوَ الْبَابُ الْأَكْبَرُ إِلَى الْقَلْبِ، وَأَعْمَرُ طُرُقِ الْحَوَاسِّ إِلَيْهِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ. وَوَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ، وَغَضُّهُ وَاجِبٌ عَنْ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَكُلِّ مَا يُخْشَى الْفِتْنَةُ مِنْ أَجْلِهِ(16).

(4-الانشغال بالدنيا والانهماك في طلبها والمنافسة عليها:
قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: 37 - 39].
قال ابن القيم: "متى رأيت القلب قد ترَحَّلَ عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حبُ المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فالعلم أنه قد خُسَفَ به. ومتى أَقحَطَت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب وأبعد القلوب من الله القلب القاسي"(17).

5-كثرة الأماني وطول الأمل:
قال تعالى: { وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14]
قال قتادة: "في قوله تعالى: (وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ)، أي: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. وقوله: (وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) يقول: وخدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته، والسلامة من عذابه"(18).
وفي الحديث: " لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ"(19).
قال المناوي: "طول الأمل غرور وخداع إذ لا ساعة من ساعات العمر إلا ويمكن فيها انقضاء الأجل فلا معنى لطول الأمل المورث قسوة القلب وتسليط الشيطان وربما جر إلى الطغيان"(20).

6-كثرة الجدال والتعصب للرأي واتباع الهوى:
قال الله تعالى محذرًا نبيه-صلى الله عليه وسلم- وأمته: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28]، وقال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]
وقال الشافعي: " الْمِرَآءُ فِي الْعِلْمِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُوَرِّثُ الضَّغَائِنَ "(21).

7-التوسع المذموم في المباحات:
كالأكل والشرب والنوم والكلام، فإذا تجاوزت حاجة المرء كان لها تأثيرًا سلبيًا على قلبه، وقد نهى ربنا تبارك وتعالى عن التفريط في المباحات والإسراف فيها فقال سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، قال الغزالي: "في كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب"(22). وقال ابن القيم: "من مفسدات القلب كَثْرَةُ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيُثَقِّلُ الْبَدَنَ، وَيُضِيعُ الْوَقْتَ، وَيُورِثُ كَثْرَةَ الْغَفْلَةِ وَالْكَسَلِ، وَمِنْهُ الْمَكْرُوهُ جِدًّا، وَمِنْهُ الضَّارُّ غَيْرُ النَّافِعِ لِلْبَدَنِ، وَأَنْفَعُ النَّوْمِ مَا كَانَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَّةِ"(23).
وقال أبو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ: "إِنَّ النَّفْسَ إِذَا جَاعَتْ وَعَطَشَتْ صَفَا الْقَلْبُ وَرَقَّ، وَإِذَا شَبِعَتْ وَرَوِيَتْ عَمِّي الْقَلْبُ وَبَادَ". وَالشِّبَعُ الْمُفْرِطُ يُثْقِلُ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَمَنْ أَكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنَامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا(24).

8-كثرة مخالطة الناس في غير مصلحة:
لا شك أن المرء يأخذ من سلوكيات من حوله من الناس ويتأثر بهم، فإن كانوا صالحين أخذ من صلاحهم وإن كانوا غير ذلك تأثر بهم إلا من عصمه الله تعالى، وقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))(25)، فإن اتخذ صالحاً خليلاً يكون هو صالحاً، وإن اتخذ فاسقاً يكون هو فاسقاً. ولله در القائل:
ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى حليماً حين آخاه
وللشيء من الشيء مقاييس وأشباه
يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه
وللقلب على القلب دليلٌ حين يلقاه(26).
قال الغزالي: "الطِّبَاعُ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بَلِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ فَمُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا تُحَرِّكُ الْحِرْصَ وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا"(27).


ro16.gif

علاج مرض القلب:

لا يمكن أن يستقيم قلب العبد على الإيمان حتى يكون سليمًا من الشبهات والشهوات، لأن سلامة القلب وخلوصه سبب في سعادة الدنيا والآخرة، } يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{ [الشعراء: 88-89]. بل إن سليم القلب أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه أفضل الناس، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو-رضي الله عنه-، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ"(28).

ro16.gif

ومن الأمور التي تعين على صلاح القلب:

1-قراءة القرآن وتدبره والتفكر فيه:
وقد أمر الله عز وجل الناس بعبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولا يحدث ذلك إلا بتدبر آياته كما أمر بذلك سبحانه في كتابه فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال سبحانه: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } [المؤمنون: 68]، ولا ريب أن تدبر القرآن من أنفع العلاج لأمراض القلوب وقد أخبر سبحانه بذلك في قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]
قال السعدي: هذا القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده(29).
وقال إبراهيم الخوَّاص: " دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ، قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُرِ وَخَلاءُ الْبَطْنِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ"(30).

2-ذكر الله تعالى:
فقد أخبر سبحانه أنه لا اطمئنان لقلب المرء إلا بذكره فقال: { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28]. فبذكره سبحانه دون غيره تسكن القلوب أنسا به، واعتمادا عليه(31).
وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله؛ فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } [النساء: 103]، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال(32).
وقال مكحول: "ذكر الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء"(33).

3- الدعاء والتضرع إلى الله:
فالدعاء من أفضل العبادات، والقلوب بيد الله عز وجل يقلبها كيف يشاء، ويصرفها كيف يشاء، فلابد للمرء أن يسأل الله التثبيت لقلبه، وهذا من هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-، حيث يقول: ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))(34). وقال)) اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))(35). فإذا كان هذا هو حال نبينا-صلى الله عليه وسلم- مع عِظَمِ قدره ومنزلته عند ربه، فنحن أولى بذلك اقتداءً به -صلى الله عليه وسلم-. وقد ذكر ربنا تبارك وتعالى من دعاء المؤمنين في قوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: 8].

4- ومن الأمور التي تعين على إصلاح القلب
إخفاء العمل والخلوة المشروعة، فلا بد للعبد أن يكون له مجالس يخلو فيها بذكر ربه، وتعداد ذنوبه ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وطلب المغفرة من ربه. قال شيخ الإسلام: "وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ أَوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ"(36). وقال أبو الدَّرْدَاءِ-رضي الله عنه-: "نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ، يَحْفَظُ فِيهَا لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ"(37).

5- اعتزال أماكن الفتن والشهوات، فهي تدمر القلب تدميرًا:
وقد حذَّرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمتَه الفتن فقال: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا))(38).
قال النووي: "معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر"(39).

6- تعظيم شعائر الله تعالى:
قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]
فَالْمَقْصُودُ تَقْوَى الْقُلُوبِ لِلَّهِ وَهُوَ عِبَادَتُهَا لَهُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ. بِغَايَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالْعُبُودِيَّةُ فِيهَا غَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَغَايَةُ الذُّلِّ وَالْإِخْلَاصِ وَهَذِهِ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ عِبَادَةَ الْقُلُوبِ هِيَ الْأَصْلُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: {إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}(40).
يريد المرء أن تؤتى مُنَاه. . . ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المرء فائدتي ومالي. . . وتقوى الله أفضل ما استفاد.

--------------------
(1) أخرجه البخاري(52)، ومسلم(107)، من حديث النعمان بن بشير-رضي الله عنه-.
(2) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 5).
(3) مجموع الفتاوى (7/ 187).
(4) مسلم (2564)
(5) أخرجه مسلم(34)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-.
(6) فيض القدير (5/ 50).
(7) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 340).
(8) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة(226)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5147).
(9) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: 283).
(10) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 40)، لابن القيم.
(11) تفسير ابن كثير (8/ 109).
(12) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/ 99).
(13) أخرجه البخاري (6308)، من حديث عبد الله بن مسعود.
(14) وانظر كتاب ذنوب الخلوات أصل الانتكاسات، لمصطفى دياب ص59.
(15) رسالة المسترشدين (ص: 154)، للحارث المحاسبي.
(16) تفسير القرطبي (12/ 223).
(17) بدائع الفوائد (3/ 224)، لابن القيم.
(18) تفسير الطبري(23/ 185).
(19) أخرجه البخاري (6420).
(20) فيض القدير (5/ 417).
(21) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 354).
(22) إحياء علوم الدين (3/ 86).
(23) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 456).
(24) انظر الجوع لابن أبي الدنيا (ص: 188)، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 456).
(25) أخرجه أحمد (8398)، وحسنه الألباني في المشكاة(5019). من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-.
(26) ديوان علي بن أبي طالب (ص: 174).
(27) إحياء علوم الدين (2/ 173).
(28) أخرجه ابن ماجه (4216)، وقال الألباني في الصحيحة(948): إسناده صحيح رجاله ثقات.
(29) تفسير السعدي (ص: 367).
(30) ذم الهوى (ص: 70)، لابن الجوزي.
(31) محاسن التأويل (6/ 282).
(32) تفسير ابن كثير (6/ 433).
(33) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 71)، لابن القيم.
(34) أخرجه الترمذي(2140)، من حديث أنس، وفي بابه أربعة أحاديث عن النواس ، وأم سلمة ، وابن عمرو ، وعائشة وصححه الألباني في المشكاة(102).
(35) أخرجه مسلم(17)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-.
(36) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 163).
(37) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (35738).
(38) أخرجه مسلم(228).
(39) شرح النووي على مسلم (2/ 133).
(40) مجموع الفتاوى (17/ 485).

زاد الواعظين

منقول
 
أعمال القلوب واثرها في حياة المؤمن والمربي .. (1) أهميتها للمؤمنين

لقد خلق الله جل وعلا الخلق لغاية عظمى هي تحقيق العبادة له وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.

وقد عرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى العبادة بتعريف جامع؛ فيقول: [العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين... وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له...](1 ).

فهذا التعريف الجامع بيَّن لنا أن العبادة تنقسم إلى قسمين: 1- أقوال وأعمال ظاهرة، وهي العبادات البدنية. 2- أقوال وأعمال باطنة وهي العبادات القلبية.

فكل عبادة من العبادات لها ظاهر وباطن؛ فالظاهر قول اللسان وعمل الجوارح، والباطن هو قول القلب وعمل القلب، وكلاهما داخل في مسمى تلك العبادة، كما أنه – أيضاً – سبب في الأجر ، والتقصير بأحدهما تقصيرٌ في العبادة نفسها، كما أن كمال تلك العبادة مرتبط بكمالها ظاهراً وباطناً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [الأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب] (2 ) ، فمثلاً الصلاة لها ظاهر وهي الأركان والواجبات والسنن، ولها باطن وهو الخشوع والإخبات والإخلاص وغيرها.

* العبادات القلبية : هي أعمال القلوب كالمحبة والشوق والخوف والرجاء والإخلاص والصدق والخشوع والخضوع والتضرع والتواضع وغيرها.

أهمية الأعمال القلبية:
يظن فئام من المسلمين أن أعمال القلوب من فضائل الأعمال ومستحباتها، فمن قام بها فله أجر ومثوبة، ومن قصر فيها فلا شيء عليه ، وهذا مما يبين لنا سبب التقصير والخلل عند كثير من الناس في تعلم أعمال القلوب وتكميلها والقيام بها، كما يسعى أحدهم في تعلم وتكميل والقيام بأعمال الجوارح.


يقول ابن القيم رحمه الله تعالى عند بيانه لوجوب أعمال القلوب: [فإن العبد كثيراً ما يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها، فيكون مقصراً في العلم، وكثيراً ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها إما كسلاً أو تهاوناً، وإما لنوع باطل أو تقليداً، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك] ( 3).


ولكي يتبين لنا أهمية أعمال القلوب في حياة المسلم؛ سأذكرها بعون الله في عدة نقاط :
1 – أن أعمال القلوب واجبة على كل مسلم كما تجب عليه أعمال الجوارح، بل إن أعمال القلوب أشد وجوباً من أعمال الجوارح وآكد منها.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: [فواجبات القلوب أشد وجوباً من واجبات الأبدان وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات ، فتراه يتحرَّج من تركِ واجب من واجبات الأبدان، وقد ترك ما هو أهمّ واجبات القلوب وأفْرَضها، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات، وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريماً وأعظم إثماً] (4 ).

2 – إن قيام العبد بأعمال القلوب – بتوفيق الله – سبب للثواب، والتقصير والتفريط فيها قد يكون سبباً للعقاب في الدنيا والآخرة، كما هو الحال في أعمال الجوارح.

أما في الدنيا فالثواب عليها يكون بقبول الطاعات، واستجابة الدعوات، والطمأنينة والفرح في القلب والتوفيق للحق والثبات عليه وغيرها ، وأما العقوبة فقد تكون حسية أو معنوية وذلك بعدم قبول الطاعات، أو حرمان التوفيق لها، والضيق والضنك في القلوب وغيرها.


يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: [وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أنه لا عقوبة، وغلفته عما عوقب به عقوبة. وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة. وربما كان العقاب العاجل معنوياً، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا ربِّ كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قيل له: كم أعاقبك ولا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟](5 ).

وأما في الآخرة فإن الله تعالى يقول: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}، ويقول جل شأنه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}.

3 – إن العبادات القلبية هي الأصل والعبادات البدنية تبع ومكملة لها؛ إذ إن العبادات القلبية روح العبادات البدنية.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبيِّناً أهمية أعمال القلوب في حديثه عن النية وأهميتها: [وإنما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبعٌ ومكملة ومُتممةٌ، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد والأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها](6 ).


4 – تفاضل العباد عند الله تعالى بتفاضل ما في قلوبهم من أعمال القلوب، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وأصل التقوى عمل القلب، قال صلى الله عليه وسلم: "التقوى هاهنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات( 7).


ويقول ابن مسعود رضي الله عنه في وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا...) (8 ).


وقال أبو بكر المزني رحمه الله تعالى: (ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه) (9 ).

وعمر بن الخطاب رغم أن إسلامه كان متأخراً بالنسبة للعشرة المبشرين بالجنة؛ إذ كان إسلامه في السنة السادسة من البعثة إلا أنه تقدم على غيره سوى أبي بكر الصديق، وقد أفاد شيخ الإسلام عن ذلك بقوله: [وكان عمر لكونه أكمل إيماناً وإخلاصاً وصدقاً ومعرفة وفارسة ونوراً أبعد عن هوى النفس وأعلى همة في إقامة دين الله، مقدماً على سائر المسلمين غير أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين]( 10).

5 – تفاضل أعمال العباد عند الله جل وعلا بتفاضل ما في قلوبهم من أعمال القلوب، فقد يعمل الرجلان عملاً واحداً، والفرق بين عمليهما عند الله كما بين السماء والأرض، لتفاضل ما في قلبيهما من أعمال القلوب.


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض] (11 ).


ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: [والله يضاعف ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفع نفقته وقدرها، ووقوعها موقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيث عند النفقة]( 12).


6 – إن القلب وما فيه من أعمال القلوب هو محل نظر الرب تبارك وتعالى، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(13 ).


7 – القلب كالملك، والجوارح كالجنود التابعة له، فبصلاح القلب تصلح الجوارح بالعمل الصالح، وبفساد القلب تفسد الجوارح بالمعاصي ، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"(14 ).


8 – إن لذة العبادة والطمأنينة فيها والأُنس بها، وقرة العين، وراحة النفس وانشراح الصدر لا تكون إلا بتحقيق أعمال القلوب أثناء القيام بتلك العبادة؛ لأن أعمال القلوب هي روح أعمال الجوارح، وبالروح تكون اللذة والطمأنينة والأنس، وإن فارقتها فأعمال الجوارح موات لا روح فيها ولا لذة وطمأنينة ولا أنس.
= يتبع الجزء الثاني إن شاء الله
------------------
(1) مجموع الفتاوى (10/149).
(2) المصدر السابق (11/381).
(3) إغاثة اللهفان (2/924)
(4) إغاثة اللهفان (2/924).
(5) صيد الخاطر ص(84) تحقيق أبي أنس سيد بن رجب.
(6) بدائع الصنائع (3/1140).
(7) رواه مسلم رقم (2564).
(8) شرح العقيدة الطحاوية ص(546)
(9) نفس المصدر
(10) مجموع الفتاوى (10/304).
(11) منهاج السنة (6/221-222).
(12) أعلام الموقعين (1/238).
(13) رواه مسلم رقم (2564).
(14) رواه البخاري رقم (52)، ومسلم رقم (1599).

عبد الله العنزي

منقول من الألوكة
 
من أقوال السلف في أعمال القلوب


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فطوبى لمن طابت قلوبهم بمعرفة الله، ومحبته، والخوف منه، والتوكل عليه، والافتقار إليه، والرضا بقضائه، والشوق إليه، والخضوع له، والرجاء، والصدق، والتسليم، والخشوع، وإخلاص أعمالهم له، وتعظيمه، وغيرها من أعمال القلوب، فحقَّقُوا العبودية لله، فسعدوا في الدنيا والآخرة، قال العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله: أسعد الخلق أعظمهم عبودية لله.



لأعمال القلوب أهمية كبرى في العبادات، فكل عبادة لها ظاهر وباطن، فعبودية الظاهر: القول باللسان، والعمل بالجوارح، وعبودية الباطن أعمال القلوب.



وأعمال القلوب أولى من أعمال الجوارح في الدخول في مُسمَّى الإيمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: دخول أعمال القلوب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها.



فينبغي الاهتمام والحرص على أعمال القلوب، فهي أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: فواجبات القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان وآكد منها.



والأعمال تتفاضل بما في القلوب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصفِّ واحدًا وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض.



لذا ينبغي الحرص على إصلاح القلب وغسله بالتوبة والاستغفار، والعنايةُ بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح.



يقول العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يجب علينا- يا إخوان- العنايةُ بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعملُ الجوارح علامةٌ ظاهرة لكنَّ عملَ القلب هو الذي عليه المدار؛ ولهذا أخبَرَ النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج وهو يخاطب الصحابة، فيقول: ((يَحقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم))؛ أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية- والعياذ بالله - لا يتجاوز الإسلامُ حناجرَهم، ((يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السهمُ مِن الرَّميَّة))، فعلينا أيها الإخوة أن نعتني بالقلوب وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتِّجاهاتها؛ قال بكر بن عبدالله المزني: ما فضَلهم أبو بكر بفضل صومٍ، ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقَر في قلبه، والإيمان إذا وقَر في القلب، حمَل الإنسانَ على العمل؛ لكن العمل الظاهر قد لا يَحمِل الإنسان على إصلاح قلبِه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وإصلاحها، وتخليصها مِن شوائب الشِّرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزَل الله على رسوله، وكراهة الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه، فنسأل الله تعالى أن يُصلحَ قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالَكم، وأن يَهَبَ لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب، وقال: أنا أُحذِّر نفسي أولًا، وأستغفر الله وأتوب إليه مما أنا عليه وأُحذِّركم أيضًا من أن تكونوا دائمًا على صِلة بقلوبكم...يجب علينا دائمًا أن نكون على صلة بهذا القلب نَغسله بالتوبة والاستغفار وسؤالِ الله عز وجل الثباتَ وأن يَقِيَك شرورَ نفسك.



للسلف أقوال في أعمال القلوب، يسَّر الله الكريم فجمعت بعضًا منها، أسأل الله أن ينفع بها الجميع.



اهتمام الرسول عليه الصلاة والسلام وخواص أصحابه بأعمال القلوب:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: لم يكن أكثر تطوُّع النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة؛ بل ببرِّ القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلُّقها بالله، خشية له ومحبة وإجلالًا وتعظيمًا، ورغبة فيما عنده، وزهدًا فيما يفنى. قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصيامًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خير منكم. قالوا: ولِمَ؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة.



وقال بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة؛ ولكن بشيء وقر في صدره.



قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله، والنصيحة لخلقه. وسئلت فاطمة بنت عبدالملك زوجة عمر بن عبدالعزيز بعد وفاته عن عمله، فقالت: والله ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صيامًا؛ ولكن ما رأيت أحدًا أخوف لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم.



قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام؛ ولكن بسخاوة النفوس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة، وزاد بعضهم: واحتقار أنفسهم.



فمن كان بالله أعرف، وله أخوف، وفيما عنده أرغب، فهو أفضل ممن دونه في ذلك، وإن كثر صومُه وصلاتُه.



أهمية أعمال القلوب وحكمها:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أعمال القلوب...من أصول الإيمان، وقواعد الدين؛ مثل: محبة الله ورسوله، والتوكُّل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر على حكمه، والرجاء له،... وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق...باتفاق أئمة الدين.



درجات الناس في أعمال القلوب:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الناس فيها على "ثلاث درجات"، كما هم في أعمال الأبدان على "ثلاث درجات": ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات؛ فالظالم لنفسه: العاصي بترك مأمور، أو فعل محظور، والمقتصد: المؤدي الواجبات والتارك المحرمات، والسابق بالخيرات: المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب، ومستحب، والتارك للمحرم، والمكروه.



وكل من الصنفين: المقتصدين، والسابقين من أولياء الله، الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62، 63] فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون؛ ولكن ذلك ينقسم إلى عام وهم المقتصدون، وخاص وهم السابقون، وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصدِّيقين.



وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، كما معه ضد ذلك بقدر فجوره؛ إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب.



صلاح القلب بمعرفة الله وتعظيمه ومحبَّته وخشيته:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب)) فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات، واتقائه للشبهات، بحسب صلاح حركة قلبه...فإن كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله، محبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلِّها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلها، وتوقي الشُّبهات، حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتِّباع هواه، وطلبُ ما يحبُّه ولو كَرِههُ الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعث إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب هوى القلب،فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته والتوكل عليه، وتمتلئُ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى "لا إله إلا الله"، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألههُ، وتعرفُه، وتحبُّه، وتخشاهُ، هو الله، وحده لا شريك له.



الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من النوافل مع غش القلوب:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: نصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وكذلك الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها، ومثل من يستكثر من الصوم والصلاة مع دغل القلب وغشه، كمثل من بذر بذرًا في أرض دغلة كثيرة الشوك، فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع؛ بل يمحقه دغل الأرض ويفسده، فإذا نظفت الأرض من دغلها زكا ما ينبت فيها ونما.



معرفة الله عز وجل:

• قال مالك بن دينار، وعبدالله المبارك: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذيقوا أطيب شيء فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى.



• قال عتبة الغلام: من عرف الله أحبَّه، ومَنْ أحبَّه أطاعه.



• قال الحسن رحمه الله: مَن عرَف ربَّه تبارك وتعالى أحبَّه.



• قال الفضيل بن عياض: أعلمُ الناس بالله أخوفُهم له.



• قال أحمد بن أبي الحوراني: مَن عرَف الله آثرَ رضاه.



• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: الله جل جلاله، ما عرَفه إلَّا مَن خاف منه، فأمَّا المطمئن فليس من أهل المعرفة.



• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

أطيب ما في الدنيا معرفة الله جل جلاله، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه.

اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به.



من كان بالله أعرف كان منه أخوف:

قال العلَّامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: من آمن بالله حقًّا خاف منه، فكُلُّ من كان بالله أعرف كان منه أخوف؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناس مخافة لله تبارك وتعالى، حتى إنه إذا رأى سحابًا، أو ريحًا، صار يدخل ويخرجُ، ويتغير وجههُ عليه الصلاة والسلام، فيُقال له في ذلك؟ يعني: إن هذا الشيء معتاد، أو ما أشبه هذا فيقول: ((وما يُؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح)) يُشير إلى قوم عاد الذين أرسل الله عليهم الريح العقيم.



معرفة الله والأنس به جنة معجلة في الدنيا:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: في الدنيا جنة معجلة؛ وهي معرفة الله ومحبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دلَّه علمُه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة؛ ولهذا كان أشدَّ الناس عذابًا في الآخرة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة؛ حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخسِّ الأمور وأدناها وأحقرها، فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرةٍ أو شيءٍ مستقذر لا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه؛ بل أقبح وأقبح من ذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًّا.



معرفة الله عز وجل لذة الروح وفرحها وسرورها:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الجسد عيشه: الأكل والشرب والنكاح واللباس والطيب وغير ذلك من اللذات الحسية...وأمَّا الروح...فقوتها ولذتها وفرحها وسرورها في معرفة خالقها وبارئها وفاطرها وفيما يقرب منه من طاعته وذكره ومحبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.



الاستغناء بالله:

• قال ابن عيينة: من استغنى بالله، أحوج الله إليه الناس.



• قال سعيد بن المسيب: من استغنى بالله، افتقر الناس إليه.



حسن الظن بالله:

• قال أبو سليمان الداراني: من حسن ظنه بالله ثم لم يخفه ويطعه فهو مخدوع.



• قال العلامة العثيمين رحمه الله:

حسن الظن بالله إذا عمل الإنسان عملًا صالحًا يحسن الظن بربِّه أنه سيقبل منه.



إذا دعا الله عز وجل يحسن الظن بالله أنه سيقبل منه دعاءه ويستجيب له.



إذا أذنب ذنبًا ثم تاب إلى الله ورجع من ذلك الذنب يحسن الظن بالله أنه سيقبل توبته.



إذا أجرى الله تعالى في هذا الكون مصائب يحسن الظن بالله، وأنه جل وعلا إنما أحدث هذه المصائب لحكم عظيمة بالغة.



يحسن الظن بالله في كل ما يقدره الله عز وجل في هذا الكون، وفي كل ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه خير ومصلحة للخلق، وإن كان بعض الناس لا يدرك هذه المصلحة، ولا يدرك تلك الحكمة مما شرع؛ ولكن علينا جميعًا التسليم بقضاء الله تعالى شرعًا وقدرًا، وأن نحسن به الظن؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل الثناء والمجد.



الإقبال على الله:

• قال محمد بن واسع: إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله أقبل الله بقلوب المؤمنين عليه.



• قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودَّتهم ورحمتهم.



• قال الإمام القرطبي رحمه الله: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودَّتهم ورحمتهم.



رضا الله عز وجل أكبر نعيم الجنات:

قال العلامة السعدي رحمه الله: أهل الجنة...نعيمهم لم يطب، إلا برؤية ربهم، ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرِضا ربِّ الأرض والسموات، أكبر نعيم الجنات.



أسباب تجلب رضا الله سبحانه وتعالى:

قال الشيخ ناصر بن سعد الشثري: من الأمور المستحسنة أن يحرص العبد على استجلاب رضا الله جل وعلا، ومن الأسباب الجالبة لرضا الله سبحانه وتعالى عن العبد ما يلي:

أولًا: الشكر، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7].



ثانيًا: الإيمان والعمل الصالح، قال الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 7، 8].



ثالثًا: الصدق، قال تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119].



رابعًا: اتباع منهج السلف، قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100].



الاستكانة والخضوع والذل والافتقار إلى الله:

• قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أولياؤه المتقون إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم، وغضبه عليهم، وخذلانه لهم، ازدادوا له خضوعًا وذُلًّا وافتقارًا وانكسارًا وبه استعانةً، وإليه إنابةً، وعليه توكلًا، وفيه رغبةً، ومنه رهبةً، وعلموا أنه لا ملجأ لهم منه إلا إليه، وأنه لا يعيذهم من بأسه إلا هو.



• قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قد يطلق اسم المسكين، ويُراد به من استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له، وتواضَع لجلاله، وكبريائه، وعظمته، خشيته، ومحبته ومهابته...فمن انكسر قلبه لله عز وجل، واستكان وخشع وتواضَعَ، جبره الله عز وجل، ورفعه بقدر ذلك.



فالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربِّه، وخشع من خشيته ومحبَّته، ولا يكون المسكين ممدوحًا بدون هذه الصفة، فإن لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو جبَّار.



فالمؤمن يستكين قلبه لربِّه ويخشع له، ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إليه في الشدة والرخاء، أما في حال الرخاء فإظهار الشكر، وأما في حال الشدة فإظهار الذُّلِّ والعبودية والفاقة والحاجة إلى كشف الضر.



• قال العلامة السعدي رحمه الله: قوله سبحانه: ﴿ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ [هود: 23]؛ أي: خضعوا له، واستكانوا لعظمته، وذلوا لسلطانه، وأنابوا إليه بمحبته، وخوفه، ورجائه، والتضرع إليه.



تعلُّق القلب بالله عز وجل:

• قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: سعادة العبد وعِظَم صلاح قلبه، وعِظَم صلاح روحه، بأن يكون تعلقه بالله جل وعلا وحده.



من تعلق قلبه بالله إنزالًا لحوائجه بالله، ورغبًا فيما عند الله، ورهبًا مما يخافه ويؤذيه، يعني: يؤذي العبد، فإن الله جل وعلا كافية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].



• قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري: القلب لا ينبغي به أن يتعلَّق بشيء من أمور الدنيا، إنما يتعلق بالله، فلا تعجب بما عندك من مال، فإنه قد يضيع في لحظات، ولا يعجب الإنسان بقوته ولا بذهنه بأنه يحفظ، أو غير ذلك، فإن الله جل وعلا قادر على صرف ذهنك عن الخير والطاعة إلى ما يضاده، ولا يعجب الإنسان بالأسباب الدنيوية، وإنما يتعلق قلبه بالله عز وجل، فإذا تعلق المرء بالله، وتوكل على الله، كفاه الله كل شيء، ومتى نظر إلى الأسباب واعتمد عليها وكل إليها، ووكل إلى عجز وهزيمة، ولم تنفعه بشيء، وهذا مشاهد، فإن حسبك الله هو الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين، متى كان الإنسان معتصمًا بالله معتمد القلب على ربِّه، وقاه الله كل سوء، ومكَّنه من كل خير.



القلوب إذا ارتبطت بالله، وكانت مع الله، كان الله مع العبد، وأمَّا إذا تفلتت القلوب من ارتباطها بالله فقد أسلمت نفسها إلى الضعف والعجز والخور.



الثقة بالله والاعتماد عليه:

• قال أبو سليمان الداراني: من وثق بالله في رزقه، زاد الله في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسخت نفسه في نفقته، وقلت وساوسه في صلاته.



• قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين رحمه الله: الاعتماد على نصر الله، لا على قوة، ولا سلاح، ولا كثرة، ولا عتاد، ولا شجاعة، ولا مرونة، ولا فراسة، إنما هو الثقة بالله وحده.



ونحن لا نقول: إن هذه الأشياء لا ينبغي استعمالها بل الله أمرنا بأن نستعمل من القوة ما نقدر عليه ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60] وثبت في الحديث تفسير القوة بالرمي، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن القوة الرمي))؛ لكن لا تتخذ هي السبب، ولا يعتقد العبد أنها هي الوسيلة للنصر، فالذين مثلًا يقولون: إن أعداء المسلمين يملكون قنابل، ويملكون الطائرات القاذفة، ويملكون من القوة ما لا يملكه المسلمون، وعندهم وعندهم، ويخافون أولئك الأعداء ويعظمونهم في نفوسهم، إنما هذا من الشيطان ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [آل عمران: 175]؛ لكن لو كانوا صادقين في إيمانهم ومضوا مقبلين على ربِّهم، واثقين بنصره، فإنهم لن يخذلوا، ولن ينهزم لهم جيش إذا كانوا صادقين مستعملين ما معهم من القوة، ومع ذلك واثقين بأن النصر بالله تعالى لا بالقوة؛ بل بالله ثم بقوة الإيمان، ثم الأسلحة، والعتاد، والقوة، فهذه مكملة لا أنها أساس في القوة، أو في الصبر.



تعظيم الله عز وجل:

قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: لا بُدَّ للعبد من التفكُّر في عظمة الله عز وجل وعظمة صفاته، وكيف أنك إذا تأمَّلت تركيب السماوات بعضها على بعض، وعظم السماوات وعظم الأرض بالنسبة لك أنت، ثم عظم السماوات بالنسبة للأرض، ثم عظم الكرسي بالنسبة للسماوات، ثم عظم العرش، تتصاغر وتتصاغر حتى توجب على نفسك تعظيم الله عز وجل حق تعظيمه، وتوجب على نفسك الذُّلَّ؛ لأن العبد لا ينفك إذا آمن بهذا حقيقة أن يكون أذَلَّ، وألَّا يترفَّع ولا يتكبَّر؛ لأنه يعلم حقيقة نفسه وحقيقة خلقه ومقداره، ثم هو يُعظِّم الله حقَّ تعظيمه.



وأصل الإيمان التذلُّل لله بعد الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته وألوهيته، فكلما كان العبد أكثر ذلًّا وتعظيمًا لله عز وجل وخشوعًا في القلب كان أكثر إيمانًا وأعظم مقامًا عند الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].



الواجب على العباد جميعًا، أن يعظموا الله، وأن يخبتوا إليه، وأن يظنوا أنهم أسوأ الخلق، حتى يقوم في قلوبهم أنهم أعظم حاجة لله عز وجل، وأنهم لم يوفوا الله حقه.



الافتقار إلى الله:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

أقرب طريق إلى الله الافتقار إليه.



الرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه.



إذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام الصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، انفتح له طريق الهدى.



العبد كلما كان أذَلَّ لله، وأعظم افتقارًا وخضوعًا له: كان أقرب إليه، وأعزَّ له، وأعظم لقدره.



الاستعانة بالله جل وعلا في جميع الأمور:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استعنت فاستعن بالله))وفي استعانة الله وحده فائدتان:

إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.



والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.



فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب عليه السلام لبنيه: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]؛ ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرَّأها الله مما قالوا، وقال موسى لقومه: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ﴾ [الأعراف: 128]، وقال الله لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 112]، ولما بشَّر صلى الله عليه وسلم عثمان بالجنة على بلوى تصيبه، قال: الله المستعان.



فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه وفي مصالح دنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبدالله بقضاء دينه: إن عجزت فاستعِنْ بمولاي، فقال له: يا أبتِ، مَنْ مولاك؟ قال: الله، قال: فما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقضِ عنه دينه فيقضيه.



وكذلك يحتاج العبد إلى الاستعانة بالله على أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده.



كتب الحسن إلى عمر بن عبدالعزيز: لا تستعن بغير الله فيَكِلك الله إليه.




https://www.alukah.net/sharia/0/1620...4%D9%88%D8%A8/
 
أعمال القلوب وأثرها في حياة المؤمن والمربي(2): أهميتها للمربي



أهمية أعمال القلوب في حياة المربي:


1 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – لمحبة الله جل وعلا له وهي الغاية العظمى التي يسعى لها كل مسلم.
قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"( 1).


2 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في وضع القبول له في الأرض، ومن ثَمَّ محبة الناس له، والاقتداء به، والتأثر بدعوته وتربيته، بل وفي رؤيته وسمته وإن لم يتكلم فإنها تذكر بالله جل وعلا( 2).


وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل إني أحب فلاناً، فيحبه جبريل، ثم يحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"(3 ).


يقول ابن رجب رحمه الله تعالى:


[ومن اشتغل بتربية منزلته عند الله بما ذكرنا من العلم الباطن وصل إلى الله، فاشتغل به عما سواه، وكان له في ذلك شغل عن طلب المنزلة عند الخلق، ومع هذا، فإن الله يعطيه المنزلة في قلوب الخلق والشرف عندهم، وإن كان لا يريد ذلك ولا يقف معه، بل يهرب منه أشد الهرب ويفرُّ أشد الفرار، خشية أن يقطعه الخلق عن الحق جل جلاله.


قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} أي: في قلوب عباده ،

وفي حديث: "إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل، إني أحب فلانا..." الحديث(4 ).


3 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في الإكثار والمسارعة للطاعات، واجتنابه للمعاصي والمنكرات.


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [إذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون] (5 ).


4 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في استمراره في طريق الدعوة والتربية والصبر والمصابرة على ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [أعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة وهي مقصودة تراد لذاتها] (6 ).


فإذا تحرك القلب بما فيه من أعمال قلوب تحركت الجوارح ونشطت للعمل والاجتهاد والبذل والعطاء ، وإذا ضعفت أعمال القلوب في القلب ضعفت حركته وكسل، فكسلت الجوارح بكسله، فهو ملكها ومحركها والباعث لها.


وأذكر هنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة أخرى للمناسبة؛ فيقول:

[وكان عمر لكونه أكمل إيماناً وإخلاصاً وصدقاً ومعرفة وفارسة ونوراً أبعد عن هوى النفس وأعلى همة في إقامة دين الله] ( 7).


5 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في تطهير قلبه من آفات القلوب وأمراضها كالحسد والكبر والرياء والعجب والحرص على الشهرة وحب الظهور وغير ذلك من الآفات ، فبقدر تمكن أعمال القلوب وقوتها في قلب المربي يكون تطهير قلبه من أضدادها ، فالإخلاص مثلاً ينفي ويطهر من القلب الرياء والعجب وحب الشهرة والظهور ، والتواضع ينفي ويطهر من القلب الكبر والتعالي، ورد الحق خاصة إذا ورد من الخصم.

وسلامة القلب تنفي عنه وتطهره من الحسد والغل... وهكذا.


وسلامة قلب المربي من هذه الأهواء والآفات من أسباب قبول الله لتعليمه ودعوته وتربيته ووضع البركة فيها، ومن ثم أثرها الطيب بين الناس.


إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في حفظه من زيغ القلوب واتباع الهوى عند ورود الشبهات والشهوات ،

قال تعالى عن يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} ،

يقول القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: [وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (المُخْلِصِينَ) بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله، وقرأ الباقون بفتح اللام...] ( 8).


ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: [... والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلصين له في عبادتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه] (9 ).


7 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – للهداية للحق والسداد في الآراء عند ورود الشبهات وأيام الفتن والملمات.


8 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – للثبات على الحق والانتصار به عند ورود الشدائد والمحن ، يقول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا، عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة، على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة،

وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذ قيل للميت "من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟"

هداهم للجواب الصحيح، بأن يقول المؤمن: "الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي".


9 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي من أسباب نصر الله جل وعلا لعبده، وظفره على من عاداه ، فالصبر والتقوى من أعمال القلوب، اللذان لهما أثر على أعمال الجوارح، وبهما يستنزل النصر، ويتحقق الظفر.


قال تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.


وقال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.
10 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في حسن الخاتمة.


يقول الشيخ عبد العزيز الجليل حفظه الله: [وتأتي أهمية السرائر وأعمال القلوب أيضاً من كونها الأساس في الإيمان والكفر والنفاق، وذلك حسب ما يقوم في القلب من هذه الأوصاف.. وهذا بدوره يؤثر في حسن الخاتمة وسوئها، حيث ترتبط الخاتمة حسناً وسوءاً بصلاح السريرة أو فسادها] ( 10).

11 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في أثره الطيب والذكر الحسن له بعد موته.


يقول ابن المبارك: [ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثرة صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة] ( 11).


والشاهد من هذا أن الإمام مالك رحمه الله تعالى طاب أثره ورُفع ذكره بعد موته – وذلك بسبب خبيئة في قلبه وحسن سريرته، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً – إذ كان من الأئمة الأعلام المقتدى بهم، بل وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية المتبعة.



--------------------------------

( 1) رواه مسلم (2965).

(2 ) في الحديث "ألا أخبركم بخياركم"، قالوا: بلى، قال: "الذين إذا رُؤوا ذكر الله..." انظر صحيح الأدب المفرد فقد حسنه الألباني رقم (46).

(3 ) رواه البخاري (3209).

( 4) مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي، دراسة وتحقيق أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني (1/95).

( 5) مجموع الفتاوى (3/277).

( 6) المصدر السابق (1/95).

( 7) المصدر السابق (1/304).

(8 ) الجامع لأحكام القرآن (11/318)، طبعة الرسالة العالمية.

( 9) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، طبعة مؤسسة الرسالة ص (396).

( 10) يوم تبلى السرائر، ص (13).

(11 ) سير أعلام النبلاء (8/97).

منقول
 
عودة
أعلى