دَرَكَات النار

إنضم
03/01/2021
المشاركات
674
مستوى التفاعل
2
النقاط
18
العمر
59
الإقامة
مصر

الجنة دار المُقامة والكرامة التي أعدّها الله تعالى لعباده المؤمنين، فيها مِن النعيم المقيم واللذة الدائمة ما يعجز الوصف عنه، فيها مِنَ النعيم ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشر.. وأما جهنم فهي النار التي أعدّها الله عز وجل للكافرين خالدين فيها، يعاني أهلها الحسرة والشقاء، ويذوقون فيها العذاب الشّديد الذي لا يتصوره بَشر.. والطريق إلى الآخرة لا يتشابه فيه السائرون، ولا تتشابه فيه الخُطى، ولهذا لم تكن الجنة منزلةً ودرجة واحدة، بل هي درجات متفاوتة في النعيم، وفي المقابل، لم تكن النار دَرَكة واحدة، بل دركاتٌ متفاوتة في العذاب كما تفاوتت أسباب دخولها..

درجات الجنة ودَرَكات النار:

قال الرَّاغِب الأصفهانيّ في "المفردات في غريب القرآن": "الدرَك كالدرَج، لَكِنَّ الدَّرَج يُقال اعتِبارًا بالصعود، والدرَك اعتِباراً بالحُدُور (الهبوط)، ولهذا قيل: دَرَجات الجَنَّة، ودَرَكات النار".. وقال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر": "الدرَك بالتَّحريك، وقَد يُسَكَّن، واحِدُ الأدراك، وهي منازل في النار. والدرَك إلى أسفل، والدرَج إلى فوق".. وأضاف ابن رجب في "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار" فقال: "قال الضحاك: والدرَك إذا كان بعضها أسفل من بعض، وقال غيره: الجنة درجات والنار دركات. وقد تُسمَّى النار درجات أيضا، كما قال تعالى بعد أنْ ذكر أهل الجنة وأهل النار: {ولِكُلِّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}(الأحقاف:19)، وقال: {أفمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ}(آل عمران:163:162) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلَم: دَرَجات الجَنَّة تَذهب عُلُوًّا، ودَرَجات النَّار تَذهَب سُفُولًا".. وقال أبو البَقاء الحَنفيّ في "الكليات": "الدَّرَجة: هي نَحو المَنزِلة، إلَّا أنَّها تُقال إذا اعتُبِرت بالصعود كما في الجِنان. والدَّرَك لِلسَّافِل (للنازل) كما في النِّيران، وقوله تعالى: {ولِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} فمِن باب التَّغليب.. إلَّا أنَّ زيادة أهل الجَنَّة في الخيرات والطاعات، وزيادة أهل الشَّرِّ في المَعاصي والسيئات".. وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير": "َوالدَّرَك: اسْم جَمْعِ دَرَكَة، ضِدّ الدَّرَج اسْم جَمْع دَرَجَة. وَالدَّرَكَةُ الْمَنْزِلَة فِي الْهُبُوط. فَالشَّيْء الذي يُقْصَد أَسْفَلُه تَكُونُ مُنَازِلُ التَّدَلِّي إِلَيْهِ دَرَكَاتٍ، وَالشَّيْء الَّذِي يُقْصَد أَعْلَاه تكون مَنَازِل الرُّقِيِّ إليه درجات، وقد يُطْلَق الِاسْمَانِ عَلَى الْمَنْزِلَة الْوَاحِدَة بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَار".


دركات النار وتفاوت العذاب فيها:

النار دركات، وأهلها متفاوتون في العذاب فيها على قدْر كفرهم وأعمالهم، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، ومِنها:
1 ـ قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}(النساء:145).
قال الطبري: "إنَّ المُنافِقين في الطَّبَق الأسفَل مِن أطباق جَهَنَّم، وكُلُّ طَبَقٍ مِن أطباقِ جَهَنَّم دَرَك".. وأضاف ابن كثير: "أخبر تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} أي: يوم القيامة، جَزاءً على كُفرِهم الغَليظ. قال الوالِبيُّ عن ابن عباس: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} أي: في أسفَل النار. وقال غيره: النار دَرَكات، كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجات".. وقال السمعاني: "{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} قال أبو عبيدة والأخفش: النَّار دركات، والْجنَّة دَرَجَات، قال أهل الْعلم: يجوز أَن يكون فِرْعَوْن وهامان أَشد عذَابا من الْمُنَافِقين، وإِنْ كان المنافقون في الدَّرك الْأَسْفل". وقال ابن عاشور: "وإنما كان المنافقون في الدَّرَكِ الْأَسْفَل، أي في أذَلِّ منازل العذاب، لأن كفرهم أسوأ الكفر لما حف به من الرذائل"..
وفصل القُرطُبيّ في "التذكرة" فقال: "هذا الباب يدلك على أنَّ كُفر مَن كَفر فقَط ليس كَكُفرِ مَن طَغى وكَفر وتَمرَّد وعصى، ولا شَكَّ أنَّ الكفار في عذاب جَهَنم متفاوِتون كما قَد عُلِمَ مِنَ الكتاب والسُّنَّة، ولَأنَّا نعلم على القَطْع والثَّبات أنه ليس عذاب مَن قَتل الأنبياء والمسلمين وفَتَك فيهم وأفسَد في الأرض وكفر، مُساويًا لِعَذاب مَن كفر فقط وأحسَن للأنبياء والمسلمين، ألا ترى أبا طالِبٍ كيف أخرجه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ضَحضاحٍ لِنُصرَتِه إيَّاه، وذَبِّه (دفاعه) عنه وإحسانه إليه؟!"..
وأضاف ابن رجب في"التخويف من النار" بقوله: "اعلَمْ أنَّ تَفاوُت أهل النار في العذاب هو بحَسب تَفاوُت أعمالهم التي دَخَلُوا بها النَّار كما قال تعالى: {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}(الأحقاف:19)، وقال تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا}(النبأ:26)، قال ابن عباس: وافَقَ أعمالَهم، فليس عِقاب مَن تَغَلَّظ كُفره، وأفسَد في الأرض، ودعا إلى الكفر، كَمَن ليسَ كذلك، قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدَّوا عَن سَبيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ}(النحل:88)، وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}(غافر:46)،وكَذَلِ كَ تَفاوُت عذاب عُصاة المُوحِّدين في النار بحَسب أعمالهم، فليس عُقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقَد يُخَفَّف عَن بَعضِهم العَذاب بحَسَناتٍ أُخَرَ له، أو بما شاءَ الله مِنَ الأسباب"..

2 ـ قال الله تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}(الإسراء:21). قال ابن كثير: "أي: ولَتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم مَنْ يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون"..

3 ـ قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ}(آل عمران:163). قال السعدي: "أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم. والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله"..

4 ـ عن عُتْبَة بن غَزْوان رضي الله عنه قال: (قدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِن شَفَةِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا، لا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا) رواه مسلم.. (قد ذُكِر لنا) يُشيرُ بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (أنَّ الحَجَر يُلقَى مِن شَفَةِ جَهنَّم) أي: مِن طَرَفِها (فيَهوِي) أي: يَظَلُّ يَنزِلُ ويَسقُطُ فيها قَدْرَ سبعينَ عامًا ولا يَصِلُ إلى آخِرِ ما بداخلِها وعُمقِها..

5 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إذْ سَمِعَ وَجْبَة (السَّقطة مِن عُلوٍّ إلى أَسفلَ بصَوتٍ مُزعجٍ كصَوتِ الهَدمِ) ، فَقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: تَدْرُونَ ما هذا (سبب الصوت)؟ قالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: هذا حَجَرٌ رُمِيَ به في النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا (والمرادُ بالخريف السنة)، فَهو يَهْوِي في النَّارِ الآنَ، حتَّى انْتَهَى إلى قَعْرِهَا) رواه مسلم.
قال ابن هبيرة في "الإفصاح عن معاني الصحاح": "في هذا الحديث من الفقه: أن الله عز وجل أسمع رسوله صلى الله عليه وسلم ومَنْ حضر معه مِن أصحابه وجبة: وقوع هذا الحجر في النار، ليجري على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ذِكْر مقدار عمق جهنم، وأنها مسيرة سبعين سنة للحجر الذي يهوي به في هذا الهبوط على سرعة تشابه سرعة النجم، والله تعالى يرحمنا بإعاذتنا من هذه النار"..

فائدة:

1 ـ النّار مثوَى الكافرين والمنافقين، والفُجار والأشرار، نار قال الله تعالى عنها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ}(التحريم:6). قال ابن عاشور: "وتنكير {نَارًا} للتعظيم، وأجري عليها وصف بجملة وقودها الناس والحجارة زيادة في التحذير لئلا يكونوا من وقود النار، وتذكيراً بحال المشركين الذي في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}(الْأَنْبِياء:98) ، وتفظيعًا للنار إذ يكون الحجر عوضا لها عن الحطب"..
2 ـ عُصاة المسلمين أقَلّ أهل النَّارِ عَذابًا ـ إذا لم يغفر الله تعالى لهم بفضله ـ، فإنهم يدخلون النَّارَ فيَعذَّبون فيها على قَدرِ أعمالهم، ثُمَّ يخرجون مِنها ويدخلون الجنة، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(النساء:48). والأحاديث النبوية الصحيحة المتواترة الدالة على إخراج عصاة الموحدين من النار، وعدم خلودهم فيها كثيرة، ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا.. فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومَنْ أصاب في ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) رواه البخاري.
قال ابن رجب: "وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار، بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر، كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب، بحسنات أخر له، أو بما شاء الله من الأسباب".. وقال الشيخ ابن عثيمين: "عُصاة المسلمين ثلاثة أقسام: قسم يغفر الله له ولا يدخل النار أصلاً، وقسم آخر يدخل النار ويعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج، وقسم ثالث يدخل النار ويعذَّب، ولكن يكون له الشفاعة، فيخرج من النار قبل أن يستكمل ما يستحقه من العذاب".. وهذا القدْر من العذاب لعصاة المسلمين لا يعلم قدر شدته ولا قدر مدته إلا الله عز وجل، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب معاصيهم..

وختامًا، فإنَّ الإيمان بالجنة والنار، وما أعدَّه الله تعالى للمؤمنين مِنْ نعيمٍ في الجنة لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر، ومِنْ عذابٍ للكافرين في نارٍ وقودها الناس والحجارة، يدخل ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان.. والجنّة درجاتٌ متفاوتة في النعيم بتفاوت أهلها في الإيمان والتقوى والعمل الصالح، والنار دركات متفاوتة في العذاب بتفاوت أهلها في الكفر والمعاصي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمْرة) رواه البخاري.
نسأل الله تعالى أنْ يُنجينا مِنَ النار، وأنْ يدخلنا الجنّة مع الأبرار..

اسلام ويب


أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ، قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، قالَ: فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا. الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3265 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه مسلم (2843) باختلاف يسير

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصِفُ الجنَّةَ تَرغيبًا فيها، ويَصِفُ النَّارَ تَرهيبًا منها، فيَحصُلُ بذلك التَّبشيرُ والتَّحذيرُ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن وَصْفِ النَّارِ، وأنَّ نِسبةَ الطَّاقةِ الحراريَّةِ الموجودةِ في نارِ الدُّنيا كنِسبةِ جُزءٍ إلى سَبعينَ جُزءًا مِن حَرارةِ نارِ جَهنَّمَ، والمرادُ المبالَغةُ في الكثرةِ، لا العددُ الخاصُّ الَّذي هو سَبْعونَ جُزءًا فقطْ، فلمَّا سَمِع ذلك بَعضُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم قال: «يا رَسولَ اللهِ، إنْ كانتْ لَكافيةً»، أي: إنَّ نارَ الدُّنيا كانتْ كافيةً في الإحراقِ، مُجزِئةً في الإيلامِ؛ فهي تُحرِقُ الجَمادَ، فضْلًا عن الأجسامِ البَشريَّةِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسعةٍ وستِّينَ جُزءًا»، فنارُ الآخِرة تَزيدُ قوَّةُ حَرارتِها عن حَرارةِ نارِ الدُّنيا بتِسعةٍ وستِّينَ جُزءًا، كلُّ جُزءٍ منها يُعادِلُ حَرارةَ نارِ الدُّنيا كلِّها، بحيث إنَّه لو جُمِعَ حَطَبُ الدُّنيا وكلُّ وَقودِها، وأُوقِدَ كلُّه حتَّى صار نارًا؛ لَكان الجزءُ الواحدُ مِن أجزاءِ نارِ جَهنَّمَ -الذي هو سَبعونَ جُزءًا- أشَدَّ منه.
وفي الحديثِ: أنَّ النارَ مَخلوقةٌ وموجودةٌ الآنَ، وبيانُ عِظَمِ نارِها وحَرارتِها، أجارَنا اللهُ تعالَى منها.
وفيه: تَحذيرٌ مِن النَّارِ ليَبعُدَ النَّاسُ عن الأعمالِ الموصِلةِ إليها.

الدرر السنية
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

قال ابن القيم: "قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقًا فللابن على أبيه حق، فكما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8]، قال تعالى:
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
ما أشد هذا الوصف وأفضعه !!
فهل يَعي ذلك المربُّون ؟

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) ﴾(سورة التحريم)

الطامة الكبرى من اهتم بدراسة ابنه و لم يهتم بدينه:

الآية المتعلقة بهذا الموضوع:
﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) ﴾
(سورة الأنفال)
الإنسان يفتن بابنه، أحياناً يهتم فقط بدراسته ولا يعبأ بدينه هنا الطامة الكبرى، يهتم بتحصيله ولا يعبأ بعقيدته، يهتم بصحته ولا يعبأ بصلاته، يهتم بمكانته الاجتماعية ولا يهتم بمكانته عند الله، يعني الأولاد أحياناً مفخرة، ابني طبيب، الثاني مهندس، عندي ثلاثة أطباء أيضاً يكشر، طول بالك، يهتم بمكانته الاجتماعية ولا يهتم بمكانته عند الله

فهذا نداء من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين يحثهم فيه على وقاية أنفسهم وأهليهم من النار، وهو النداء الثاني في هذه السورة الكريمة سورة التحريم، وذلك بعد نداء النبي صلى الله عليه وسلم في بدايتها، ليتأسى المؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أهليهم ومن جعله الله تعالى تحت أيديهم، كما في قول الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا {طه:132}، وفي قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {الشعراء:214}.
وهذه النصوص وما أشبهها تدل على أن للأقرب فالأقرب مزية في لزوم تعليمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى وتحذيرهم من معصيته ومخالفة أوامره، ويدل عليه ما في الصحيحين وغيرهما مرفوعاً: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
والوقاية هي ما يجعله الإنسان بينه وبين ما يخشاه أو يؤذيه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: فاتقوا النار ولو بشق تمرة. ووقاية الإنسان نفسه من النار تكون بامتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه والتقرب إليه تعالى بما يحب، ووقاية أهله تكون بتعليمهم ونصحهم وتربيتهم وتوجيههم إلى الخير، وذكر القرطبي في تفسيره أن عمر لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ قال: تنهونهم عما نهاكم الله, وتأمرونهم بما أمر الله.
والأهل هنا الأزواج والأولاد ومن تحت يد المسلم أو من له عليه ولاية، كما نقل القرطبي عن مقاتل قال: ذلك حق عليه في نفسه وأهله وعبيده وإمائه
 
عودة
أعلى