التفسير العلمي لقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} -كما في تفسير الكفاية-

موسى65

Member
إنضم
27/12/2023
المشاركات
94
مستوى التفاعل
5
النقاط
8
ذكر صاحب تفسير الكفاية اختلاف المفسرين في تفسير الآية، ثم علق قائلا:
ملحوظة: وهذه الأقوال من باب اختلاف التنوّع، إذ يستقيم حمل الآية على كل قول منها، والقرآن يشهد لكل واحد منها، وإن كان المعروف -من كلام العرب- أن «الموسع»، أي: ذو الوسع والسعة<span dir="LTR"><a href="https://majles.alukah.net/#_ftn1" name="_ftnref1" title=""><sup>]</sup></a></span>)، وتفسير الآية: إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك() .-والله تعالى أعلم-.
وقد قرّر علم الفلك الحديث بأن السماء لازالت في اتساع دائم، سواء في تكوين مدن نجومية جديدة باستمرار، أو في تباعد هذه المدن النجومية باستمرار.
فهذه الآية الكريمة تشير إلى أَن التوسعة مستمرة على الزمن، وهو ما أثبته العلم الحديث بأن السماء لا زالت في اتساع دائم، سواء في تكوين مدن نجومية جديدة باستمرار، أو في تباعد هذه المدن النجومية باستمرار، وعرف بنظرية التَّمدد التي أصبحت حقيقة علمية في أوائل هذا القرن، أشار إليها القرآن الذي أُنزل على النبي الأُمي محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ أربعة عشر قرنًا.
وقد ظلت النظرة العلمية إلى الكون حتى بداية القرن العشرين تؤكد أنه ثابت لا يتغير، وأنه بلا نهاية، حتى اكتُشفت ظاهرة التحليل الطيفي للضوء، التي أثبتت أن الكون يتمدد، وأن المجرات في تباعد مستمر عن بعضها، وأن للكون نهاية محتومة، ثم توالت الأبحاث والاكتشافات التي تؤكد هذه الحقيقة -اتساع الكون- والتي تحدث عنها القرآن الكريم، وأشار إليها علماء اللغة والتفسير عند شرحهم لقوله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات : 47](.
ففي «معجم القاموس المحيط» نجد أن كلمة «وسع» تتضمن المعاني الأساسية الآتية():
1- «وسع» بمعنى :«أطاق»، وإذا تأملنا الكمية الضخمة التي يحويها الكون من المجرات والثقوب السوداء، حيث يتوسع الكون في كل ثانية آلاف الكيلومترات وفي جميع الاتجاهات، وإذا تأملنا الكلمة القرآنية ﴿لموسعون﴾ وقارنَّاها مع الحقائق العلمية الحديثة نلاحظ أن هذه الكلمة هي الأدق والأنسب من الناحية العلمية، فهي تشمل التوسع وتشمل الحجم الكبير للسماء وتشمل قدرة السماء على احتواء العدد الهائل للمجرات وغير ذلك من المعاني.
وغير ذلك وجدنا أرقاماً خيالية قد ضمتها السماء ولم تعجز عنها، وهذا يعني أن السماء تطيق وتحتمل كل ما خلقه الله فيها من أجسام ومخلوقات وكواكب ونجوم وغير ذلك.
2- «وسع»: بمعنى: «يتسع»، وهذا يعني أن السماء تتسع لكل ما فيها من مجرات على الرغم من وجود أكثر من 400 بليون مجرة على أقل تقدير، كل مجرة تحوي أكثر من مئة بليون نجم كشمسنا.
3- «الواسع» ضدّ: «الضيق»: وهذا المعنى نلمسه في الكون، فالعلماء اليوم يعترفون بأن الكون واسع جداً وأكبر من أي تصور، ويقدرون أبعاده بعشرات البلايين من السنوات الضوئية.
4- «وسَّعه توسيعاً»: ضدّ ضيَّقه فاتَّسع واستوسع: وهذا المعنى نلمسه في توسع الكون وتمدده باستمرار.
ومن الناحية العملية فإن الإنسان كان منذ القدم قد وضع العديد من النماذج للكون، إلا أن أهم هذه النماذج القديمة هو الذي صاغه اسحق نيوتن، الذي قال فيه إن الكون عبارة عن فضاء غير متناه أي ليست له حدود، وتملؤه المجرات التي تسبح في وسط أثيري يملأ الكون، لكن ما لبث أن قوبل بالكثير من التساؤلات، فلو أن الكون غير محدود حسب رأي نيوتن لكان قد فقد طاقته وانطفأت حرارته منذ مليارات السنين.
كان الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين قد صاغ نموذجا للكون بناء على دراسات فيزيائية نظرية بحتة دون الاعتماد على الأرصاد الفلكية للكون، فقد توصل أينشتاين إلى أن الكون احدب مثل الكرة وساكن لا يتمدد، وأطلق على نموذجه عن الكون (الكون الأحدب المحدود) حيث بين أينشتاين خلال نظرية النسبية العامة بان الفضاء يتحدب (ينحني) حول الكتل الكبيرة فلو كان الضوء يسير في خط مستقيم واقترب من جاذبية جسم كتلته كبيرة مثل الشمس فان الضوء الذي يمر بجانبها سوف ينحني، وبذلك يتحدب الفضاء الكوني كله حول نفسه ويصبح على شكل كرة لكن دون حافة خارجية، لذلك يمكن أن نتصور أن الكون محدود لكنه غير متناه.
وفي عام 1948م نشرت نظرية ( الحالة المستقرة للكون ) Steady State Theory التي عمل فيها ثلاثة علماء هم بوندي وجولد ثم عدل عليها الفلكي الأمريكي فريد هويل، وتنص هذه النظرية على انه ليس للكون بداية وانه مخلوق منذ الأزل، لكن بعد أن انتشرت نظرية الانفجار العظيم حول نشوء الكون قوبلت نظرية الحالة المستقرة للكون بالرفض.
اكتشف الفيزيائي الشهير (كريستيان دوبلر) بان الأمواج الصوتية تطول إذا ما ابتعد مصدر الصوت عن الراصد، لذلك يكون تأثيرها بسيطا على أذن الراصد، بينما تقصر الموجات الصادرة إذا كان مصدر الصوت يقترب من الراصد، وهذه الظاهرة تحدث بشكل اعتيادي عندما يقف شخص ما على طريق سريع وتمر السيارات من أمامه بسرعة عالية، فإذا كانت السيارة تتجه نحونا فان صوت المحرك يزداد شيئا فشيئا ويصبح الصوت أعلى ما يمكن عندما تصبح السيارة قريبة منا، لكن بمجرد أن تمر السيارة من أمام الشخص الواقف على الطريق فان صوتها يخبو بسرعة، وسبب هذه الظاهرة آن السيارة أي مصدر الصوت عندما يقترب منا فان صوتها يزداد نظرا لانضغاط الموجات الصوتية التي يقل طولها لذلك يكون تأثيرها على طبلة الأذن عاليا فيكون الصوت حادا،بينما تطول الموجات عندما تجتازها السيارة فيقل اهتزاز طبلة الأذن فيصبح الصوت خافتا.
إن ما يحدث للصوت يحدث للضوء أيضا، فإذا ابتعد مصدر الضوء عن الراصد فان موجات الضوء سوف تطول ويتحول الطيف الظاهر إلى اللون الأحمر لان هذه الأطياف لها أطوال موجية كبيرة، بينما يتحول الطيف الصادر عن مصدر الضوء المقترب إلى اللون الأزرق لان الطول الموجي لهذا الطيف هو الأقصر. هذه الظاهرة تعرف باسم (أثر دوبلر) Doppler Effect نسبة إلى العالم دوبلر سميث الذي اكتشفها.
وفي عام 1922 تمكن الفلكي(سيلفر) من تحليل الطيف القادم من مجرة المرأة المسلسلة اقرب المجرات إلى مجرتنا درب التبانة، وكانت نتيجة التحليل الطيفي أن طيف مجرة المرأة المسلسلة يحيد نحو الأحمر، وعرف سيلفر أن المجرة تبتعد عن مجرتنا، لكن لم تلق دراسات سيلفر أي اهتمام من قبل العلماء!
وفي نفس العام الذي اكتشف فيه سيلفر ابتعاد مجرة المسلسلة، قام هاوي الفلك الأمريكي (أدوين هبل) Edwin Hubble بأرصاد متواصلة للمجرات من خلال مرصد جبل ويلسون الأمريكي، وبعد أن درس الأطياف الصادرة عن هذه المجرات تبين له أن طيف كل المجرات يحيد نحو الأحمر، وهذا يعني أن المجرات تبتعد عن بعضها البعض، أي أن الكون يتوسع.
لاحظ هابل من خلال الدراسات التي أجراها على طيف المجرات أنها لا تبتعد عن بعضها البعض بشكل عشوائي، بل تبتعد عن بعضها بتناسق جميل، فقد تبين انه كلما كانت المجرات ابعد عنا كلما كانت سرعة ابتعاد المجرة أعلى، وكلما كانت المجرة اقرب إلينا كلما كانت سرعة ابتعادها اقل، وقد تمكن هابل من صياغة علاقة تدل على سرعة ابتعاد المجرة نسبة لبعدها، وهي انه كلما كانت المجرة ابعد عنا مقدار مليون فرسخ فلكي (بارسك) زادت سرعة ابتعادها مقدار 55 كلم في الثانية، وأطلق على هذه العلاقة اسم (ثابت هابل).
وتعدّ النتائج العلمية التي توصل إليها هابل هامة للغاية وهي من أهم الاكتشافات الفلكية في القرن العشرين، فهي تبين بلا أدنى شك أن المجرات تبتعد عن بعضها البعض وهذا يدل على أن الكون يتمدد، وتدل كذلك على أن مادة الكون كانت قبل فترة من الزمن أي عند نشوئه متجمعة في نقطة واحدة! وهذا أكبر إثبات على أن للكون بداية وتأكيدا واضحا على صحة نظرية الانفجار العظيم للكون. كما أن هذا التمدد إثبات قوي للإعجاز الكوني في القران الذي يوضح أن الكون يتمدد !
وهكذا فقد سبق القران الكريم كل الأبحاث والأرصاد الفلكية الحديثة في إثبات أن الكون يتمدد ويتوسع، وبالتالي فإن هذه الومضة القرآنية: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)

اهد:ي:"َطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾،السلف في المراد بالآية، ومن ثم رجح بينها فقال:ة..أن تفيد الغرض [الذاريات : 47]: شهادة صدق بأن القرآن الكريم كلام الله‏،‏ وأن سيدنا ونبينا محمدا-صلي الله عليه وسلم‏-‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ معلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وأن القرآن الكريم هو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة‏.‏
رابط تحميل تفسير الكفاية:

الهوامش:
([1]) يقال: وسع الشيء يسعه سعة وسعة: استوعبه ولم يضق به. ويجري هذا في الأمور الحسية وفي المعاني تقول: هذا الوعاء يسع هذا المتاع، وحلم فلان يسعني، واشتهرت السعة في يسار المال والغني تقول: فلان ذو سعة أي غير مضيق عليه في الرزق.
و»الواسع«: في أسماء الله سبحانه ومعناه أن أنغامه ورحمته لا يضيق بشيء.
ويقال: أرض واسعة: لا تضيق بمن يأوي إليها.
وفي "المصباح"(2/659): وسع الله عليه رزقه يوسع وسعًا -من باب نفع-، بسطه وكثره، وأوسعه ووسعه بالألف، والتشديد مثله. وأوسع الرجل بالألف صار ذا سعة وغنى.
([2]) انظر: التفسير الوسيط للواحدي: 4/180، وفتح القدير للشوكاني: 5/109، والتفسير الوسيط، مجمع البحوث: 9/1105.
([3]) للاستزادة حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب: الإعجاز القرآني في ضوء الاكتشاف العلمي الحديث، مروان وحيد التفتنازي. والإعجاز العلمي في السماء، د. زغلول النجار، مقال منشور بموقع: www.elnaggarzr.com.
([4]) انظر: معجم القاموس المحيط للفيروز آبادي، ص 1398 ، دار المعرفة- بيروت 2005.
 
تصحيح:
وهكذا فقد سبق القران الكريم كل الأبحاث والأرصاد الفلكية الحديثة في إثبات أن الكون يتمدد ويتوسع، وبالتالي فإن هذه الومضة القرآنية: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات : 47]: شهادة صدق بأن القرآن الكريم كلام الله‏،‏ وأن سيدنا ونبينا محمدا صلي الله عليه وسلم‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ معلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وأن القرآن الكريم هو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة‏.‏
 
عودة
أعلى