عبدالله محمد عياش يوسف
New member
بسم الله الرحمن الرحيم
كف أذى الجماعات المتتالية في المساجد
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على نبينا محمد الذي صح عنه قوله: «دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ.» -البخاري ومسلم-
بعد مدة طويلة من تبنّي جماهير الفقهاء منع إقامة جماعات في المسجد بعد الجماعة الأولى[1]، سادت هذه الأيام إقامة جماعات أخرى… ثانية وثالثة … إلخ، وهنا أود طرح رأي فقهي في المسألة مختلف عما هو سائد، على أمل أن يتم تفهّم هذا الاختلاف وأن يُتلقى الرأي بالقبول في نهاية المطاف.
أصول شرعية لمراجعة المسألة
• الحديث المروي: "أنَّ رَجُلًا دخَلَ المَسجِدَ، وقد صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم بأصْحابِه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم: «مَن يَتَصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه؟» فقام رَجُلٌ من القَومِ، فصلَّى معه." [2]
ومن هذا الحديث تؤخذ مشروعية إقامة جماعة أخرى.[3]
***
• أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وبارك صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ: «أيُّكُمْ قَرَأَ، أوْ أيُّكُمُ القَارِئُ»، فَقالَ رَجُلٌ أنَا، فَقالَ: «قدْ ظَنَنْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» -أي نازعنيها.-
• أن رسول الله صلى الله عليه وبارك "خرج على الناسِ وهم يُصلُّونَ وقد عَلَتْ أصواتهم بالقراءةِ فقال : «إنَّ المُصلِّي يُناجِي ربهُ فلينظر بما يُنَاجِيهِ بهِ ولا يجهرْ بعضكم على بعضٍ بالقرآنِ» "[4]
و بهذين الحديثين يُعلم أن الأصل في المساجد عدم الجهر بقراءة القرآن على بعضنا، وأنه مؤذٍ، وأنه منهيٌ عنه.
***
• قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف:204]
لماذا إعادة النظر؟
الجماعات المتتالية عندما تقام اليوم، يجهر أئمتها بالقراءة -في الصلوات الجهرية-، وبالتالي وبناء على الحديثين اللذين ذكرتهما أجد أن التطبيق الحالي لتلك الجماعات يحدث أذى ويخالف النهي عن الجهر على الآخرين.
إن تكرار إقامة جماعات أخرى بهذه الطريقة ثلاث مرات يومياً، يجعل من يُجهر عليه بها أمام أمرين: إما الاستماع لها والانشغال بها عما سواها، وإما أن يتجاهل أمر الآية الظاهر بالاستماع وهو -في ظل هذا التكرار- شبيه بهجر تطبيق هذه الآية إن لم يكن هجراً بالفعل.
ومن حق الماكثين في المسجد أن لا نُعرضهم لهذا الابتلاء والأذى حيث يضيَّق على ما قد يشتغلوا به أثناء تواجدهم في المسجد، وربما يخرجهم من المسجد بحثاً عن سكينة مفقودة.
الحل المقترح، ما هو؟
إنه الإسرار بالقراءة بالنسبة للجماعات الثانية والثالثة… إلخ. بمعنى أن تصبح صلاتهم كصلاتَي الظهر والعصر.
لا أدعي أننا مخيرون على السواء بين الجهر والإسرار، ولكن معلوم أن إقامة الصلاة الجهرية سراً وارد في الشرع، تقوم به المنفردة أو المنفرد مثلاً، فهو لا يبطل الصلاة، بل ويتأكد عليهم ذلك إن كان في الجهر أذى لمن حولهم. وهذا القياس أفضل من أن نقارن الجماعة الثانية بالأولى، ففي الأولى يجتمع المسلمون الذين في المسجد خلف إمامهم بينما يحدث الأذى الذي أشرت إليه عند إقامة الجماعات التي تليها دون أن نجتمع خلفها -بطبيعة الحال-.
والجهر المنهي عنه يحصل بسماع شخص واحد له، وليس بالضرورة أن يكون بصوت مرتفع شديد، إذ يكفي أن يكون مسموعاً مفهوماً، وهذا يعني أن خفض الصوت لا يكفي، ولذلك كان الإسرار هو الأنسب حيث لا يؤمَن إسماع الماكثين في المسجد.
***
إن فكرة الإسرار هذه تخدم الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، حيث ننأى بالقرآن ونرفعه عن الموضع الذي يتساهل فيه الناس ويتركوا الاستماع، ليبقى تعظيم القرآن عند الجهر به في الموضع الذي يليق به.
فأي انطباع يتكون لدى النشء الماكثين في المسجد عندما يجدون تلاوة للفاتحة ثم لما تيسر من القرآن كما سمعوا في صلاتهم؟ وعلى ماذا يعتادوا من تكرار هذا الأمر؟
بالإضافة إلى ما سبق، ففي الإسرار المقصود تيسير للماكثين في المسجد على ما هم بصدده بعد انصرافهم من صلاتهم، كالذكر والتواصل وربما الاجتماع لحفظ القرآن ومدارسته… إلخ.
وأخيراً، إن الإسرار أهون من الرجوع إلى إيقاف الجماعات الأخرى كما كان الحال سابقاً، خاصة وأننا توصلنا إلى مشروعية إقامة جماعة ثانية من الحديث الذي فيه: «مَن يَتَصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه؟»
وهنا تذكير بالحديث الآخر الذي أوردته في المقدمة: «… فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ.»، فاللهم صلّ وبارك على نبينا محمد.
هذا والله أعلم وأحكم، والسلام على النبي ورحمة الله، والحمد لله.
________________
[1] للمزيد حول تاريخ مسألة الجماعة الثانية: http://saaid.org/bahoth/187.htm.
[2] أخرجه الترمذي، وأحمد واللفظ له، وصححه شعيب الأرناؤوط: https://dorar.net/h/wEammcs0
[3] وقد أفتى بذلك الشيخ ابن باز رحمه الله، وهي فتوى موثقة على موقعه الإلكتروني: https://binbaz.org.sa/ بعنوان: حكم من أتى المسجد وقد انتهت صلاة الجماعة
[4] لقد ذكرت طرفاً منه في المقدمة، أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، وروى مثله أبو داود وابن حبان وغيرهم. وصححه ابن باز والألباني، وصحح سنده شعيب الأرناؤوط.
كف أذى الجماعات المتتالية في المساجد
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على نبينا محمد الذي صح عنه قوله: «دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ.» -البخاري ومسلم-
بعد مدة طويلة من تبنّي جماهير الفقهاء منع إقامة جماعات في المسجد بعد الجماعة الأولى[1]، سادت هذه الأيام إقامة جماعات أخرى… ثانية وثالثة … إلخ، وهنا أود طرح رأي فقهي في المسألة مختلف عما هو سائد، على أمل أن يتم تفهّم هذا الاختلاف وأن يُتلقى الرأي بالقبول في نهاية المطاف.
أصول شرعية لمراجعة المسألة
• الحديث المروي: "أنَّ رَجُلًا دخَلَ المَسجِدَ، وقد صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم بأصْحابِه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم: «مَن يَتَصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه؟» فقام رَجُلٌ من القَومِ، فصلَّى معه." [2]
ومن هذا الحديث تؤخذ مشروعية إقامة جماعة أخرى.[3]
***
• أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وبارك صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ: «أيُّكُمْ قَرَأَ، أوْ أيُّكُمُ القَارِئُ»، فَقالَ رَجُلٌ أنَا، فَقالَ: «قدْ ظَنَنْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» -أي نازعنيها.-
• أن رسول الله صلى الله عليه وبارك "خرج على الناسِ وهم يُصلُّونَ وقد عَلَتْ أصواتهم بالقراءةِ فقال : «إنَّ المُصلِّي يُناجِي ربهُ فلينظر بما يُنَاجِيهِ بهِ ولا يجهرْ بعضكم على بعضٍ بالقرآنِ» "[4]
و بهذين الحديثين يُعلم أن الأصل في المساجد عدم الجهر بقراءة القرآن على بعضنا، وأنه مؤذٍ، وأنه منهيٌ عنه.
***
• قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف:204]
لماذا إعادة النظر؟
الجماعات المتتالية عندما تقام اليوم، يجهر أئمتها بالقراءة -في الصلوات الجهرية-، وبالتالي وبناء على الحديثين اللذين ذكرتهما أجد أن التطبيق الحالي لتلك الجماعات يحدث أذى ويخالف النهي عن الجهر على الآخرين.
إن تكرار إقامة جماعات أخرى بهذه الطريقة ثلاث مرات يومياً، يجعل من يُجهر عليه بها أمام أمرين: إما الاستماع لها والانشغال بها عما سواها، وإما أن يتجاهل أمر الآية الظاهر بالاستماع وهو -في ظل هذا التكرار- شبيه بهجر تطبيق هذه الآية إن لم يكن هجراً بالفعل.
ومن حق الماكثين في المسجد أن لا نُعرضهم لهذا الابتلاء والأذى حيث يضيَّق على ما قد يشتغلوا به أثناء تواجدهم في المسجد، وربما يخرجهم من المسجد بحثاً عن سكينة مفقودة.
الحل المقترح، ما هو؟
إنه الإسرار بالقراءة بالنسبة للجماعات الثانية والثالثة… إلخ. بمعنى أن تصبح صلاتهم كصلاتَي الظهر والعصر.
لا أدعي أننا مخيرون على السواء بين الجهر والإسرار، ولكن معلوم أن إقامة الصلاة الجهرية سراً وارد في الشرع، تقوم به المنفردة أو المنفرد مثلاً، فهو لا يبطل الصلاة، بل ويتأكد عليهم ذلك إن كان في الجهر أذى لمن حولهم. وهذا القياس أفضل من أن نقارن الجماعة الثانية بالأولى، ففي الأولى يجتمع المسلمون الذين في المسجد خلف إمامهم بينما يحدث الأذى الذي أشرت إليه عند إقامة الجماعات التي تليها دون أن نجتمع خلفها -بطبيعة الحال-.
والجهر المنهي عنه يحصل بسماع شخص واحد له، وليس بالضرورة أن يكون بصوت مرتفع شديد، إذ يكفي أن يكون مسموعاً مفهوماً، وهذا يعني أن خفض الصوت لا يكفي، ولذلك كان الإسرار هو الأنسب حيث لا يؤمَن إسماع الماكثين في المسجد.
***
إن فكرة الإسرار هذه تخدم الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، حيث ننأى بالقرآن ونرفعه عن الموضع الذي يتساهل فيه الناس ويتركوا الاستماع، ليبقى تعظيم القرآن عند الجهر به في الموضع الذي يليق به.
فأي انطباع يتكون لدى النشء الماكثين في المسجد عندما يجدون تلاوة للفاتحة ثم لما تيسر من القرآن كما سمعوا في صلاتهم؟ وعلى ماذا يعتادوا من تكرار هذا الأمر؟
بالإضافة إلى ما سبق، ففي الإسرار المقصود تيسير للماكثين في المسجد على ما هم بصدده بعد انصرافهم من صلاتهم، كالذكر والتواصل وربما الاجتماع لحفظ القرآن ومدارسته… إلخ.
وأخيراً، إن الإسرار أهون من الرجوع إلى إيقاف الجماعات الأخرى كما كان الحال سابقاً، خاصة وأننا توصلنا إلى مشروعية إقامة جماعة ثانية من الحديث الذي فيه: «مَن يَتَصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه؟»
وهنا تذكير بالحديث الآخر الذي أوردته في المقدمة: «… فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ.»، فاللهم صلّ وبارك على نبينا محمد.
هذا والله أعلم وأحكم، والسلام على النبي ورحمة الله، والحمد لله.
________________
[1] للمزيد حول تاريخ مسألة الجماعة الثانية: http://saaid.org/bahoth/187.htm.
[2] أخرجه الترمذي، وأحمد واللفظ له، وصححه شعيب الأرناؤوط: https://dorar.net/h/wEammcs0
[3] وقد أفتى بذلك الشيخ ابن باز رحمه الله، وهي فتوى موثقة على موقعه الإلكتروني: https://binbaz.org.sa/ بعنوان: حكم من أتى المسجد وقد انتهت صلاة الجماعة
[4] لقد ذكرت طرفاً منه في المقدمة، أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، وروى مثله أبو داود وابن حبان وغيرهم. وصححه ابن باز والألباني، وصحح سنده شعيب الأرناؤوط.