التحقيق في تأملات الخليل- عليه السلام - الفلكية

أبو عبد المعز

Active member
إنضم
20/04/2003
المشاركات
618
مستوى التفاعل
26
النقاط
28
لقد ضل كثير من المفسرين – خاصة المتأثرون منهم بالفلسفة والكلام- في تأويل تجربة الخليل -عليه السلام - المروية عنه في سورة الأنعام ، فزعموا أن الخليل كان يبحث عن الرب وأن في قوله " لا أحب الآفلين" دليلا على استحالة قيام الصفات الاختيارية بالخالق من جهة ، وشاهدا على صحة ما سموه الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام‏ من جهة أخرى...

والتحقيق أن الخليل كان يبحث عن (الإله) وليس (الرب) ، فلا جرم أن يضل هؤلاء المتكلمون ، لأن( توحيد الربوبية ) عندهم يتماهى مع (توحيد الألوهية) ...

وأقصد ب "البحث عن الإله" أن الخليل كان بصدد السؤال التالي :

هل تستحق الكواكب أن تكون واسطة في العبادة - كما هو مذهب قومه- ؟

ولم يكن سؤاله :

هل يوجد بين الكواكب رب خالق ؟

والدليل على ذلك وجهان :

وجه عام ووجه خاص:

1- أما الوجه العام فإنه لا يليق بالخليل أن يبحث عما هو متجذر في الفطرة:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف : 173]

أهل السنة والجماعة من حيث الجملة يؤمنون بالميثاق وعالم الذر، ويعتقدون بأن المراد بعالم الذر هي الأرواح التي أخرجها الله من ظهر آدم حيث أخرجها كالذر أي كالنمل وأخذ عليها العهد بتوحيده. ولكنهم قد اختلفوا في كونه تفسيرا للآية، وجمهورهم يفسر الآية بذلك. لكن بعضهم يفسر الإشهاد الذي ورد في الآية بالفطرة على التوحيد...

ونرى أن الاختلاف شكلي لا تأثير له ، فالمقصود - على الاعتبارين- واحد ، وهو أن توحيد الربوبية هبة أومعطى وليس مكتسبا لا بالاجتهاد ولا بالاستدلال ولا بالحدس..

هذا المعطى سواء أسميته فطرة أم سميته ميثاق عالم الذر لا تختلف تبعاته ومقاصده كما بينت الآية :

أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ

فالحجة قائمة على الإنسان فليس له أن يتذرع بالغفلة لأن الغفلة عارض للذهن كالنسيان ، والنسيان أمر قد يعذر به الإنسان ، ولما كانت الغفلة غير مقبولة عذرا فهذا يعني أن توحيد الربوبية ليست من شأن العقل الذي قد يخطيء أو يغفل أو ينسى ...فهو مثل الشعور بالبرد أو الألم لا يحتاج إدراكه إلى تفكير أو تذكير.

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ

توحيد الربوبية ليس أمرا "ثقافيا" أيضا، فهو لا يؤخذ أصلا من البيئة المعرفية ولا تنقله المدارس والكتب التي خطها المجتمع ....والله تعالى يحاسب الفرد على التفريط في توحيد الربوبية حتى لو عاش وحده في جزيرة فلا يعذر بالجهل ولا بالغفلة عن المتداول في محيطه الثقافي ...

كل ذلك لأن معرفة التوحيد مغروز في فطرة الإنسان حتى لولم يتعلم في مدرسة أو يخالط أبناء جلدته، مثل الشعور بالجوع ، فالمرء يعرف أنه جائع ولو لم يكن قد سمع كلمة (جوع ) من قبل ولو ألقي به في جزيرة مهجورة كما ألقي بحي بن يقظان!

للكلام بقية إن شاء الله...
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الأخ عبد المعز
كلامك هذا يتناقض مع ظاهر القرآن الكريم لأن إبراهيم عليه السلام كان يبحث عن ربه وهذا واضح من كلامه:

﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ78﴾ سورة الأنعام​

فقوله "هذا ربي" تدل على بحثه عن الرب وليس الإله وهذا عكس ما صرحت به أنت
والتحقيق أن الخليل كان يبحث عن (الإله) وليس (الرب) ، فلا جرم أن يضل هؤلاء المتكلمون ، لأن( توحيد الربوبية ) عندهم يتماهى مع (توحيد الألوهية) ...

وقوله "إني بريء مما تشركون" يدل على توحيده الربوبية ولهذا فإن المشكل ليس في فهم المفسرين للآية بل المشكل في الاستدلال الخاطئ لبعض المفسرين الذي أدى إلى نتائج خاطئة، واعتراضك على النتائج الخطأ في محله ولكنك أنت أيضا ضللت عندما قمت بلي عنق التفسير ليتوافق مع ما هو صحيح، ولهذا تحتاج إلي بذلك المزيد من الجهد في التمحيص للعثور على مكمن الإشكال قبل التسرع في إطلاق الأحكام.
 
2- أما الوجه الخاص فيظهر في تعليق الخليل :

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام : 77]

فإن كان الخليل يبحث عن الرب فمن هذا الرب الحاضرفي وجدانه والذي يطلب منه الهداية ! هل يقول العاقل : إني أرى عينين جميلتين في متحفك فهبهما لي لأرى بهما !! كيف رأيت عينين وأنت فاقد البصر تبحث عن عينينَ لتبصر بهما !!!
 
ولقائل أن يقول إن كان توحيد الربوبية فطريا مغروزا في التكوين البشري فما لهؤلاء الأقوام من الملاحدة ينكرون وجود الرب!

نقول حالهم مع الله كحالهم مع نعم الله كما أخبرنا القرآن:

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل : 83]

وحالهم مع الله كحال أهل الكتاب مع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا في كتبهم التي يكتمونها:

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 146]

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 20]

أهل الكتاب يعلمون جيدا أن النبي مرسل من ربه لكنهم لا يعترفون به حسدا من عند أنفسهم ، كذلك الملاحدة يعلمون أن الرب موجود بفطرتهم لكنهم ينكرونه بأهوائهم وألسنتهم...

والمعروف أن أعتى الملاحدة لا يملك برهانا واحدا على عدم وجود الله...ويعلمون جيدا أن أي برهان يقولونه يدحضه كل ذي عقل بسرعة، لذلك يمتنعون عن الاستدلال ويكتفون بانتسابهم إلى اللا-أدرية أو يحاولون التشغيب على أدلة (المؤمنين) كما فعل( كانط ) مثلا عندما كر على أدلة الفلاسفة بالنقد والنقض...ولوسئل عن دليله هو في عدم وجود الرب لسكت لأن عاميا سيدحضه ...

لذا تجد كبير الملاحدة في عصرنا (برتراند راسل )يكتفي بالمذهب السلبي : أنا من اللا-أدرية....وليس له إلا الاختباء !
 
وبالمناسبة أدعو إخواننا المجادلين للملاحدة منكري وجود الرب أن يطالبوهم بالدليل تطبيقا للقاعدة القرآنية في الجدل:

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة : 111]

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي [الأنبياء : 24]

وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص : 75]

أقول هذا لأنني أعلم عجزهم عن الاستدلال ، فتراهم يعوضون عجزهم بتوجيه طاقاتهم إلى التشغيب على أدلة المثبتين ، فقصارى منهجهم الشيطاني التركيز على هدم أدلة الإثبات وإشغال المؤمن بالدفاع عن حججه ...فيقول لك مثلا ما دليلك ، فإن قلت القرآن ، قال اثبت لي أن القرآن حق ، فإن أثبته بعد كر وفر قال القرآن حمال أوجه والمفسرون اختلفوا في دلالة الآية التي تستشهد بها، وهكذا يستمر مسلسل التشغيب دهرا ...فيأخذ الملحد دور المهاجم ويرغمك على تقمص دور المدافع ...والصواب أن تطالبه بالدليل على زعمه عدم وجود الله واهجم على دليله وأقسم بالله إنك ستدحض حجته بأدنى تأمل وهو يعلم ذلك جيدا فتراه يجرك إلى أن تدافع لكي تنسى المهاجمة!!
 
اختار الخليل في بحثه من الفضاء المكاني السماء، ومن الفضاء الزماني الليل ...فلماذا؟

أما البحث عن المعبود في السماء فامتثالا للفطرة فلا تجد إنسانا سويا إلا ويتصور الرب في جهة العلو ...فالإغريق يتصورون مجتمع الآلهة في قمة جبل (الألمب) ، و(مانيتو) إله الهنود الحمر في السماء ، و( الشمس الاله ) عند اليابانيين في السماء ، وأول صفة للرب يذكرها النصارى في صلاتهم اليومية :"أبانا الذي في السماوات"

هاأنت ترى أنه مهما اختلفت الجغرافيا والتاريخ والحضارة فالثابت فيها كلها وجود المعبود في السماء ، سواء أكان هذا المعبود حقا أم باطلا.. ولا تجد إنسانا يدعو ربه إلا ويرفع يديه وعينيه إلى الأعلى...فوجود الرب في السماء أمر فطري أي تكويني ومن المحال أن يعارض الاستدلالي التكويني : فالله خلق الإنسان وجعل له يدين وجعل في فطرته النزوع إلى العلو عندما تستحضره ..فإنكار علو الله كإنكار أن يكون للأنسان يدان!

وما أبلغ وأحكم القصة التي رواها ابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش الاسلامية:

ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ الْمَقْدِسِيُّ مُحَدِّثُ الصُّوفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا عَرْشَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. . . وَكَلَامًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.

فَقَالَ: يَا شَيْخُ دَعْنَا مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا؛ فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ يَا اللَّهُ إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ الْعُلُوَّ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنَا؟

قَالَ: فَصَرَخَ أَبُو الْمَعَالِي وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ.
 
اختار الخليل في بحثه من الفضاء المكاني السماء، ومن الفضاء الزماني الليل ...فلماذا؟

أما البحث عن المعبود في السماء فامتثالا للفطرة فلا تجد إنسانا سويا إلا ويتصور الرب في جهة العلو ...فالإغريق يتصورون مجتمع الآلهة في قمة جبل (الألمب) ، و(مانيتو) إله الهنود الحمر في السماء ، و( الشمس الاله ) عند اليابانيين في السماء ، وأول صفة للرب يذكرها النصارى في صلاتهم اليومية :"أبانا الذي في السماوات"

هاأنت ترى أنه مهما اختلفت الجغرافيا والتاريخ والحضارة فالثابت فيها كلها وجود المعبود في السماء ، سواء أكان هذا المعبود حقا أم باطلا.. ولا تجد إنسانا يدعو ربه إلا ويرفع يديه وعينيه إلى الأعلى...فوجود الرب في السماء أمر فطري أي تكويني ومن المحال أن يعارض الاستدلالي التكويني : فالله خلق الإنسان وجعل له يدين وجعل في فطرته النزوع إلى العلو عندما تستحضره ..فإنكار علو الله كإنكار أن يكون للأنسان يدان!

وما أبلغ وأحكم القصة التي رواها ابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش الاسلامية:

ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ الْمَقْدِسِيُّ مُحَدِّثُ الصُّوفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا عَرْشَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. . . وَكَلَامًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.

فَقَالَ: يَا شَيْخُ دَعْنَا مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا؛ فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ يَا اللَّهُ إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ الْعُلُوَّ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنَا؟

قَالَ: فَصَرَخَ أَبُو الْمَعَالِي وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ.
 
أما البحث عن المعبود في الليل فامتثالا لسلطة الضرورة، ومن ثم تجد التناسب بين السماء والليل في هذا السياق: فالمرء يبحث عن ربه في جهة العلو بالفطرة، ويبحث عنه عند الاضطرار والشعور بالافتقار، ولا شك أن الليل هو الزمن الذي يشعر فيه المرء بالضعف والخوف فهو منعزل عن الجماعة وفاقد للرؤية يتوجس الخطر والأذى من كل جهة ومن كل القوى المرئية وغير المرئية فيجد نفسه مضطرا للالتجاء إلى منقذ فيرفع عينيه إلى السماء...

وتعبير القرآن شديد الإيحاء بهذا المعنى:

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام : 76]

فالخليل يشعر أنه واقع تحت سلطة محاصرة:

السلطة مفهومة من حرف الظرف "على" فهو في أسفل والسفلية توحي بالضعف والمقهورية

الحصار مفهوم من فعل " جَنَّ" فهو محاط بالليل من كل جهة، فهو إذن في الليل وتحته ، وهذا وضع شديد على الإنسان ...يشبهه الوضع الذي وصفه التنزيل :

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس : 22]

جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ

جَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ

والنتيجة واحدة : ضرورة دعاء الرب.
 
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا

للتنكير أهمية دلالية كبرى ، فمن المعلوم أن النكرة تدل على فرد شائع في جنسه، فلم ير الخليل كوكبا معينا أو معهودا (وإلا حلي ال"كوكب" بلام التعريف) وإنما رأى كوكبا من الكواكب ...وعليه فإن من زعم أن الخليل كان يبحث عن الرب وليس المعبود فقد انتقص من قدرات الخليل العقلية ، فالرب يعنى الخالق، وقوله حينئذ هذا ربي يعني هذا هو خالقي وخالق الكواكب الأخرى التي يجتمع معها في الجنس والنوع ! فهل اختار الخليل ربه بطريقة عشوائية أم يعتقد أن أفراد جنس الكواكب كلها أرباب ...وهذا لم يقله المشركون أبدا فكلهم يؤمنون برب واحد خالق السموات والأرض، وهذا المعنى مما كرره القرآن مرات :

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت : 61]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [العنكبوت : 63]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [لقمان : 25]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر : 38]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف : 9]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف : 87]

القرآن يصفهم بالجهل وقلة العقل ، مع أنهم مؤمنون برب واحد خلقهم من جملة ما خلق ....فهل الخليل أجهل منهم لأنه يستسيغ تعدد الأرباب: فقد رشح كوكبا ليكون ربه مع أنه يرى كواكب أخرى من جنسه ! فيلزم الخليل أحد الأمرين : أن يثبت ربا بمجرد الدعوى والتحكم - فهل هذا منهج من عرف عنه أنه يبهت محاوريه- ،أو يعمم الربوبية على كل أفراد جنس الكواكب وهذا لم يقله حتى المشركون الجهال انفسهم!
 
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام : 76]

زعموا أن الآفل يعني المتغير، والمتغير حادث ، والحادث ممكن كائن بعد أن لم يكن ، فلا يصح أن يكون ربا ....هكذا كان توجيههم لقول الخليل وهو توجيه بين التهافت :

فقد جردوا معنى " آفل" من كل دلالاته المعجمية ، واحتفظوا فقط بمعنى التغير ، وهو معنى عقلي شديد التجريد والتعميم ، وفي هذه الحال يلزمهم ترادف الضدين فيكون (البازغ ) و(الآفل) يتحدان في معنى التغيرفأيهما استعمل الخليل فهو صحيح !

ما أراد الخليل إلا المعنى الخاص للأفول بدليل أنه ملحوظ عنده في الكوكب والقمر والشمس جميعا ، وتذرع بظاهرة أفولها لينصرف عن احتمال الوهيتهم...

ثم ماهذا البطء في التفكيرعند الخليل – على مذهب هؤلاء المفسرين- وما هذه السذاجة في الاستدلال التي لا تليق إلا بالمتخلفين عقلا، فمثل الخليل – وحاشاه- كمثل من ركب سيارة وسافر على متنها ساعات فلما وقفت قال اعلم الآن فقط أنها كانت متحركة لأنها وقفت !! التغير والحركة ملحوظان بمجرد البزوغ عند كل ذي عينين وعقل، لكن الخليل لم يدرك ذلك إلا بمراقبة الكوكب ساعات و عند لحظة الأفول تحديدا!!!
 
وهاهنا بحث :
هل كان الخليل في مقام "النظر" أم في مقام "المناظرة"؟

هل كان "ينشيء" لنفسه عقيدة ذاتية أم كان بصدد" نقد" ثقافة سائدة؟

- فرضية "النظر" ترشحها آية ابتداء التأمل:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام : 75]

الظاهر أن الخليل كان عنده شيء من الشك والارتياب فهداه ربه إلى التأمل ليزول كل ذلك فيصبح "من الموقنين"، فتكون التجربة ذاتية محضة ..

- فرضية "المناظرة" ترشحها آية انتهاء التأمل :

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام : 78]

فما أن أفلت الشمس إلا وأقبل الخليل على خطاب قومه : يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، فكأن المقصود إبطال نظرية قائمة لا استحداثها

وقد انتصر كثير من المفسرين لفرضية المناظرة فرأوا أن الخليل كان يريد أن يثبت لقومه بطلان عقيدتهم أما عقيدته هو فهي سليمة، وقوله "هذا ربي" في المراحل الثلاث هو من باب ( الافتراض الجدلي ) الذي يسلم به المناظرعلى سبيل الجدل- لا على الحقيقة - ليبطل به دعاوى الخصم ...وهذا التأويل أحسن بكثير ممن زعم أن "هذا ربي" جملة استفهامية حذفت من صدرها همزة الاستفهام، وأن مراد الخليل الاستنكار أو الاستهزاء: "أهذا ربي"! وهذا الزعم يفتح بابا عظيما من الشر في تأويل القرآن، فلكل صاحب هوى - إذا لم تعجبه جملة - أن يدعي فيها الاستفهامية بتقدير همزة محذوفة! نعم، يجوز في كلام الناس حذف همزة الاستفهام لكن مع وجود قرينة كبرى هي النبرالدال على الاستفهامية ، فيكون النبرتعويضا كاملا للهمزة المحذوفة، فقول القاضي – مثلا- للمتهم: "قتلتَ" تحتمل الإخبار والاستفهام معا ، والفرق بينهما خطير جدا، فعلى الإخبار يكون القاضي قد أصدر حكما وسيعدم المتهم ، وعلى الاستفهام يكون القاضي في مرحلة التحقيق، ولا يفصل بين المعنيين إلا النبر في السماع، فأنى هذا الفصل في القرآن و الكلام المكتوب !! ونقول - مطمئنين – إن ادعاء حذف أداة الاستفهام في أي جملة في التنزيل باطل ، وإن جوزه أهل النحو، لأن القرآن وصلنا بالحروف والأصوات ولم يصلنا بالنبرات، والنبرة كما علمت ضرورية لتمييز الاستفهام، ومن نماذج غثاء بعض المفسرين قولهم في تأويل الآية:

فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس : 81]

فقد زعموا أن في عبارة "مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ" جملتين استفهاميتين. الأولى : ما جئتم به ؟ فتكون ما استفهامية لا موصولية ، والثانية : آلسحر؟ بحذف همزة الاستفهام ...وكأنهم كانوا شاهدين وسمعوا موسى ينطق الجملتين بنبرة الاستفهام!! وما أصدق قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: “من تتبع الغريب كَذَبَ”.
 
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام : 77]


هذه الآية حاسمة :

فقد تكررت كلمة "ربي" مرتين ، وليس من الجائز أن تدلا على معنى واحد لما يترتب عنه من لغو وتحصيل حاصل يتنزه عنه العقلاء...فالمفروض أن الخليل يبحث عن ربه فكيف يطلب من المبحوث عنه أن يساعده في البحث وهذا المساعد هو نفسه المبحوث عنه!!

هب رجلا يقول لصديقه الذي بجانبه : ياصديقي لقد اشتقت لرؤيتك فهلا كنت دليلي لأعرف المكان الذي أنت فيه الآن فأزورك!

أو هب رجلا آخر يقول لطبيب ماهر: أنا عاقر فهل عندك دواء للعقم وإني لأثق فيك لأنك ابني من صلبي!

لا يستقيم المعنى إلا إذا اختلفت الدلالة، فيقول الرجل مثلا ": ياصديقي دلني على صديق " فيكون الدال شخصا والمدلول عليه شخصا آخر ...
 
لم يكن الخليل ييحث عن ربه بل كان يختبر العقيدة السائدة في قومه إما عن طريق المناظرة أو عن طريق النظر (والنظر هو ما نرجحه) . والعقيدة السائدة محورها وجود وسائط بينهم وبين ربهم وهذه الوسائط هي الآلهة التي يدعونها ويتبركون بها ويقدمون لها القرابين ويلهجون بذكرها...ومحال أن يعتبروها أربابا خالقة...فإذا كان المرء منهم ينحت حجرا بيده ثم يشكل منه كائنا لم يكن من قبل أفيعتقد أن هذا الحجر المنحوت هو ربه الذي خلقه وخلق اليد التي شكلته وخلق الصخرة التي هو نحت منها فيكون لسان حال المرء : "لقد خلقت بيدي الرب الذي خلقني"!!

لوكان الأمر على هذا النحو- وهو ما يعتقده من لا يميز بين الألوهية والربوبية- لكان الله الحكيم قد أرسل إلى قوم ابراهيم وإلى البشرية جمعاء أطباء عقول قبل أن يبعث إليهم برسول!!
 
عودة
أعلى