هل يجوز منع اللعان بالشاهد العلمي عند رمي الزوجة بالزنا؟(فهم جديد للفظة شُهداء في آية رمي الزوجة بالزنا)

إنضم
08/02/2024
المشاركات
219
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
العمر
53
الإقامة
مصر، المنصورة
هل يجوز منع اللعان بالشاهد العلمي عند رمي الزوجة بالزنا؟
(فهم جديد للفظة شُهداء في آية رمي الزوجة بالزنا)


إذا رمى الزوج زوجته بالزنا ولم يكن له شُهداء، وأصر على أنه صادق فله أن يُلاعن لدرء حد القذف عنه. واللعان هو حلف الزوج بالله خمس مرات أنه صادق، وتحلف الزوجة بالله خمس مرات أنها صادقة، ويترتب عليه لعن الكاذب منهما، والتفريق بينهما، ونفي نسب الولد للزوج إن طلب ذلك، ويُنسب لأمه، ثم يُترك أمر الزوجين لله، فهو وحده يعلم الصادق والكاذب. وقد طبق النبي آية اللعان في حادثتين، الأولى لهلال ابن أمية، والثانية لعويمر العجلاني، وفي كلا الحادثتين لم يكتف النبي باللعان، ولكن أعقبه بالقيافة ليكشف الصادق من الكاذب، فتبين له وللأُمة أن هلال وعويمر صادقين في رمي زوجتيهما بالزنا، وأن الولد ليس لهما ولكن للزاني شريك ابن السحماء.

■ ماذا لو خالفت القيافة نتيجة اللعان، فكان الزوج كاذب؟

معلوم أن اللعان يدرأ الحدود لقول رسول الله في أحاديث القيافة بعد اللعان (لولا الأيمان لكان بيني وبينها شأن)، أي لأقام على الزوجة الزانية حد الرجم، ولكن منعه حكم اللعان. وهذا يعني أن القيافة لا تنسخ حكم اللعان طالما صدق الزوج وكذبت الزوجة، وظهر أنها زانية. ولنا أن نتساءل، إذا جاءت نتيجة القيافة مُخالفة لنتيجة اللعان، أي ثبت بالقيافة أن الزوج كاذب والزوجة لم تزن، والولد يثبت نسبه للزوج، فهل كان سيبقى أثر اللعان، أم يُلغى أثره؟. هل كان النبي سيرضى بظلم المرأة؟، ويترك زوجها الظالم بلا عقاب؟، ويظلم الطفل بقطع نسبه عن والده الحقيقي؟.

وقبل الجواب رجاء نتذكر أنني سبق وبينت بالأدلة أن القيافة أكثر يقينية من اللعان، وأنها هي التي دلتنا على صدق أيمان هلال وعويمر، وكذب زوجتيهما. ورجاء أيضاً نتذكر أن الأحكام الشرعية والقضائية لا تكون في أصلها بمنأى عن المراجعة إذا ظهر بعد الحكم ما يغير وجه القضية؛ فالاستئناف، والنقض، وإعادة المحاكمة، وتصحيح الأحكام عند ظهور الخطأ، كلها مبنية على إمكان مراجعة الحكم عند وجود قرائن مُعتبرة، والدليل الأقوى يُقدم على الدليل الأضعف عند التعارض، ولذا فإن البحث في إمكان استئناف أثر اللعان بقرينة علمية أقوى ليس خروجًا عن مبدأ الشرع والقضاء، وإنما هو إقامة للحق ومنع للظلم. وأنا هنا لا أُلغي اللعان، ولا أطعن في مشروعيته، ولكن فقط أبحث في علاقته بالدليل العلمي الذي استعمله النبي بعد اللعان وهو القيافة، فالنبي استعمله لهدف واضح وهو معرفة الصادق والكاذب، وهذه المعرفة ينبغي ان يترتب عليها إجراء، فإن صدق الزوج درأنا الحد باللعان، وإن كذب أعدنا المحاكمة طالما أمكن ذلك بأدلة قوية.

■ هل يمكن تقديم القيافة (البصمة الوراثية) على اللعان عند وجود ولد يُراد نفي نسبه؟

إذا أمكن الرجوع عن اللعان بالقيافة في حال كذب الزوج كما اقترحت أعلاه، فهل يمكن تقديم القيافة (أو البصمة الوراثية) على اللعان في حال وجود ولد يُراد نفي نسبه، فتصبح القيافة شاهد علمي، فلا يتمكن الظالم من الهروب بفعلته، فإن كان الزوج كاذب في قذف زوجته طاله العقاب ولم ينف نسب الولد له، وإن كان الزوج صادق، فتُعاقب الزوجة الزانية ولا نمكنها من اللعان.
وبصفة عامة إذا كان الزوج يمتلك دليل علمي (شاهد) غير نفسه على زنا الزوجة، وأن الولد ليس منه، فلماذا يُجبر على اللعان؟!!!. فشرط اللعان الأول هو غياب الشُهداء كما قال الله في حالة قذف الزوج لزوجته (والذين يرمون أزواجهم #ولم #يكن #لهم #شهداء #إلا #أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين).

■ ما المقصود بلفظة (شُهداء) في آية رمي الزوجة بالزنا؟

معلوم أن أهل العلم حملوا لفظة (شُهداء) في آية رمي الزوجة على عدد الشُهداء في آية قذف المحصنة فجعلوهم أربعة من البشر، وهم محقون ولكن في حالة واحدة فقط، وهي تماثل القضيتين فيقول الزوج شاهدت زوجتي تزني كما في حادثة هلال ابن أمية، وحادثة عويمر العجلاني، فأصبح الزوج مُطالب بأربعة شهود غيره ليُقام على زوجته الحد، فإن جاء بهم فلا يجوز الإحتكام إلى اللعان وإن طلبته الزوجة وأهلها. ولكن حين يقذف الزوج زوجته بالزنا، وهي حامل او بعد الولادة مُباشرة، وهو على يقين بأن هذا الحمل ليس منه، ويستطيع أن يثبت ذلك بشاهد علمي فحينها لابد أن نرجع لفهم سبب تنكير كلمة (شُهداء) في قول الله (ولم يكن لهم شُهداء إلا أنفسهم)، ونسأل لماذا لم يعرفهم الله بالعدد أربعة فيقول (ولم يكن له أربعة شهداء) او بالألف واللام، فيقول (ولم يأتوا بالشهداء)؟. وأيضاً لابد أن نسأل أنفسنا، هل كل شاهد في القُرآن هو من البشر؟.

وقبل الجواب ينبغي أن نلتفت لنقطة غاية في الأهمية تخص العلاقة الخاصة بين الزوج وزوجته، فالزوج حين يتهم زوجته بالحمل من زنا فهو قادر على تقديم أدلة لا يمكن لقاذف المُحصنة (شخص غير الزوج) أن يقدمها، بحكم أنه الوحيد بعد الله الذي يعلم طبيعة العلاقة الزوجية في الفراش، أين ومتى تمت، وبالتالي يقدر على معرفة هل الحمل منه أو لا، وإليكم الأمثلة التطبيقية التالية؛

1. زوج حملت زوجته وولدت لأقل من ستة أشهر من الزواج، فأصبح هذا دليل وشاهد على زنا الزوجة.

2. زوج يعلم أن عنده مرض يستحيل معه الإنجاب، والأطباء حكموا بذلك، فهذا دليل على زنا الزوجة إذا حملت.

3. زوج مسافر أو مسجون وزوجته حملت وولدت بعد مدة من غيابه تزيد على سنة، فهذا دليل على زنا الزوجة.

وفي جميع الأمثلة السابقة نلاحظ أن الزوج يستطيع إحضار شاهد علمي على استحالة أن يكون الولد من فراشه، وهو ما يسميه الفقهاء بدليل الإمكان، فقد اتفق كثير من أهل العلم على أن حديث الولد للفراش مقيد بالإمكان زماناً، ومكاناً، وقدرةً، فإذا أثبت الزوج عدم إمكان أن يكون الولد منه زماناً ومكاناً، أو لغياب القدرة (سبب طبي)، فكيف نقول له أحضر أربعة أشخاص ليشهدوا معك على زنا الزوجة؟!، وكيف يُقال له الولد للفراش، ولا يجوز نفي نسب الولد إلا باللعان؟!!.

ومعلوم اصولياً أن الظن لا يُقدم على اليقين، فالحكم بالفراش أو اللجوء إلى اللعان هو إحتكام للظن، وليس لليقين، وفي كليهما نحن نترك الحكم لله لعدم وجود دليل يقيني نستند له، ولكن إذا قدم الزوج شاهد علمي يقيني على استحالة أن يكون الولد منه، فالقاعدة تقتضي تقديم اليقين على الظن.

■ الفائدة من التنكير في لفظة (شُهداء)، وهل الشاهد في القُرآن يمكن أن يكون قرينة يقينية

التنكير في القرآن الكريم يُعد من أهم الأساليب اللغوية التي تفتح آفاقاً واسعة ومستمرة لتفاسير جديدة ومعاصرة، فالنكرة تفيد التنوع، وتفيد العموم والشمول، وهذا الفهم قد يجعلنا نتوسع في فهم مُراد الله من تنكير لفظة (شُهداء) في آية رمي الزوج لزوجته بالزنا، فلايقتصر المعنى على أربعة شهود رجال، بل قد يتجاوزه لشهادة كل قرينة يقينية (الشاهد العلمي). ومما يقوي هذا الفهم أن الشاهد في القُرآن لا يُشترط أن يكون من البشر، بل يمكن أن يكون قرينة يقينية، كما هو الحال في الشاهد في قصة نبي الله يوسف، ومع أن الشاهد من البشر إلا أنه لم يشاهد الحدث بعينه، ومع ذلك سمى الله قوله شهادة، وسماه شاهد (وشهد شاهد من أهلها)، والمُتدبر لشهادته سيجد أنه اعتمد على القرينة اليقينية (إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وفي الآية دليل على أن القرينة اليقينية تقوم مقام شهود العيان، وأي قرينة يقينية تحتاج لخبير ليستخرجها ويظهرها للناس، وهذا الخبير بالقرائن يُعد حينها كأنه شاهد عيان لقوة حُجته. وهذا ما فعله النبي في قضيتيّ هلال وعويمر، حيث بين الصادق من الكاذب باستخدام القرينة اليقينية وهي القيافة، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة.

وهنا نأتي لأهم سؤال في البحث، هل هناك دليل يُجيز تقديم الشاهد العلمي على اللعان، فيكون من شُهداء الزوج إذا رمى زوجته بالزنا؟. فأقول وبالله التوفيق، نعم يوجد دليل قوي من فعل صحابة رسول الله، ولهم شاهد من فعل رسول الله.

■ الصحابة أجازوا تقديم الشاهد العلمي على اللعان، ولهم في رسول الله الأسوة الحسنة.

أصحاب رسول الله لهم حديث صحيح منعوا فيه اللعان بالشاهد العلمي، وذلك في قصة المرأة التي وضعت ولدها لستة أشهر من زواجها، فرفع زوجها أمرها لسيدنا عُثمان، وفي رواية لسيدنا عُمر (يبدو ان القصة تكررت)، حيث جاء زوجها بقرينة علمية تدل على أن زوجته زانية، فالمعهود في زمنه أن المرأة لا تلد لستة أشهر حمل، وهذا يثبت أنها زنت وحملت قبل زواجها به. وهذه القرينة العلمية كانت مُقنعة للحاكم فقدمها على حديث الولد للفراش، وأيضاً على اللعان، فأمر برجم الزوجة.
ولكن بعض الصحابة لم يرض بهذا الحكم، ليس لأن الولد للفراش، ولا لأنه يمكن درء الحد باللعان، ولكن لأن لديهم شاهد علمي أقوى يثبت أن المرأة ليست زانية، فقال ابن عباس (أو سيدنا علي في رواية مالك)، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، وقال والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها ".

لعل البعض يقول فعل الصحابة ليس بحجة، فأقول وبالله التوفيق بأن فعل الصحابة موافق لفعل النبي وحكمه في حديث الصحابي الذي اشتكى للنبي أن امرأته ولدت غلاماً أسود وهو أبيض اللون، فقدم الصحابي شاهد علمي على زنا امرأته، وفي هذه الواقعة النبي لم يقل للصحابي أحضر أربعة شهود أو اللعان، ولنا أن نسأل لماذا لم يفعل النبي ذلك؟
والجواب أن النبي قبل منه شاهده العلمي، فأصبح للصحابي شاهد غير نفسه، وهو لون المولود، وضعف المعرفة بعلم الوراثة في ذلك الزمان جعل الصحابي يظن أن معه شاهد علمي قوي، ولكن النبي الذي لا ينطق عن الهوى رد حجته العلمية بحجة علمية أقوى، فالنبي يعلم أن بعض صفات الولد قد لا تشبه أحد الأبوين، وإنما تشبه أحد الأجداد، فقال للاعرابي (هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟. قال حُمر قال هل فيها من أورق؟. قال نعم، قال فأنى كان ذلك؟، قال أراه عرق نزعه، قال فلعل ابنك هذا نزعه عرق).

■ خُلاصة ما سبق

الآن يمكننا أن نستنبط من فعل النبي والصحابة، أنه يجوز تقديم الشاهد العلمي على اللعان وعلى حديث الولد للفراش، وأن من حق الزوجة (أو من يُدافع عنها) السعي للبراءة من تهمة الزنا بالشاهد العلمي، كما أنه يحق للزوج (أو من يطالب بحقه) أني يستعين بالشاهد العلمي إذا قذف زوجته بالزنا، أي أن الشاهد العلمي يصلح كدليل نفي وإثبات في قضايا النسب، ويجب على القاضي أن يكون بمثل ذكاء النبي والصحابة ليتمكن من الحكم على الشاهد العلمي، هل هو يقيني فيقبله من شُهظاء الزوج، أم ضعيف يمكن رده بشواهد علمية أقوى، والله تعالى أعلى وأعلم.

وقبل أن اختم أود الإشارة إلى أن القيافة والبصمة الوراثية في قضايا النسب هما من أقوى الشهود العلمية التي يمكن أن يُستخدما في النفي والإثبات، فهما شاهد من لا شاهد له من البشر، فهما من شهود اليقين لا شهود الظن مثل الفراش واللعان، وأتمنى أن يُناقش هذا الأمر في مجامع البحوث الفقهية لإثبات أنه يمكن استخدام القيافة والبصمة الوراثية كشهود للزوج أو ضده إذا قذف زوجته بالزنا، وادعى أن ما في بطنها، او ما ولدته هو ولد زنا، فلا يُمكن القاضي الزوجان من اللعان فيظلم أحدهما الآخر بالأيمان الماذبة، بينما هناك شاهد علمي يقيني يمكنه أن يبين الصادق من الكاذب، والله تعالى أعلى وأعلم.

اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطا أو سهو أو نسيان فمني وحدي والله ورسوله منه براء.

د. محمود عبدالله نجا
كلية طب المنصورة، مصر

■ المراجع: في أول تعليق
 
2/


 
 
 
عودة
أعلى