• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • إشكال حول قراءة القرآن بالمعنى ، فهل من مجيب ؟

      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد

      فأشكر الله تعالى الذي هيأ لنا هذا المجلس القرآني والمنتدى التفسيري والذي جمع نخبة من المتخصصين في هذا الفن مما يعز توافره في منتدى آخر ، وهذا بدوره سيميز هذا المنتدى من حيث العمق والتأصيل والجدة ، والثقة بما يطرح فيه .

      ثم أشكر من قام على هذا المنتدى فأقام بنيانه وشد أركانه ، حتى قام على ساقه ، وتألق سريعا ، وجمع بين نضارة المظهر وجودة المخبر ، وأرجو أن يكون له حظ كبير من قوله :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ...الحديث " رواه مسلم .

      ثم أنتقل إلى الموضوع فأطرح على الإخوة إشكالا حول مسألة قراءة القرآن بالمعنى ، فالمشهور عدم جواز ذلك ، والمسألة مشهورة في الحديث النبوي .
      لكن وقفت على مايخالف ذلك في ظاهره :
      1- عن أبي بن كعب ، عن النبي قال:
      "يا أبي بن كعب، إني أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: (غفوراً رحيماً) أو قلت: (سميعاً عليماً) أو قلت: (عليماً سميعاً) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب" أخرجه أحمد 5/124، وأبو داود (1477) وصححه الألباني في صحيح الجامع 2/ 1294 ، وفي تحقيق المسند 35/85 : إسناده صحيح على شرط الشيخين .

      2- قال ابن حجر في الفتح 8/644 :" ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعا له " .

      3- نقل الذهبي في السير 5/347 عن أبي أويس قال :" سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال : إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث ، إذا أصيب معنى الحديث ولم يحل به حراما ولم يحرم به حلالا فلا بأس ، وذلك إذا أصيب معناه ."

      فأرجو من إخواني المتخصصين – ولست منهم – إفادتنا في ذلك .
      وجزاكم الله خيرا

    • #2
      [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]

      اللهم إني أعوذ بك من العجب بما أحسن ، كما أعوذ بك من التكلف لما لا أحسن ، اللهم حبب إلينا الحق ، واعصمنا من الحيرة والشبهة ،و اجعل بيننا وبين الصدق سببا ، وحبب إلينا التثبت فيما نقول ونكتب.
      أولاً : أرحب بالشيخ الكريم خالد الباتلي وفقه الله ، وكم نحن سعداء بمشاركته لنا في هذا الملتقى ، مما يعطي للملتقى نوعاً من الثقة بوجود أمثاله بين الأعضاء.

      ثانياً: ذكرت - حفظك الله- مسألة (قراءة القرآن بالمعنى) ، وأن المشهور فيها عدم الجواز ، وشهرة هذه المسألة عند المُحدّثين ، وأنك وجدت ما يخالف – في ظاهره – هذا القول المشهور ، ونقلت جواب الإمام الزهري لأبي أويس عندما سأله عن جواز رواية الحديث بالمعنى فقال :( أن هذا يجوز في القرآن ، فكيف به في الحديث ، إذا أصيب معنى الحديث ، ولم يحل به حراماً ، ولم يحرم به حلالاً فلا بأس ، وذلك إذا أصيب معناه).
      ونقلت – وفقك الله - قولاً لابن حجر العسقلاني يثبت فيه أن غير واحد من الصحابة كان يقرأ بالمترادف ولو لم يكن مسموعاً له.

      فأذن لي يا أخي الكريم أن أشير إلى بعض المسائل التي ربما تكون جواباً للمسألة ، مع بقاء الباب مفتوحاً للإجابة من الأعضاء الكرام وفقهم الله جميعاً ، فلن أدعي أنني لن أترك مقالاً لقائل ، فأقول مستعيناً بالله:
      أولاً: يجب أن يكون نصب عين الباحث في الشبهات والدعاوى التي تتناول القرآن الكريم قوله تعالى:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر : 9]. وقوله تعالى:(إن علينا جمعه وقرآنه)[القيامة:17].
      وقد ثبت بإجماع الأمة - كما نقله غير واحد من المفسرين ، ومنهم الباقلاني في الانتصار للقرآن - أن الله تعالى لم يرد بهاتين الآيتين أنه تعالى يحفظ القرآن على نفسه ولنفسه ، وأنه يجمعه لنفسه وأهل سماواته دون أهل أرضه ، وأنه إنما عنى بذلك أنه يحفظه على المكلفين للعمل بموجبه والمصير إلى مقتضاه ومتضمنه ، وأنه يجمعه لهم فيكون محفوظاً عندهم ومجموعاً لهم دونه محروساً من وجوه الخطأ والغلط والتخليط والإلباس.
      وبهاتين الآيتين وجب القطع على صحة مصحف الجماعة ، الذي جمع في عهد عثمان بن عفان ، وسلامته من كل فساد.وانتفاء كل شبهة ، وبطلان كل دعوى. ثقة منا في وعد الله وعد الله الذي لا يخلف وعده.
      ثانياً : هذه المسألة التي ذكرتها – وفقك الله - مرتبطة بمسألة الأحرف السبعة ، بل هي متفرعة عنها ، ومبنية على قول بعض العلماء بأن المقصود بالأحرف السبعة هي (سبعة أوجه من المعاني المتفقة ، بالألفاظ المختلفة ، نحو : أقبل ، وهلم ، وتعال ، وعجل ، وأسرع ، وأنظر ، وأخر ، وأمهل ، ونحوه) . وكلام الإمام محمد بن جرير الطبري في جامع البيان ربما أفاد هذا المعنى. فهو يستشهد عليه بقول النبي لعمر بن الخطاب :(يا عمر ، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً ، أو عذاباً رحمة).

      ثالثاً: أن تسمية هذه المسألة (جواز قراءة القرآن بالمعنى) قد ردها كثير من العلماء قديماً وحديثاً .
      وممن رأيته ردها أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن 1/65 بقوله :(القراء السبعة متبعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم ، التي لا شكوك فيها ، ولا أنكرت عليهم ، بل سوغها المسلمون ، وأجازوها لمصحف الجماعة ، وقارئون بما أنزل الله جل ثناؤه ، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده وممنوع من إطلاقه ، والقراءة به ، وأنه لا يجوز ولا يسوغ القراءة على المعنى دون اتباع لفظ التنزيل ، وإيراده على وجهه ، وسببه الذي أنزل عليه ، وأداه الرسول ).
      وكذلك الإمام ابن الجزري في النشر بقوله :(أما من يقول بأن بعض الصحابة ، كابن مسعود ، كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. إنما قال : نظرت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم).
      وردها القاضي أحمد بن عمر الحموي في كتابه القواعد والإشارات في أصول القراءات فقال :(أما ما نقل عن الصحابة بأنهم يجيزون القراءة بالمعنى دون اللفظ كالذي نسب لابن مسعود فلا يصح).
      وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى في الفتاوى 13/397 :(وأما من قال عن ابن مسعود أنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ، وإنما قال : نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة ، وإنما هو كقول أحدكم : أقبل ، وهلم ، وتعال ، فاقرأوا كما علمتم ، أو كما قال).
      فليست النظرية هنا مما يصح أن يسمى (القراءة بالمعنى) كما نفهمه مثلاً في رواية الحديث بالمعنى ؛ لأن (القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز ، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل أو غيرهما).

      رابعاً : أن المستشرقين هم الذين أثاروا هذه الشبهة في العصر الحديث ، وقد دلفوا من خلالها لاتهام القرآن بأنه قد دخله التحريف والتبديل ، لأنه يجوز لكل أحد أن يقرأ بما شاء ، حتى قال أحد كبارهم وهو بلاشير : فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم وإنما روحه. وهذه النظرية (القراءة بالمعنى) تعد من أخطر النظريات ؛ لأنها تكل تحديد النص القرآني إلى هوى كل شخص وفهمه ، يثبته على ما يهواه!
      وقد تبع هؤلاء المستشرقين بعض من أبناء المسلمين الذين لم يتدبروا القول ، فقد كتب الدكتور مصطفى مندور – عفا الله عنه – في بحث له بعنوان (الشواذ) وكان رسالة علمية مقدمة لكلية الآداب بباريس :(هنالك على الأخص نقطة وقع عليها اتفاق كثيرين هي أن القرآن ربما قرئ بأوجه كثيرة ، ولكن الأساس هو أن يحترم المعنى ..)
      وقد استدل بقول عمر بن الخطاب : (والقرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذاباً ، أو عذاباً مغفرة ). وهو نفس معنى حديث أبي بن كعب الذي أوردته.
      واستدل كذلك بقول عبدالله بن مسعود القريب منه :( لقد سمعت القراء ووجدت أنهم متقاربون فاقرأوا كما علمتم ، فهو كقولكم هلم وتعال).
      واستدل كذلك بقصة كاتب الوحي عبدالله بن أبي السرح واستدل بعدها بقصص وأخبار استقاها من كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني ، وكلها من شواذ المسائل والأدلة ، واستدل كذلك ببعض القراءات التي مرجعها إلى الاختلاف في اللهجات الذي يحتمله الرسم العثماني.

      فهؤلاء المستشرقون ظنوا – جهلاً منهم – أن للصحابة وللتابعين قدرة على التدخل في النص القرآني ، توضيحاً لما غمض منه ، أو إقامة لخطأ في شكله أو صيغته ، أو تضميناً لبعض الاتجاهات اللاهوتية كما يعبر المستشرقون!!
      فالدافع للصحابة والتابعين في نظر المستشرقين إلى التغيير في النص القرآني هو غموض النص القرآني أحياناً ، أو أن القرآن فيه كلمات غير فصيحة فتم استبدالها بالأفصح ، أو استغلال القرآن لمصالحهم وأهدافهم الدينية!!
      وهذا كله كما تلاحظ يدل على جهل عميق لدى هؤلاء المستشرقين ، أو حقد دفين ، أحدهما أو كلاهما!! لأن كل ما استشهدوا به على دعواهم هو من القراءات التفسيرية. وقد رد أبو حيان هذه الحجة عند تفسيره لقوله تعالى في سورة البقرة :(فأزلهما الشيطان عنها) عندما ذكر قراءة ابن مسعود (فوسوس لهما الشيطان عنها) : (وهذه القراءة مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه ، فينبغي أن تجعل تفسيراً. وكذا ما ورد عنه – أي ابن مسعود – وعن غيره مما خالف سواد المصحف).
      ومعلوم أن ما خالف المروي من القرآن متواتراً ، أو ما اشتهر من السنة الصحيحة ، أو ما أجمع العلماء عليه مما يقلل الثقة بالرواية ، ويجعلها في عداد الروايات الواهية التي لا يحتج بها.
      وأما استدلال بعضهم بالأحرف السبعة ونزول القرآن عليها على تجويز القراءة بالمعنى ، فهذا استدلال باطل ؛ لأن الأحرف السبعة لم تكن تتبع هوى الصحابة بحيث يقرأون كيف ما يشاءون كما صور ذلك المستشرقون كبلاشير وجولد زيهر ونولدكه ومن اغتر بكلامهم من الباحثين ، بل كانت في حدود المسموع المتلقى عن رسول الله ، وهذا هو ما أجمع عليه العلماء المحققون. [انظر المدخل لأبي شهبة 207].
      ولذا كانت إجابته لكل من عمر بن الخطاب ، وهشام بن حكيم عقب سماعه منهما سورة الفرقان على إثر الخلاف بينهما في الحرف (هكذا أنزل). والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما كما لايخفى عليكم.
      يقول أبو شهبة :(وإن لنا لوقفة عند هذا الرأي الأخير ، المجوز لتبديل فواصل الآي بعضها ببعض مما هو من صفات الرب ، فإن هذا خلاف الإجماع ، ويؤدي إلى ذهاب الإعجاز ، فإن من إعجاز القرآن هذا التناسب والترابط القوي بين الآية وخاتمتها ، فلو جاز إبدال خاتمة بأخرى لعاد بالخلل على إعجاز القرآن).
      وقال القاضي عياض نقلاً عن المازري :(وقول من قال المراد خواتيم الآي فيجعل مكان (غفور رحيم) (سميع بصير) فاسد أيضاً ؛ للإجماع على منع تغيير القرآن للناس).
      فلا شك أن معنى القراءات الصحيحة في الآية الواحدة متقاربة ومنسجمة وغير متناقضة. ومما يؤكد أن مقصوده الاتباع في القراءة والتلقي لا الاجتهاد والتشهي قوله :(فاقرأوا كما عُلِّمتم) وهذا كله يبطل هذه الدعوى.
      وقد استدلوا كذلك بموقف عبدالله بن المبارك - – أنه كان لا يرد على أحد حرفاً ، فلا دليل لهم فيه لجواز أن من كان يقرأ عليه كان يعتمد على قراءة صحيحة الرواية ، لذا فلا يجوز منه أن يرده عن قراءته السبعية بل يصحح لمن يخطئ في القراءة السبعية لا غير.

      وأما قول الإمام الزهري أنه يجوز قراءة القرآن بالمعنى فضلاً عن الحديث النبوي ، فهذا اجتهاد منه ، وإلا فإن الصحابة كانوا يحرصون أن يرووا الحديث بلفظه ولا يجيزون روايته بالمعنى حتى إن أنس بن مالك كان إذا حدث عن النبي يقول :(أو كما قال). محترزاً بذلك. خوفاً من أدائه على غير لفظه ، فإذا كان هذا موقفهم من الحديث النبوي الشريف فمن باب أولى القرآن الكريم. والإمام الزهري هو الذي روى حديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم ، وفيه قول عمر وقول هشام (أقرأني رسول الله). وعلى هذا فيحمل قوله في الإجابة لأبي أويس على أن ذلك يجوز فيما نزل به الوحي من ذلك ، وأما أنه يجوز ذلك مطلقاً فلا.
      وليتنبه إلى أن هؤلاء المستشرقين وأمثالهم قد استدلوا بقصص وروايات التقطوها من مصادر غير موثوقة كالأغاني للأصفهاني ، ومهما قيل في الثناء على هذا الكتاب بكونه من مصادر الشعر الجاهلي وقيمته الأدبية ، إلا إنه لا يصلح حجة وشاهداً في مثل هذه المسائل التي نحن بصددها.
      كما أنهم قد داروا وحاموا حول ما نقل عن ابن شنبوذ ، وأبي بكر العطار الذين اهتما بشواذ القراءات ، وقد تعلق بأقوالهما جولد زيهر كثيراً وهذا شأن أهل الانحراف والهوى في كل زمان.
      والمعروف أن هذين العالمين قد قوبلا بالإنكار الشديد من جمهور المسلمين ، وأقيمت عليهما الحجة ببطلان مذهبهما ، واستتيبا فرجعا عن أقوالهما ، بل وكتبت محاضر باستتابتهما بحضور العلماء.
      فالأصل في الحرية في القراءة أن تكون مقيدة بالأثر والرواية ، وصحة النقل ، وبالاعتماد على المشافهة ، فللقارئ أن يختار ما يشاء من القراءات في حدود المقبول المتواتر منها ، وليس له تغيير شيء منها. بل عليه التقيد بما نقل منها عن رسول الله .

      وأما ما نقلته من قول ابن حجر أن الصحابة كانوا يقرأون بالمترادف ولو لم يكن مسموعاً؟ فإن ابن حجر ممن توسع في شرح حديث الأحرف السبعة في فتح الباري كثيراً وأتى فيه بنفائس قل أن تجدها مجتمعة عند غيره. ومنها جمعه الروايات لاختلاف القراء في سورة الفرقان ومحاولته العثور على سبب الخلاف بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام في القصة المشهورة ، ويا حبذا لو ناقش هذه النقطة أحد الباحثين على صفحات هذا الملتقى.
      وأما قول ابن حجر ذلك فقد قاله على سبيل الايراد على القول الذي حققه وهو عدم جواز ذلك ، حيث قال بعد أن نقل كلاماً لأحد العلماء من كتاب أبي شامة المقدسي وهو قوله: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرأوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ، ولما كان فيهم من الحمية ، ولطلب تسهيل فهم المراد . كل ذلك مع اتفاق المعنى. وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة ... وتصويب رسول الله كلا منهم.
      قلت - أي ابن حجر :وتتمة ذلك أن يقال : إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، أي إن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب : أقرأني النبي ).
      ثم أورد ابن حجر إيراداً هو الذي ذكرته – حفظك الله – عنه فقال :(لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له).
      وذكر أن ذلك كان سبباً في إنكار عمر على ابن مسعود قراءة (حتى حين ) بقوله :(عتى حين). وكتب عمر إليه : إن القرآن أنزل بلغة قريش ولم ينزل بلغة هذيل ، فأقرأ الناس بلغة قريش ولا تقرءهم بلغة هذيل. وكان ذلك قبل جمع عثمان كما هو ظاهر.
      وقد أجاب ابن عبدالبر قديماً على هذا بأن هذا يحتمل أن يكون من عمر على سبيل الاختيار ، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز. قال : وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل.
      وأجاب أبو شامة المقدسي على ذلك بقوله : ويحتمل أن كون مراد عمر ، ثم عثمان بقولهما (نزل بلغة قريش) أن ذلك كان أول نزوله ، ثم إن الله تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرأوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين).
      وهذا ظاهر فإن الأحاديث التي وردت في إباحة قراءة القرآن على سبعة أحرف كلها وردت في المدينة بعد الهجرة ، وأما في مكة فلم تكن مباحة ، لاتحاد الدار واللسان ، فهشام بن حكيم وأبوه من مسلمة الفتح ، وكذلك حديث أضاة بني غفار الذي رواه أبي بن كعب ، وأضاة بني غفار على الصحيح موضع بالمدينة.
      والذي دفع عمر إلى الإنكار على هشام بن حكيم - مع أنهما من قريش ولغتهما واحدة -هو أن عمر قد قرأ سورة الفرقان من قبل ، وظن أن تأخر إسلام هشام بن حكيم كان سبباً في جهله بالقراءة . وربما يكون أول سماع عمر لحديث الأحرف السبعة هو ذلك الوقت.
      وقد ردد هذا القول المستشرق جولد زيهر كذلك كعادته في تتبع الشواذ من المسائل ، ومثل لذلك بمثال ، وهو قوله تعالى:(نفس عن نفس ) حيث قرأ أبو السرار الغنوي (نسمة عن نسمة).
      وهذه قراءة شاذة ، لم تثبت قرآنيتها. وقارئها أبو السرار الغنوي من الذين لا يؤخذ لهم في القرآن برأي ، ولا يعد قولهم حجة.

      ووأود أن أشير هنا إلى مسائل :
      الأولى : أن من خير من ناقش حديث الأحرف السبعة من المتقدمين أبو شامة المقدسي في كتابه النفيس (المرشد الوجيز). ومن المتأخرين وجدت فيه كتابات كثيرة للشيخ مناع القطان ، والشيخ عبدالعزيز القارئ ، والشيخ حسن ضياء الدين عتر والشيخ عبدالله الجديع ، ومن أفضل من كتب فيه من المتأخرين الدكتور عبدالصبور شاهين وفقه الله في كتابه (تاريخ القرآن). وهنا مسألة يحسن الختام بها ، واعذروني على الإطالة أيها الإخوة فالحديث يسترسل بنا والفائدة هي الغاية وهي المسألة الثانية.

      الثانية : وعد العلامة محمود شاكر بإخراج كتاب في موضوع (الأحرف السبعة) أتى فيه بما لم يأت به العلماء السابقون على حد قوله وسيأتي ، ولكنه لم يخرجه للناس. حيث قال في مقدمة تحقيقه للجزء السادس عشر من تفسير الطبري :
      (وكان من قصة أول ما قطعني عن المضي في إصدار هذا الجزء في ميعاده سنة 1380 من الهجرة ، أني كنت حين بدأت نشر تفسير أبي جعفر الطبري ، على مثل حد السيف من التخوف لهذا الكتاب الجليل ، فأمسكت نفسي عن التعليق على بعض مسائله ، مخافة أن يزل القلم ، أو يزيغ بي الرأي. وكان مما أمسكت عنه يومئذ ما رآه أبو جعفر في تفسير قوله :(أنزل القرآن على سبعة أحرف). وما قاله في شأن كتابة القرآن على عهد عثمان .
      وكان مما زادني إمساكاً عن الكتابة في ذلك أني خفت المؤونة على نفسي يومئذ ، وترهبت أن يعوق ذلك طبع الجزء الأول من التفسير ويؤخره زمناً يطول ، لأن هذا الفصل من كلامه يقع في مقدمة تفسيره...
      ولما انتهيت إلى هذا الجزء السادس عشر ، وقفت على حديث ابن عباس الذي رواه أبو جعفر (رقم : 20410 ، 16/452 ، وهو : ساق الطبري بسنده عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها :(أفلم يتبين الذين آمنوا) قال: كتب الكاتب الأخرى وهو ناعس) وقد علق عليه محمود شاكر هناك تعليقاً نفيساً فليراجع)
      وهو خبر يتلمس أمثاله أهل المطاعن في القرآن من المستشرقين وأشياعهم من ذوي الألسنة من أهل جلدتنا. ولما دارست الخبر وإسناده ، وأردت تخريجه وتوثيقه أو توهينه ، انتهى بي الرأي والمدارسة إلى مسألة (نزول القرآن على سبعة أحرف) ، وإلى ما كان من كتابة المصحف على عهد أبي بكر ، ثم كتابة المصحف الإمام على عهد عثمان ، فانفتح لي باب عظيم من تحقيق القول فيهما ، أردت أن أجعله مقدمة لهذا الجزء.
      فلما أوغلت في المدارسة والتثبت ، وبدأت أكتب ، اتسع القول وتشعب ، واحتاج الأمر إلى الفحص والتفتيش والتغيير والتبديل ، حتى صارت المقدمة كتاباً على حدة ، لا يمكن نشره في أول الجزء ، فرجعت أدراجي بعد أكثر من ثلاث سنوات قضيتها في تمحيص القول في الأحرف السبعة وكتابة المصحف الإمام ، إلى حيث وقفت ، فعدت إلى إتمام هذا الجزء ، ولكن الحوائل من يومئذ قامت بيني وبينه كالسدود ، وتتابعت العوائق المقضية في غيب الله ، حتى أذن الله بالفرج لأعود إلى إتمام طبعه.
      ولكن كان مما ساءني بعد غياب لم أملك أمره ثلاث سنوات أخرى ، أني وقفت منذ أيام قلائل على كتاب لأحد أبنائنا ، صدر في زمان غيبتي ، عن تاريخ القرآن ، فوجدته تلقط فيه بعض ما سمعه من قولي في بيان الأحرف السبعة ، وفي كتابة القرآن على عهد أبي بكر ، وكتابة المصحف الإمام على عهد عثمان ، وذلك أني كنت أقرأ يومئذ ما أكتب منه على أصحابنا ، التماساً لتصحيح الرأي إن زاغ ، لأن أمر القرآن عظيم ، ولأني ابتدأت شيئاً لم أر أحداً من علمائنا سبقني إليه بحمد الله وحده.
      ولم أكن أتوهم يومئذ أن أمانة المجالس قد رفعت . وليته أحسن إذا فعل ما فعل ، وكنت أتمنى له غير الذي اختار لنفسه ، وهكذا أهل زماننا أجد الناس اليوم يختارون شر الطريقين).
      انتهى كلامه ، وليتني أظفر بذلك الكتاب الذي بدأه أو أجد خبره ، إذا لسافرت له الأسفار الطوال ، فكلام العلامة محمود محمد شاكر وأمثاله ككلام الأئمة المتقدمين أصحاب الرأي الثاقب ، الذين قل أن يتكرر مثالهم ، وقديماً قال المتنبي :
      [align=center]وأفجعُ مَنْ فقدنا مَنْ وجدنا ** قبيل الفقد مفقودَ المثالِ[/align]

      وأظن تلميذه الذي أشار إليه هو الدكتور عبدالصبور شاهين ، وفقه الله فهو كذلك من كبار العلماء المحققين. وإلى هنا يجب أن أقف ، وأستغفر الله من الزلل ، وأدعو الإخوة الكرام إلى التعقيب والإضافة فما تركته أكثر مما ينبغي قوله في هذا المقام.
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #3
        أشكرك أخي أبا عبدالله على هذا البحث ، وجزاك الله خير الجزاء

        ومن لطيف الموافقات أنني قرات قبل الأمس في ترجمة واصل بن عطاء رأس المعتزلة في السير 5/465 " قيل : كان يجيز التلاوة بالمعنى ، وهذا جهل "

        تعليق


        • #4
          فائدة :
          مسألة الأحرف السبعة أشار إليها الشوكاني في (إرشاد الفحول) 1/175 وقال: وهذه المسألة محتاجة إلى بسط تتضح به حقيقة ماذكرنا ، وقد أفردناها بتصنيف مستقل فليرجع إليه "
          وأفاد المحقق أن هذا التصنيف مازال في عداد المخطوطات .

          فلعلك تنشط لها ياأبا عبدالله بهمتك كما عهدناك
          وفقك الله

          تعليق


          • #5
            جزاك الله خيرا يا شيخ : عبد الرحمن الشهري فقد كفيت ووفيت ,,, أحسنت بارك الله فيك ,,,

            فالقضية لا تخرج عن مسأله القرأات القرأنية للمبررات السابقه ولحسم الموضوع ولا يفتح الباب حتي يقول الشخص في القرآن ما ليس منه , ثم نجلس نفكر في المعاني المترادفه هل ما قام به هذا القارى أو ذاك مرادف للآيه التي حذفها !
            ولك أن تتصور لإمام ما يصلي بالناس وهو ممن يذهب هذا المذهب ويقرأ القرآن بالمترادف ماذا يمكن أن يحدث للناس خلفه !! فالمسألة لا تعدو أن تكون أنها أشتهرت عند السلف القراءة بالمترادف أو بالمعنى ويقصدون بذلك ولا ريب القرآات القرأنية المعروفه لدينا وأكبر دليل على ذلك صنيع السواد الأعظم منهم فكل السلف وعمومهم ألتزموا القرأات القرآنيه ولم يخرجوا عنها فالمسألة حينئذ أجماع منهم على عدم جواز الخروج عن هذه القرأات , ومن خالف في هذا الأمر فعليه الأثبات بالمتواتر بأن السلف يقرأون القرآن بالمترادف ـ حسب فهمه ـ في صلاتهم الجهرية وقيامهم في رمضان ,,, ودون ذلك كما يقال خرط القتاد ,,,,,,, هذا وجزاكم الله خيرا ولاأخينا عبد الرحمن الشهري خير الجزاء
            والله أعلم

            والسلام عليكم و وبركاته

            تعليق


            • #6
              الحمد لله

              أما الحديث المذكور فيتعلق بمسألة الأحرف السبعة وقد كفى فيها الشيخ عبدالرحمن وشفى ، وأما أثر الزهري فهذا اجتهاد منه وليس بحجة كما أشار إليه أيضا .
              وأما مقولة ابن حجر فوقفت على جواب يمكن أن تخرج به ، أشار إليه السيوطي في : ( الإتقان في علوم القرآن - 1/ 208)
              وحاصله أن ذلك يمكن تخريجه على إرادة التفسير وبيان المعنى ، وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة سعد بن أبي وقاص < وله أخ أو أخت من أم > أخرجها سعيد بن منصور .
              وقراءة ابن عباس < ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج > أخرجها البخاري .
              وقراءة ابن الزبير < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم > قال عمـر : فمـا أدري أكانت قراءتـه أم فسـر . أخرجه سعيد بن منصور، وأخرجه ابن الأنباري وجزم بأنه تفسير .
              وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ < وإن منكم إلا واردها الورود الدخول > قال ابن الأنباري : قوله ( الورود الدخول ) تفسير من الحسن لمعنى الورود ، وغلط فيه بعض الرواة فألحقه بالقرآن .
              قال ابن الجزري :" وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي قرآنا ، فهم آمنون من الالتباس ، وربما كان بعضهم يكتبه معه .
              وأما من يقول إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب ." .
              والله أعلم ،،

              تعليق


              • #7
                بارك الله فيك أخي خالد على هذه التعقيبات الموفقة . ويا حبذا لو اجتهد الإخوة الفضلاء ممن له صلة بالأخ الدكتور فهر محمود شاكر فيسألونه عن الكتاب الذي همَّ والده بإخراجه لولا ما رآه من تصنيف أحد تلاميذه كتاباً في (تاريخ القرآن) . هل يوجد لهذا الكتاب أثر في ما تركه محمود شاكر من تركة .
                وأرجو أن أرى تعقيبات الإخوة الكرام على هذه المسألة المتلعقة بالأحرف السبعة .
                عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                تعليق


                • #8
                  رفع الإشكال:

                  * من التوجيهات الجيدة للحديث توجيه الإمام أبي عمرو الداني في كتابه: (المكتفى في الوقف والابتدا),

                  فقد جعل هذا الحديث أصلاً في الوقف والابتداء, فقال بعد أن ذكره بأسانيده:

                  (قال أبو عمرو: فهذا تعليم التمام من رسول الله , عن جبريل ؛ إذ ظاهره دالٌّ على أنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذِكرُ النار والعقاب, ويفصل ممَّا بعدها إن كان بعدها ذكر الجنة والثواب, وكذلك يلزم أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب, ويفصل ممَّا بعدها أيضاً إن كان بعدها ذكر النار والعقاب, وذلك نحو قوله: أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون, هنا الوقف, ولا يجوز أن يوصل ذلك بقوله: والذين آمنوا وعملوا الصالحات, ويقطع على ذلك, ويختم به الآية ..), إلى آخر كلامه , وقد أكمله بالاستدلال على هذا التوجيه وتأكيده. [المُكتفى ص:2- 5].

                  وهو كما ترى وجه قوي في معنى الحديث, بل قد يكون أولى ما حُمِلَ عليه, وفُسِّرَ به.

                  ومن ثَمَّ يكون الحديث خالصاً في ذكر الأحرف السبعة, والتمثيل على اختلافها, وأنها وإن تغايرت فهي كُلُّها كلام الله, مع التَّنَبُّه إلى أدب الوقف في جميعها, واستحضار معانيها حال التلاوة.

                  ويؤكد ذلك تبويب أبي داود على هذا الحديث بقوله: (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف).
                  أستاذ الدراسات القرآنية المشارك في جامعة الباحة
                  [email protected]
                  https://twitter.com/nifez?lang=ar

                  تعليق


                  • #9
                    ما نقله الأخ أبو بيان عن أبي عمرو الداني من كتابه المكتفى [ص132 بتحقيق المرعشلي وهو أجود التحقيقات] ، وهو توجيه سديد موفق لهذا الحديث ، وتوظيف له في الوقف والابتداء دقيق ، لم أر من تنبه له غيره .
                    --
                    وجدت للدكتور عبدالجليل عبدالرحيم كلاماً جيداً عن القراءة بالمعنى التي هل أصل هذه المشاركة ، في كتابه (لغة القرآن الكريم) ص 155-175 وأورد فيها الحجج والبراهين ، لمن شاء منكم أن يستزيد من العلم حولها .
                    وقد استوقفني في أثناء مناقشته للأدلة حول (نظرية المعنى) - كما سماها المستشرقون الذين تعرضوا لها كبلاشير ونولدكه - ذكره لرسالة ماجستير لطالبة اسمها تغريد السيد عنتر بعنوان (أصوات المد في القرآن الكريم) تقدمت بها لكلية الآداب بالاسكندرية ، ورددت فيها أقوال آرثر جفري في مقدمته لكتاب المصاحف ، وما قاله غيره من المستشرقين عن العلة في اختلاف القراءات. وقد رد عليها محمد صادق عرجون وناقش أفكارها في الرسالة.
                    فهل اطلع أحد منكم على هذه الرسالة ؟
                    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                    تعليق


                    • #10
                      ومن الأمثلةِ على أصلِ هذه المشاركة ما قرأ به الأعمشُ عن أنس بن مالك لقوله تعالى:(لَو يَجِدُونَ مَلجأً أَو مَغاراتٍ أو مُدَّخلاً لَولَّوا إليهِ وهُمْ يَجْمَحون) فقد قرأها (يَجْمِزُون) فلما سُئِلَ قال : يَجْمَحُونَ ويَجْمِزون ويشتدُّون واحد.
                      وذهب الشهاب في حاشيته على البيضاوي 4/335 أن هذا من أنس تفسير لا قراءة فقال: وليس مراده أنه قرأ بالزاي كما توهم ، بل التفسير ، ورد الإنكار. وجَمَّازة : ناقة شديدة العدو».
                      قال ابن جني في المحتسب 1/296 :« ظاهرُ هذا أَنَّ السلف كانوا يقرأون الحرفَ مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك ، لكنَّه لِمُوافقةِ صاحبهِ في المعنى ، وهذا موضعٌ يَجِدُ الطاعنُ به - إذا كان هكذا - على القراءة مطعناً ، فيقول : ليست هذه الحروف كلها عن النبي ، ولو كانت عنه لَمَا ساغ إبدالُ لفظٍ مكانَ لفظٍ ، إذ لم يثبت التخيير في ذلك عنه ، ولَمَا أُنكِرَ أيضاً عليه (يَجْمِزون».
                      إِلاَّ أَنَّ حسن الظنِّ بأَنسٍ يدعو إلى اعتقادِ تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التي هي : يجمحون ويجمزون ويشتدون ، فيقول : اقرأ بأيها شئت ، فجميعها قراءة مسموعة عن النبي ، لقوله : نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شاف كاف».
                      فتضاف هذه إلى الأمثلة المتقدمة في المسألة ، ويكون اعتذار ابن جني مؤيداً لما تقدم لمكانة أبي الفتح غفر الله لنا وله في علم اللغة ومكانه من أبي علي الفارسي صاحب الحجة في القراءات الذي لم يصنف في الاحتجاج للقراءات مثله.
                      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                      تعليق


                      • #11
                        [align=justify]جاء في أجوبة الأستاذ الدكتور غانم بن قدوري الحمد التي أجاب فيها عن الأسئلة الموجهة إليه من شبكة التفسير ما نصه :

                        ( وأنكر عدد من العلماء أن يكون الصحابة قد قرؤوا بالمعنى ، فقال أبو بكر بن الأنباري ( ت 327هـ) معلقاً على ما رواه الأعمش عن أنس من أنه قرأ ( وأصوب قيلاً) : " وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال : من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب إذا لم يخالف معنى ، ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له ، واحتجوا بقول أنس هذا ، وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله ، لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها لجاز أن يقرأ في موضع ( الحمد لله رب العالمين ) : الشكر للباري ملك المخلوقين ، ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل جميع القرآن ، ويكون التالي له مفترياً على الله ، كاذباً على رسوله – - .

                        ولا حجة لهم في قول ابن مسعود نزل القرآن على سبعة أحرف ، إنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال وأقبل ، لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي – – إذا اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كان ذلك بمنزلة الخلاف في هلم وتعال و أقبل ، فأما ما لم يقرأ النبي – - وأصحابه وتابعوهم – – فإنه من أورد حرفاً منه في القرآن فقد بهت ومال وخرج من مذهب الصواب .

                        قال أبو بكر : والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم ، لأنه مبني على رواية الأعمش عن أنس ، فهو مقطوع ليس بمتصل ، فيؤخذ به ، من قبل أن الأعمش رأى أنساً ولم يسمع منه([1]).

                        وأكد هذا المعنى أيضا أبو بكر الباقلاني ( ت 403هـ) وذلك حيث قال : " وكيف يجوز لقائل أن يقول : إن القراءة بالمعنى جائزة مع العلم بما كانوا عليه من المثابرة على نقل القرآن على ما سمعوا وشدة تحاميهم في ذلك وكثرة الروايات فيه ... ويدل على ذلك أن النبي – – قال : " رحم الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها ، فربُّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " وقوله - - : " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " فكيف يأخذ عليهم أن يؤدوا مقالته كما سمعوها منه ويبيح لهم مع ذلك نقل القرآن بالمعنى ؟ هذا ما لا يقول محصل (كذا)، وقد أجمع الكل ممن أجاز رواية الحديث [ بالمعنى] ومن لم يجز ذلك على منع قراءة القرآن بالمعنى ... ".([2])
                        [/align]
                        [line]

                        ([1]) نقلاً عن : القرطبي : الجامع أحكام القرآن 19/41-42

                        ([2]) نكت الانتصار ص 328- 329

                        رابط اللقاء : لقاء شبكة التفسير والدراسات القرآنية مع الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
                        محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                        [email protected]

                        تعليق


                        • #12
                          [align=justify]من المناسب والمفيد أن يعاد النظر فيما كتب في هذا الملتقى في بداياته؛ ففيها بحق نفائس ودرر تستحق الرفع والنظر.

                          وأوصي الإخوة الأعضاء والزوار بالذهاب إلى الصفحات الأخيرة ففيها موضوعات مفيدة وجديرة بالقراءة والتأمل.

                          شكر الله لأخي عبدالرحمن الشهري على جهوده الموفقة في هذا الملتقى، وبارك له في وقته وعلمه وأهله.[/align]
                          محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                          [email protected]

                          تعليق


                          • #13
                            المشاركة الأصلية بواسطة أبومجاهدالعبيدي مشاهدة المشاركة
                            [align=justify]من المناسب والمفيد أن يعاد النظر فيما كتب في هذا الملتقى في بداياته؛ ففيها بحق نفائس ودرر تستحق الرفع والنظر.[/align][align=justify]

                            وأوصي الإخوة الأعضاء والزوار بالذهاب إلى الصفحات الأخيرة ففيها موضوعات مفيدة وجديرة بالقراءة والتأمل.

                            شكر الله لأخي عبدالرحمن الشهري على جهوده الموفقة في هذا الملتقى، وبارك له في وقته وعلمه وأهله.[/align]
                            بارك الله فيك يا رفيق الدرب وتقبل منك وجزاك خيراً فطالما استفدنا من بحوثك ومشاركاتك، ولا زالَ مُنهلاًَّ بِجرعائكَ القَطْرُ .
                            عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                            أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                            تعليق


                            • #14
                              المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
                              لقوله تعالى:(لَو يَجِدُونَ مَلجأً أَو مَغاراتٍ أو مُدَّخلاً لَولَّوا إليهِ وهُمْ يَجْمَحون)
                              والمدخل الأسراب ..
                              ..أي : لو يجدون قوماً يدخلونهم في جملتهم ، أو قوما يدخلون معهم ، أو مكانا يدخلون فيه
                              الموسوعة الشاملة - معاني القرآن

                              تعليق


                              • #15
                                المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
                                [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]

                                اللهم إني أعوذ بك من العجب بما أحسن ، كما أعوذ بك من التكلف لما لا أحسن ، اللهم حبب إلينا الحق ، واعصمنا من الحيرة والشبهة ،و اجعل بيننا وبين الصدق سببا ، وحبب إلينا التثبت فيما نقول ونكتب.
                                أولاً : أرحب بالشيخ الكريم خالد الباتلي وفقه الله ، وكم نحن سعداء بمشاركته لنا في هذا الملتقى ، مما يعطي للملتقى نوعاً من الثقة بوجود أمثاله بين الأعضاء.

                                ثانياً: ذكرت - حفظك الله- مسألة (قراءة القرآن بالمعنى) ، وأن المشهور فيها عدم الجواز ، وشهرة هذه المسألة عند المُحدّثين ، وأنك وجدت ما يخالف – في ظاهره – هذا القول المشهور ، ونقلت جواب الإمام الزهري لأبي أويس عندما سأله عن جواز رواية الحديث بالمعنى فقال :( أن هذا يجوز في القرآن ، فكيف به في الحديث ، إذا أصيب معنى الحديث ، ولم يحل به حراماً ، ولم يحرم به حلالاً فلا بأس ، وذلك إذا أصيب معناه).
                                ونقلت – وفقك الله - قولاً لابن حجر العسقلاني يثبت فيه أن غير واحد من الصحابة كان يقرأ بالمترادف ولو لم يكن مسموعاً له.

                                فأذن لي يا أخي الكريم أن أشير إلى بعض المسائل التي ربما تكون جواباً للمسألة ، مع بقاء الباب مفتوحاً للإجابة من الأعضاء الكرام وفقهم الله جميعاً ، فلن أدعي أنني لن أترك مقالاً لقائل ، فأقول مستعيناً بالله:
                                أولاً: يجب أن يكون نصب عين الباحث في الشبهات والدعاوى التي تتناول القرآن الكريم قوله تعالى:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر : 9]. وقوله تعالى:(إن علينا جمعه وقرآنه)[القيامة:17].
                                وقد ثبت بإجماع الأمة - كما نقله غير واحد من المفسرين ، ومنهم الباقلاني في الانتصار للقرآن - أن الله تعالى لم يرد بهاتين الآيتين أنه تعالى يحفظ القرآن على نفسه ولنفسه ، وأنه يجمعه لنفسه وأهل سماواته دون أهل أرضه ، وأنه إنما عنى بذلك أنه يحفظه على المكلفين للعمل بموجبه والمصير إلى مقتضاه ومتضمنه ، وأنه يجمعه لهم فيكون محفوظاً عندهم ومجموعاً لهم دونه محروساً من وجوه الخطأ والغلط والتخليط والإلباس.
                                وبهاتين الآيتين وجب القطع على صحة مصحف الجماعة ، الذي جمع في عهد عثمان بن عفان ، وسلامته من كل فساد.وانتفاء كل شبهة ، وبطلان كل دعوى. ثقة منا في وعد الله وعد الله الذي لا يخلف وعده.
                                ثانياً : هذه المسألة التي ذكرتها – وفقك الله - مرتبطة بمسألة الأحرف السبعة ، بل هي متفرعة عنها ، ومبنية على قول بعض العلماء بأن المقصود بالأحرف السبعة هي (سبعة أوجه من المعاني المتفقة ، بالألفاظ المختلفة ، نحو : أقبل ، وهلم ، وتعال ، وعجل ، وأسرع ، وأنظر ، وأخر ، وأمهل ، ونحوه) . وكلام الإمام محمد بن جرير الطبري في جامع البيان ربما أفاد هذا المعنى. فهو يستشهد عليه بقول النبي لعمر بن الخطاب :(يا عمر ، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً ، أو عذاباً رحمة).

                                ثالثاً: أن تسمية هذه المسألة (جواز قراءة القرآن بالمعنى) قد ردها كثير من العلماء قديماً وحديثاً .
                                وممن رأيته ردها أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن 1/65 بقوله :(القراء السبعة متبعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم ، التي لا شكوك فيها ، ولا أنكرت عليهم ، بل سوغها المسلمون ، وأجازوها لمصحف الجماعة ، وقارئون بما أنزل الله جل ثناؤه ، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده وممنوع من إطلاقه ، والقراءة به ، وأنه لا يجوز ولا يسوغ القراءة على المعنى دون اتباع لفظ التنزيل ، وإيراده على وجهه ، وسببه الذي أنزل عليه ، وأداه الرسول ).
                                وكذلك الإمام ابن الجزري في النشر بقوله :(أما من يقول بأن بعض الصحابة ، كابن مسعود ، كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. إنما قال : نظرت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم).
                                وردها القاضي أحمد بن عمر الحموي في كتابه القواعد والإشارات في أصول القراءات فقال :(أما ما نقل عن الصحابة بأنهم يجيزون القراءة بالمعنى دون اللفظ كالذي نسب لابن مسعود فلا يصح).
                                وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى في الفتاوى 13/397 :(وأما من قال عن ابن مسعود أنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ، وإنما قال : نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة ، وإنما هو كقول أحدكم : أقبل ، وهلم ، وتعال ، فاقرأوا كما علمتم ، أو كما قال).
                                فليست النظرية هنا مما يصح أن يسمى (القراءة بالمعنى) كما نفهمه مثلاً في رواية الحديث بالمعنى ؛ لأن (القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز ، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل أو غيرهما).

                                رابعاً : أن المستشرقين هم الذين أثاروا هذه الشبهة في العصر الحديث ، وقد دلفوا من خلالها لاتهام القرآن بأنه قد دخله التحريف والتبديل ، لأنه يجوز لكل أحد أن يقرأ بما شاء ، حتى قال أحد كبارهم وهو بلاشير : فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم وإنما روحه. وهذه النظرية (القراءة بالمعنى) تعد من أخطر النظريات ؛ لأنها تكل تحديد النص القرآني إلى هوى كل شخص وفهمه ، يثبته على ما يهواه!
                                وقد تبع هؤلاء المستشرقين بعض من أبناء المسلمين الذين لم يتدبروا القول ، فقد كتب الدكتور مصطفى مندور – عفا الله عنه – في بحث له بعنوان (الشواذ) وكان رسالة علمية مقدمة لكلية الآداب بباريس :(هنالك على الأخص نقطة وقع عليها اتفاق كثيرين هي أن القرآن ربما قرئ بأوجه كثيرة ، ولكن الأساس هو أن يحترم المعنى ..)
                                وقد استدل بقول عمر بن الخطاب : (والقرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذاباً ، أو عذاباً مغفرة ). وهو نفس معنى حديث أبي بن كعب الذي أوردته.
                                واستدل كذلك بقول عبدالله بن مسعود القريب منه :( لقد سمعت القراء ووجدت أنهم متقاربون فاقرأوا كما علمتم ، فهو كقولكم هلم وتعال).
                                واستدل كذلك بقصة كاتب الوحي عبدالله بن أبي السرح واستدل بعدها بقصص وأخبار استقاها من كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني ، وكلها من شواذ المسائل والأدلة ، واستدل كذلك ببعض القراءات التي مرجعها إلى الاختلاف في اللهجات الذي يحتمله الرسم العثماني.

                                فهؤلاء المستشرقون ظنوا – جهلاً منهم – أن للصحابة وللتابعين قدرة على التدخل في النص القرآني ، توضيحاً لما غمض منه ، أو إقامة لخطأ في شكله أو صيغته ، أو تضميناً لبعض الاتجاهات اللاهوتية كما يعبر المستشرقون!!
                                فالدافع للصحابة والتابعين في نظر المستشرقين إلى التغيير في النص القرآني هو غموض النص القرآني أحياناً ، أو أن القرآن فيه كلمات غير فصيحة فتم استبدالها بالأفصح ، أو استغلال القرآن لمصالحهم وأهدافهم الدينية!!
                                وهذا كله كما تلاحظ يدل على جهل عميق لدى هؤلاء المستشرقين ، أو حقد دفين ، أحدهما أو كلاهما!! لأن كل ما استشهدوا به على دعواهم هو من القراءات التفسيرية. وقد رد أبو حيان هذه الحجة عند تفسيره لقوله تعالى في سورة البقرة :(فأزلهما الشيطان عنها) عندما ذكر قراءة ابن مسعود (فوسوس لهما الشيطان عنها) : (وهذه القراءة مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه ، فينبغي أن تجعل تفسيراً. وكذا ما ورد عنه – أي ابن مسعود – وعن غيره مما خالف سواد المصحف).
                                ومعلوم أن ما خالف المروي من القرآن متواتراً ، أو ما اشتهر من السنة الصحيحة ، أو ما أجمع العلماء عليه مما يقلل الثقة بالرواية ، ويجعلها في عداد الروايات الواهية التي لا يحتج بها.
                                وأما استدلال بعضهم بالأحرف السبعة ونزول القرآن عليها على تجويز القراءة بالمعنى ، فهذا استدلال باطل ؛ لأن الأحرف السبعة لم تكن تتبع هوى الصحابة بحيث يقرأون كيف ما يشاءون كما صور ذلك المستشرقون كبلاشير وجولد زيهر ونولدكه ومن اغتر بكلامهم من الباحثين ، بل كانت في حدود المسموع المتلقى عن رسول الله ، وهذا هو ما أجمع عليه العلماء المحققون. [انظر المدخل لأبي شهبة 207].
                                ولذا كانت إجابته لكل من عمر بن الخطاب ، وهشام بن حكيم عقب سماعه منهما سورة الفرقان على إثر الخلاف بينهما في الحرف (هكذا أنزل). والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما كما لايخفى عليكم.
                                يقول أبو شهبة :(وإن لنا لوقفة عند هذا الرأي الأخير ، المجوز لتبديل فواصل الآي بعضها ببعض مما هو من صفات الرب ، فإن هذا خلاف الإجماع ، ويؤدي إلى ذهاب الإعجاز ، فإن من إعجاز القرآن هذا التناسب والترابط القوي بين الآية وخاتمتها ، فلو جاز إبدال خاتمة بأخرى لعاد بالخلل على إعجاز القرآن).
                                وقال القاضي عياض نقلاً عن المازري :(وقول من قال المراد خواتيم الآي فيجعل مكان (غفور رحيم) (سميع بصير) فاسد أيضاً ؛ للإجماع على منع تغيير القرآن للناس).
                                فلا شك أن معنى القراءات الصحيحة في الآية الواحدة متقاربة ومنسجمة وغير متناقضة. ومما يؤكد أن مقصوده الاتباع في القراءة والتلقي لا الاجتهاد والتشهي قوله :(فاقرأوا كما عُلِّمتم) وهذا كله يبطل هذه الدعوى.
                                وقد استدلوا كذلك بموقف عبدالله بن المبارك - – أنه كان لا يرد على أحد حرفاً ، فلا دليل لهم فيه لجواز أن من كان يقرأ عليه كان يعتمد على قراءة صحيحة الرواية ، لذا فلا يجوز منه أن يرده عن قراءته السبعية بل يصحح لمن يخطئ في القراءة السبعية لا غير.

                                وأما قول الإمام الزهري أنه يجوز قراءة القرآن بالمعنى فضلاً عن الحديث النبوي ، فهذا اجتهاد منه ، وإلا فإن الصحابة كانوا يحرصون أن يرووا الحديث بلفظه ولا يجيزون روايته بالمعنى حتى إن أنس بن مالك كان إذا حدث عن النبي يقول :(أو كما قال). محترزاً بذلك. خوفاً من أدائه على غير لفظه ، فإذا كان هذا موقفهم من الحديث النبوي الشريف فمن باب أولى القرآن الكريم. والإمام الزهري هو الذي روى حديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم ، وفيه قول عمر وقول هشام (أقرأني رسول الله). وعلى هذا فيحمل قوله في الإجابة لأبي أويس على أن ذلك يجوز فيما نزل به الوحي من ذلك ، وأما أنه يجوز ذلك مطلقاً فلا.
                                وليتنبه إلى أن هؤلاء المستشرقين وأمثالهم قد استدلوا بقصص وروايات التقطوها من مصادر غير موثوقة كالأغاني للأصفهاني ، ومهما قيل في الثناء على هذا الكتاب بكونه من مصادر الشعر الجاهلي وقيمته الأدبية ، إلا إنه لا يصلح حجة وشاهداً في مثل هذه المسائل التي نحن بصددها.
                                كما أنهم قد داروا وحاموا حول ما نقل عن ابن شنبوذ ، وأبي بكر العطار الذين اهتما بشواذ القراءات ، وقد تعلق بأقوالهما جولد زيهر كثيراً وهذا شأن أهل الانحراف والهوى في كل زمان.
                                والمعروف أن هذين العالمين قد قوبلا بالإنكار الشديد من جمهور المسلمين ، وأقيمت عليهما الحجة ببطلان مذهبهما ، واستتيبا فرجعا عن أقوالهما ، بل وكتبت محاضر باستتابتهما بحضور العلماء.
                                فالأصل في الحرية في القراءة أن تكون مقيدة بالأثر والرواية ، وصحة النقل ، وبالاعتماد على المشافهة ، فللقارئ أن يختار ما يشاء من القراءات في حدود المقبول المتواتر منها ، وليس له تغيير شيء منها. بل عليه التقيد بما نقل منها عن رسول الله .

                                وأما ما نقلته من قول ابن حجر أن الصحابة كانوا يقرأون بالمترادف ولو لم يكن مسموعاً؟ فإن ابن حجر ممن توسع في شرح حديث الأحرف السبعة في فتح الباري كثيراً وأتى فيه بنفائس قل أن تجدها مجتمعة عند غيره. ومنها جمعه الروايات لاختلاف القراء في سورة الفرقان ومحاولته العثور على سبب الخلاف بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام في القصة المشهورة ، ويا حبذا لو ناقش هذه النقطة أحد الباحثين على صفحات هذا الملتقى.
                                وأما قول ابن حجر ذلك فقد قاله على سبيل الايراد على القول الذي حققه وهو عدم جواز ذلك ، حيث قال بعد أن نقل كلاماً لأحد العلماء من كتاب أبي شامة المقدسي وهو قوله: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرأوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ، ولما كان فيهم من الحمية ، ولطلب تسهيل فهم المراد . كل ذلك مع اتفاق المعنى. وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة ... وتصويب رسول الله كلا منهم.
                                قلت - أي ابن حجر :وتتمة ذلك أن يقال : إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، أي إن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب : أقرأني النبي ).
                                ثم أورد ابن حجر إيراداً هو الذي ذكرته – حفظك الله – عنه فقال :(لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له).
                                وذكر أن ذلك كان سبباً في إنكار عمر على ابن مسعود قراءة (حتى حين ) بقوله :(عتى حين). وكتب عمر إليه : إن القرآن أنزل بلغة قريش ولم ينزل بلغة هذيل ، فأقرأ الناس بلغة قريش ولا تقرءهم بلغة هذيل. وكان ذلك قبل جمع عثمان كما هو ظاهر.
                                وقد أجاب ابن عبدالبر قديماً على هذا بأن هذا يحتمل أن يكون من عمر على سبيل الاختيار ، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز. قال : وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل.
                                وأجاب أبو شامة المقدسي على ذلك بقوله : ويحتمل أن كون مراد عمر ، ثم عثمان بقولهما (نزل بلغة قريش) أن ذلك كان أول نزوله ، ثم إن الله تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرأوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين).
                                وهذا ظاهر فإن الأحاديث التي وردت في إباحة قراءة القرآن على سبعة أحرف كلها وردت في المدينة بعد الهجرة ، وأما في مكة فلم تكن مباحة ، لاتحاد الدار واللسان ، فهشام بن حكيم وأبوه من مسلمة الفتح ، وكذلك حديث أضاة بني غفار الذي رواه أبي بن كعب ، وأضاة بني غفار على الصحيح موضع بالمدينة.
                                والذي دفع عمر إلى الإنكار على هشام بن حكيم - مع أنهما من قريش ولغتهما واحدة -هو أن عمر قد قرأ سورة الفرقان من قبل ، وظن أن تأخر إسلام هشام بن حكيم كان سبباً في جهله بالقراءة . وربما يكون أول سماع عمر لحديث الأحرف السبعة هو ذلك الوقت.
                                وقد ردد هذا القول المستشرق جولد زيهر كذلك كعادته في تتبع الشواذ من المسائل ، ومثل لذلك بمثال ، وهو قوله تعالى:(نفس عن نفس ) حيث قرأ أبو السرار الغنوي (نسمة عن نسمة).
                                وهذه قراءة شاذة ، لم تثبت قرآنيتها. وقارئها أبو السرار الغنوي من الذين لا يؤخذ لهم في القرآن برأي ، ولا يعد قولهم حجة.

                                ووأود أن أشير هنا إلى مسائل :
                                الأولى : أن من خير من ناقش حديث الأحرف السبعة من المتقدمين أبو شامة المقدسي في كتابه النفيس (المرشد الوجيز). ومن المتأخرين وجدت فيه كتابات كثيرة للشيخ مناع القطان ، والشيخ عبدالعزيز القارئ ، والشيخ حسن ضياء الدين عتر والشيخ عبدالله الجديع ، ومن أفضل من كتب فيه من المتأخرين الدكتور عبدالصبور شاهين وفقه الله في كتابه (تاريخ القرآن). وهنا مسألة يحسن الختام بها ، واعذروني على الإطالة أيها الإخوة فالحديث يسترسل بنا والفائدة هي الغاية وهي المسألة الثانية.

                                الثانية : وعد العلامة محمود شاكر بإخراج كتاب في موضوع (الأحرف السبعة) أتى فيه بما لم يأت به العلماء السابقون على حد قوله وسيأتي ، ولكنه لم يخرجه للناس. حيث قال في مقدمة تحقيقه للجزء السادس عشر من تفسير الطبري :
                                (وكان من قصة أول ما قطعني عن المضي في إصدار هذا الجزء في ميعاده سنة 1380 من الهجرة ، أني كنت حين بدأت نشر تفسير أبي جعفر الطبري ، على مثل حد السيف من التخوف لهذا الكتاب الجليل ، فأمسكت نفسي عن التعليق على بعض مسائله ، مخافة أن يزل القلم ، أو يزيغ بي الرأي. وكان مما أمسكت عنه يومئذ ما رآه أبو جعفر في تفسير قوله :(أنزل القرآن على سبعة أحرف). وما قاله في شأن كتابة القرآن على عهد عثمان .
                                وكان مما زادني إمساكاً عن الكتابة في ذلك أني خفت المؤونة على نفسي يومئذ ، وترهبت أن يعوق ذلك طبع الجزء الأول من التفسير ويؤخره زمناً يطول ، لأن هذا الفصل من كلامه يقع في مقدمة تفسيره...
                                ولما انتهيت إلى هذا الجزء السادس عشر ، وقفت على حديث ابن عباس الذي رواه أبو جعفر (رقم : 20410 ، 16/452 ، وهو : ساق الطبري بسنده عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها :(أفلم يتبين الذين آمنوا) قال: كتب الكاتب الأخرى وهو ناعس) وقد علق عليه محمود شاكر هناك تعليقاً نفيساً فليراجع)
                                وهو خبر يتلمس أمثاله أهل المطاعن في القرآن من المستشرقين وأشياعهم من ذوي الألسنة من أهل جلدتنا. ولما دارست الخبر وإسناده ، وأردت تخريجه وتوثيقه أو توهينه ، انتهى بي الرأي والمدارسة إلى مسألة (نزول القرآن على سبعة أحرف) ، وإلى ما كان من كتابة المصحف على عهد أبي بكر ، ثم كتابة المصحف الإمام على عهد عثمان ، فانفتح لي باب عظيم من تحقيق القول فيهما ، أردت أن أجعله مقدمة لهذا الجزء.
                                فلما أوغلت في المدارسة والتثبت ، وبدأت أكتب ، اتسع القول وتشعب ، واحتاج الأمر إلى الفحص والتفتيش والتغيير والتبديل ، حتى صارت المقدمة كتاباً على حدة ، لا يمكن نشره في أول الجزء ، فرجعت أدراجي بعد أكثر من ثلاث سنوات قضيتها في تمحيص القول في الأحرف السبعة وكتابة المصحف الإمام ، إلى حيث وقفت ، فعدت إلى إتمام هذا الجزء ، ولكن الحوائل من يومئذ قامت بيني وبينه كالسدود ، وتتابعت العوائق المقضية في غيب الله ، حتى أذن الله بالفرج لأعود إلى إتمام طبعه.
                                ولكن كان مما ساءني بعد غياب لم أملك أمره ثلاث سنوات أخرى ، أني وقفت منذ أيام قلائل على كتاب لأحد أبنائنا ، صدر في زمان غيبتي ، عن تاريخ القرآن ، فوجدته تلقط فيه بعض ما سمعه من قولي في بيان الأحرف السبعة ، وفي كتابة القرآن على عهد أبي بكر ، وكتابة المصحف الإمام على عهد عثمان ، وذلك أني كنت أقرأ يومئذ ما أكتب منه على أصحابنا ، التماساً لتصحيح الرأي إن زاغ ، لأن أمر القرآن عظيم ، ولأني ابتدأت شيئاً لم أر أحداً من علمائنا سبقني إليه بحمد الله وحده.
                                ولم أكن أتوهم يومئذ أن أمانة المجالس قد رفعت . وليته أحسن إذا فعل ما فعل ، وكنت أتمنى له غير الذي اختار لنفسه ، وهكذا أهل زماننا أجد الناس اليوم يختارون شر الطريقين).
                                انتهى كلامه ، وليتني أظفر بذلك الكتاب الذي بدأه أو أجد خبره ، إذا لسافرت له الأسفار الطوال ، فكلام العلامة محمود محمد شاكر وأمثاله ككلام الأئمة المتقدمين أصحاب الرأي الثاقب ، الذين قل أن يتكرر مثالهم ، وقديماً قال المتنبي :
                                [align=center]وأفجعُ مَنْ فقدنا مَنْ وجدنا ** قبيل الفقد مفقودَ المثالِ[/align]

                                وأظن تلميذه الذي أشار إليه هو الدكتور عبدالصبور شاهين ، وفقه الله فهو كذلك من كبار العلماء المحققين. وإلى هنا يجب أن أقف ، وأستغفر الله من الزلل ، وأدعو الإخوة الكرام إلى التعقيب والإضافة فما تركته أكثر مما ينبغي قوله في هذا المقام.
                                أرجو أن تنفعك هذه الكلمة يوم القيامة !

                                تعليق


                                • #16
                                  المشاركة الأصلية بواسطة خالد الباتلي مشاهدة المشاركة
                                  3- نقل الذهبي في السير 5/347 عن أبي أويس قال :" سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال : إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث ، إذا أصيب معنى الحديث ولم يحل به حراما ولم يحرم به حلالا فلا بأس ، وذلك إذا أصيب معناه ."
                                  وقال الإمام الشافعي في كتابه ( الرسالة ) :
                                  " فإذ كان اللهُ لِرَأْفتِه بخلْقِه أنزلَ كتابَه على سبْعةِ أحْرفٍ؛ معرفةً مِنْه بأنَّ الحفْظَ قدْ يَزِلُّ، لِيَُحِلَّ لهم قراءتَه وإنْ اختلفَ اللفظُ فيه، ما لم يكن في اختلافِهم إحالةُ معنىً = كان ما سِوَى كتابِ الله أوْلَى أنْ يجوزَ فيه اختلافُ اللفظِ ما لم يُحِلْ معْناه. وكلُّ ما لم يكن فيه حُكْمٌ فاختلافُ اللفظِ فيه لا يحيلُ معناه. وقد قال بعضُ التابعين: ( لَقِيتُ أُناساً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ، فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظِ. فقلْتُ لبعضِهم ذلك، فقالَ: لا بأسَ ما لمْ يُحِيلُِ المعنى ) " .
                                  [ ( الرسالة ) للشافعي / 274 - 275 ، ط شاكر ]
                                  وقال في كتاب ( الأم ) :
                                  " وقد اختلف بعضُ أصحابِ النبي في بعضِ لفظِ القرآنِ عند رسولِ الله ولم يختلفوا في معناه ، فأقرَّهم وقال : ( هكذا أنزل ، إن هذا القرآنَ أنزِل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه ) ؛ فما سوى القرآنِ من الذكرِ أوْلى أن يتسع هذا فيه إذا لم يختلف المعنى . وليس لأحد أن يعمد أن يكف عن قراءة حرف من القرآن إلا بنسيانٍ ، وهذا في التّشَهُّدِ وفي جميعِ الذِكْرِ أخَفُّ " .
                                  [ ( الأم ) للشافعي ، 10 / 45 - 46 ، تحقيق رفعت فوزي ، ط1 دار الوفاء ]
                                  ...

                                  تعليق


                                  • #17
                                    وما ورد عن الزهري والشافعي في مسألة رواية الحديث على المعنى ، واحتجاجهم لذلك باختلاف أحرف القرآن = ورد مثله عن يحيى بن سعيد القطّان (ت 198 ﻫ) فيما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني (ت 430 ﻫ) ، وعنه الخطيبُ البغدادي (ت 463 ﻫ) في كتابه ( الكفاية في معرفة أصول علم الرواية ) ؛ إذ قال :
                                    " أخبرنا أبو نعيم الحافظ : أنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني : ثنا محمد بن إسحاق السراج قال : سمعتُ عبيد الله بن سعيد يقولُ : سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول : أخافُ أن يَضيقَ على الناسِ تتبُّعُ الألفاظِ ؛ لأنّ القرآنَ أعظمُ حُرْمةً = ووُسِّعَ أن يُقرأ على وجوهٍ إذا كان المعنى واحِداً " .

                                    [ ( الكفاية في معرفة أصول علم الرواية ) للخطيب البغدادي ، 2 / 24 - 25 ، تحقيق إبراهيم الدمياطي ، دار الهدى ، ط1 ، 1423 / 2003م . وانظر (الحلية) لأبي نعيم ، 8 / 380 ط السعادة . قال الشيخ عبد الله الجديع : " إسناده جيِّدٌ " ؛ انظر ( تحرير علوم الحديث ) له ، 1 / 280 ] .

                                    فائدة على هامش الموضوع : قال الرامَهُرْمُزي ( ت 360 ﻫ ) في كتابه ( المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي ) :
                                    " وأما إصابةُ المعنى بتغييرِ اللفظِ : فأهلُ العلمِ مِن نقلةِ الأخبارِ يختلفون فيه ؛ فمنهم مَن يرى اتباعَ اللفظ ، ومنهم من يتجوّز في ذلك إذا أصاب المعنى . وكذلك سبيل التقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان ؛ فإن منهم من يعتمد المعنى ولا يعتدّ باللفظِ ، ومنهم من يشدّدُ في ذلك ولا يفارق اللفظ .
                                    وقد دلّ قولُ الشافعي في صفة المحدّث مع رعاية اتباع اللفظ على أنه يَسوغُ للمحدّث أن يأتي بالمعنى دون اللفظ إذا كان عالماً بلغات العرب ووجوه خِطابها ، بصيراً بالمعاني والفقه ، عالماً بما يُحيلُ المعنى وما لا يُحيلُه ، فإنه إذا كان بهذه الصفة جاز له نقل اللفظ ؛ فإنه يَحترِزُ بالفهم عن تغيير المعاني وإزالة أحكامها ، ومن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ له لازماً ، والعدولُ عن هيئة ما يسمعُه عليه محظوراً ، وإلى هذا رأيتُ الفقهاءَ من أهل العلم يذهبون .
                                    ومِن الحجةِ لمن ذهبَ إلى هذا المذهب : أن الله تعالى قد قصّ من أنباء ما قد سبق قصصاً كرّرَ ذِكرَ بعضها في مواضع بألفاظٍ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيِّ ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير ، والحذف والإلغاء ، والزيادة والنقصان ، وغير ذلك .
                                    وقد حُكيتْ هذه الحجة بعينِها عن الحَسَنِ ؛ حدّثني بذلك أحمد بن الربيع بن عديس - شيخٌ لنا - : حدثني محمد بن مسلم بن مَسْعدة -وهو من أهل رامهرمز- قال : قلتُ لمحمد بن منصور قاضي الأهواز في شيء جرى بيني وبينه : ثلاثة يشددون في الحروف ، وثلاثة يرخصون فيها ؛ فممن رخّص فيها الحسنُ ، وكان الحسن يقول :
                                    ( يحكي اللهُ تعالى عن القرون السالفة بغير لُغاتها ؛ أفكذب هو ؟! ) .
                                    وكان محمدُ بن منصور متكئاً فاستوى جالساً ، ثم أخذ بمجامع كفِّه وقال : ما أحسنَ هذا ! أحسنَ الحَسَنُ جدّاً .
                                    وقال قتادةُ عن زُرارة بن أوفى : لقيتُ عدّةً من أصحاب النبي فاختلفوا عليَّ في اللفظ ، واجتمعوا في المعنى " .
                                    [ ( المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي ) للرامهرمزي ، ص 529 - 531 ، تحقيق د. محمد عجاج الخطيب ، دار الفكر ، ط1 ، 1391 / 1971م ]
                                    ...

                                    تعليق

                                    20,488
                                    الاعــضـــاء
                                    234,576
                                    الـمــواضـيــع
                                    43,649
                                    الــمــشـــاركـــات
                                    يعمل...
                                    X