• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • فائدة في تفسير قوله تعالى { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }

      قال الله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ]
      فهل قوله تعالى : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ من باب الصفات أم لا ؟
      اختلف العلماء في ذلك :
      1- فذهبت طائفة إلى أن ذلك من الصفات ، وأن المراد بالآية وجه الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه . وممن قال بذلك :
      ابن خزيمة ، والبيهقي ، وابن القيم ، وعبد الرحمن السعدي ، وابن عثيمين .(1)
      قال ابن القيم : الصحيح في قوله تعالى : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه ، فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافاً إلى الرب تعالى ، على طريقة واحدة ، ومعنى واحد ، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة ، وهو قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة ، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى . أ.هـ (2)
      2- وذهبت طائفة إلى أن ذلك ليس من باب الصفات في شيء ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ليست هذه الآية من آيات الصفات ومن عدها في الصفات فقد غلط )) .(3)
      وقد اختلف هؤلاء في معناها على أقوال :
      القول الأول : أن معناها فثم قبلة الله ، قالوا : والوجه يأتي في اللغة بمعنى الجهة، يقال : وِجْهَة ووجه وَجِهَة . وممن روي عنه هذا القول :
      ابن عباس(4) ، ومجاهد (5) ، وعكرمة (6) ، والحسن البصري(7) ، وقتادة(8) ، ومقاتل بن حيان (9) ، والشافعي (10) .
      واختاره : الواحدي ، والزمخشري ، وابن عطية ، والرازي ، وابن تيمية ، وابن عثيمين ، وجعل الآية محتملة له وللقول الأول .(11)
      قال ابن تيمية : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي : قبلة الله ، ووجهة الله ، هكذا قال جمهور السلف .
      وقال : (( الوجه )) هو الجهة في لغة العرب ، يقال : قصدت هذا الوجه ، وسافرت إلى هذا الوجه ، أي : إلى هذه الجهة . وهذا كثير مشهور ، فالوجه هو الجهة ، كما في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (12) أي : متوليها ، فقوله تعالى : هُوَ مُوَلِّيهَا كقوله تعالى : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان ، وكلاهما في شأن القبلة ، والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين : أنا نوليه ، نستقبله . أ.هـ (13)
      القول الثاني : أن قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ المراد به الله ليس غيره .
      وهذا قول المعتزلة (14) ، ونُسب للكلبي (15) ، واختاره ابن قتيبة (16) .
      القول الثالث : أن معنى الآية فثم رضا الله وثوابه .
      حكاه دون نسبة: الطبري، والبغوي، والقرطبي، واختاره :الجصاص وابن جزي الكلبي. (17)
      والراجح - والله أعلم - أن قوله تعالى : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ هو من باب الصفات ، وأن المراد بالآية وجه الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه .
      دليل ذلك :
      1- أن الله تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجهة ، وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف إليه سبحانه ، فتفسيره في هذه الآية بنظائره من الآيات هو الأولى ، لأنه من تفسير القرآن بعضه ببعض وهو أولى التفاسير .
      2- أن هناك أحاديث تفيد أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه ، وهي بمثابة التفسير لهذه الآية ، منها :
      – قوله : (( إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه )) . (18)
      – وقوله : (( إن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت )) .(19)
      – وقوله : (( إن الرجل إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه حتى ينقلب أو يحدث سوء )).(20)
      فهذه الأحاديث مصرحة بأن وجه الله الذي هو صفته هو الذي يكون قبالة المصلي ، لا القبلة . فهي بمثابة التفسير للآية ، والله تعالى أعلم .(21)
      ===========================
      (1) كتاب التوحيد ، لابن خزيمة ( 1 / 25 ) ، الأسماء والصفات ، للبيهقي ( 2 / 35 ) ، مختصر الصواعق المرسلة (392) ، تيسير الكريم الرحمن (76) ، أحكام من القرآن الكريم (416) .
      (2) مختصر الصواعق المرسلة (392) .
      (3) مجموع الفتاوى (3/193) .
      (4) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (364) .
      (5) أخرجه ابن شيبة في المصنف (1/370) ، والترمذي في كتاب التفسير ، باب ومن سوررة البقرة ، حديث (2958) ، وابن جرير في تفسيره (1/552،553) ، وابن أبي حاتم (345) محقق ، والبيهقي في السنن الكبرى (2/13) .
      (6) زاد المسير (1/117) .
      (7) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً (345) محقق .
      (8) أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/550) .
      (9) تفسير البغوي (1/108) .
      (10) أحكام القرآن ، للشافعي ( 76 ) ، السنن الكبرى ، للبيهقي ( 2 / 13 ) ،مجموع الفتاوى (3/193) (6/15) ، مختصر الصواعق المرسلة (392) .
      (11) الوسيط (1/194) ، الكشاف (1/179) ، المحرر الوجيز (1/200) ، مفاتيح الغيب (4/21) ، مجموع الفتاوى (2/429) ، (3/193) ، (6/15-16) ، أحكام من القرآن الكريم (416) .
      (12) البقرة : 148.
      (13) مجموع الفتاوى (2/492) ، (6/16) .
      (14) (15) تفسير القرطبي (2/58) .
      (15) تأويل مشكل القرآن (254) .
      (17) جامع البيان للطبري (1/553) ، تفسير البغوي (1/108) ، تفسير القرطبي (2/58) ، أحكام القرآن للجصاص (1/76) ، التسهيل لعلوم التنزيل (1/94) .
      (18) أخرجه - من حديث ابن عمر - البخاري ، في كتاب الصلاة ، باب حك البزاق باليد من المسجد ، حديث (406) ، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ، حديث (547) .
      (19) أخرجه - من حديث الحارث الأشعري - الإمام أحمد في مسنده ، حديث (17139) (4/178) .والترمذي في كتاب الأمثال ، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة ، حديث (2863) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2 / 379 ) ، وصحيح الجامع ، ص ( 355 ) ، رقم ( 1724 ) .
      (20) أخرجه - من حديث حذيفة - ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب المصلي يتنخم ، حديث (1023) .
      وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة بحاشية الكتاب (1/539) ، وحسنه الألباني ، في صحيح ابن ماجه ( 1 / 168) .
      (21) انظر : مختصر الصواعق المرسلة (396-398) .

    • #2
      بسم الله الرحمن الرحيم

      جزاك الله خيرا أخي على هذا البحث

      أبو عمر السوري

      تعليق


      • #3
        ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾


        قال ابن القيم في سياق تقريره لإثبات صفة الوجه لله U ، وبيان بطلان حملها المجاز : ( ... تفسير وجه الله بقبلة الله وإن قاله بعض السلف كمجاهد([1]) ، وتبعه الشافعي([2]) ؛ فإنما قالوه في موضع واحد لا غير ، وهو قوله تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾(البقرة:115) ؛ فهب أن هذا كذلك في هذا الموضع ، فهل يصح أن يقال ذلك في غيره من المواضع التي ذكر الله تعالى فيها الوجه ؟ فما يفيدكم هذا في قوله ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ ﴾(الرحمن:27) ، وقوله : ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾ (الليل:20) ، وقوله : ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه ِ ﴾(الانسان: من الآية9) .

        على أن الصحيح في قوله : ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أنه كسائر الآيات التي فيها ذكر الوجه ؛ فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافاً إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ، ومعنى واحد ؛ فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذُكر في سورة البقرة ، وهو قوله : ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ، وهذا لا يتعين حمله على القبلة أو الجهة ، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة ؛ فحمله على موارده ونظائره كلها أولى ، لوجوه :

        أحدها : أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغةً ولا شرعاً ولا عرفاً ، بل القبلة لها اسم يخصها ، والوجه له اسم يخصه ؛ فلا يدخل أحدهما على الآخر ، ولا يستعار اسمه له . نعم القبلة تسمى وجهة ، كما قال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾(البقرة: من الآية148) ، وقد تسمى جهة ...، وإنما سميت قبلة ووجهة لأن الرجل يقابلها ويواجهها بوجهه . وأما تسميتها وجهاً فلا عهد به ؛ فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى ؟ مع أنه لا يعرف تسمية القبلة »وجهة الله« في شيء من الكلام ، مع أنها تسمى وجهة ؛ فكيف يطلق عليها »وجه الله« ولا يعرف تسميتها وجهاً ....

        الوجه الثاني : أن الآية لا تعرُّض فيها للقبلة ، ولا لحكم الاستقبال ، بل سياقها لمعنى آخر ، وهو بيان عظمة الرب تعالى وسعته ، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه ، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي ؛ فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله : ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ مُنبهاً بذلك على ملكه لما بينهما ، ثم ذكر عظمته سبحانه ، وأنه أكبر وأعظم من كل شئ ، فأينما ولّى العبد وجهه فثم وجه الله ، ثم ختم باسمين دالين على السعة والإحاطة فقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، فذكر اسمه الواسع عقيب قوله : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ كالتفسير والبيان والتقرير له ؛ فتأمله .

        فهذا السياق لم يقصد به الاستقبال في الصلاة بخصوصه ، وإن دخل في عموم الخطاب حضراً وسفراً بالنسبة إلى الفرض والنفل والقدرة والعجز .

        وعلى هذا فالآية باقية على عمومها وإحكامها ، ليست منسوخة ولا مخصوصة ، بل لا يصح دخول النسخ فيها ؛ لأنها خبر عن ملكه للمشرق والمغرب ، وأنه أينما ولى الرجل وجهه فثم وجه الله ، وعن سعته وعلمه ؛ فكيف يمكن دخول النسخ والتخصيص في ذلك ؟ .

        وأيضاً ؛ هذه الآية ذُكرت مع ما بعدها لبيان عظمة الرب ، والرد على من جعل له عدلاً من خلقه أشركه معه في العبادة ؛ ولهذا ذكر بعدها الرد على من جعل له ولداً ، فقال تعالى : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ = بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ (البقرة:116- 117) ، فهذا السياق لا تعَرُض فيه للقبلة ، ولا سيق الكلام لأجلها ، وإنما سيق لذكر عظمة الرب ، وبيان سعة علمه وملكه وحلمه ، والواسع من أسمائه ؛ فكيف تجعلون له شريكاً بسببه تمنعون بيوته ومساجده أن يُذكر فيها اسمه وتسعون في خرابها ؟ ؛ فهذا للمشركين . ثم ذكر ما نسبه إليه النصارى من اتخاذ الولد ، ووسّط بين كفر هؤلاء قوله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ ؛ فالمقام مقام تقرير لأصول التوحيد والإيمان ، والرد على المشركين ، لا مقام بيان فرع معين جزئي ....

        الوجه الثالث : أنه سبحانه أخبر عن الجهات التي تستقبلها الأمم مُنَكّرة مطلقة غير مضافة إليه …، فقال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (البقرة:148) . فتأمل هذا السياق ف ذكر الوجهات المختلفة التي توليها الأمم وجوههم ، ونزِّل عليه قوله : ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، وانظر : هل يلائم السياق السياق ، والمعنى المعنى ويطابقه أم هما سياقان دل كل منهما على معنى غير المعنى الآخر ؟ فالألفاظ غير الألفاظ ، والمعنى غير المعنى .

        الوجه الرابع : أنه لو كان المراد بوجه الله : قبلة الله لكان قد أضاف إلى نفسه القِبَل كلها ، ومعلوم أن هذه إضافة تخصيص وتشريف إلى إلهيته ومحبته ، لا إضافة عامة إلى ربوبيته ومشيئته ، وما كان هذا شأنها لا يكون المضاف إلا خاصاً ، كبيت الله وناقة الله وروح الله …([3])

        الوجه الخامس : أن تفسير القرآن بعضه ببعض هو أولى التفاسير ما وجد إليه السبيل ؛ ولهذا كان يعتمده الصحابة – - ، والتابعون ، والأئمة بعدهم ؛ واللهُ تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجهة ، وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف إليه ؛ فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين .

        الوجه السادس : أن الآية لو احتملت كل واحد من الأمرين لكان الأولى بها إرادة وجهه الكريم ؛ لأن المصلي مقصوده التوجه إلى ربه ؛ فكان المناسب أن يذكر أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك ، وليس في اختلاف الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك .

        الوجه السابع : أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسِّرةً للآية مشتقةً منها ، كقوله r : » إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه « ([4])،… وقوله : » إن الله يأمركم بالصلاة ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت « ([5]).…)([6]).



        الدراسة :

        هذه مسألة في التفسير مشكلة ، وقد رجح ابن القيم في كلامه السابق أن المراد بالوجه في الآية : وجه الله U ، الذي هو صفة من صفاته . وهذا هو القول الأول في هذه المسألة .

        والقول الثاني : أن المراد به هنا : قبلة الله ، أي : فثَمَّ قبلة الله . وهذا قول مجاهد ، والشافعي – كما سبق - .

        وابن القيم في كلامه السابق قد كفانا مؤونة تقرير القول الذي رجحه ، وذكر من وجوه ترجيحه ما يغني عن إعادته هنا . وسأكتفي بذكر مواقف أئمة التفسير من هذين القولين ، ومن تفسير هذه الآية عموماً :

        قرر ابن جرير أولاً أن معنى الآية : ( ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب ، يتعبدهم بما شاء ، ويحكم فيهم ما يريد ، عليهم طاعته ؛ فولّوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي ؛ فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي .)

        ثم قرر كذلك أن الآية جاءت مجيء العموم ، والمراد الخاص ؛ لأن قوله : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ يحتمل الوجوه التالية :

        · أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم في صلاتكم التطوع ، وفي حال مسايفتكم عدوّكم ، في تطوّعكم ومكتوبتكم ؛ فَثمَّ وجه الله – كما قال بعض أهل التأويل - .

        · فأينما تُولّوا من أرض الله فتكونوا بها ؛ فَثَمَّ قِبْلَةُ الله التي توجهون وجوهكم إليها لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها – كما قال مجاهد - .

        · فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم ؛ فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم .

        ثم قال : ( فإذ كان قوله : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ محتملاً ما ذكرنا من الأوجه ، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها .)

        ثم أطال في تقرير عدم جواز ادعاء نسخ هذه الآية ، وذكر في ذلك قواعد مهمة في مسألة النسخ في القرآن .

        ثم ختم بذكر الأقوال التي رويت في تأويل : ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ، فذكر أربعة أقوال :

        الأول : فثم قبلة الله .

        الثاني : فثمّ الله .

        الثالث : فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم .

        الرابع : عنى بالوجه : ذا الوجه ، وقال قائلوا هذه المقالة : وجهُ الله صفةٌ له .

        ولم يذكر موقفه من هذه الأقوال الأربعة ، وقد يكون ذلك لأنها مقبولة كلها عنده .([7])



        وأما ابن عطية فنقل اختلاف المفسرين في المراد بالوجه المضاف إلى الله عموماً ، والمراد به في هذه الآية على وجه الخصوص ، فقال : ( واختلف الناس في تأويل الوجه الذي جاء مضافاً إلى الله تعالى في مواضع من القرآن :

        فقال الحذاق : ذلك راجع إلى الوجود ، والعبارة عنه بالوجه من مجاز كلام العرب ؛ إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد ، وأجلها قدراً .

        وقال بعض الأئمة : تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى . …

        ويتجه في بعض المواضع كهذه الآية أن يراد بالوجه : الجهة التي فيها رضاه وعليها ثوابه كما تقول : تصدقت لوجه الله تعالى .

        ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه : الجهة التي وجهنا إليها في القبلة …

        وقال بعضهم : يحتمل أن يراد بالوجه هنا الجاه ، كما تقول : فلان وجه القوم أي موضع شرفهم ؛ فالتقدير فثم جلال الله وعظمته .)([8])

        ووافقه القرطبي في ذكر هذه الأقوال ، حيث نقل أكثر كلامه هنا ، وزاده إيضاحاً وبياناً وتمثيلاً .([9])

        وأما الرازي ففسر الوجه بناء على مذهبه في التأويل ، وذكر كلاماً لا حاجة إليه هنا يقرر فيه مذهبه الفاسد ، ثم ختم بقوله : ( فلا بد من تأويله بأن المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته . ) ([10])

        وجمع أبو حيان ما ذكره ابن عطية ، والقرطبي ، وأضاف إليه كلاماً موافقاً لكلام المبتدعة المأولين ، وبالغ – عفا الله عنه – في الرد على من أثبت صفة الوجه لله تعالى ، ورمى من فعل ذلك بأوصاف لا تليق ، ثم قرر أن الآية تحمل على المجاز ، أو على حقيقة يصح نسبتها إلى الله تعالى .([11])

        وأما ابن كثير فلم يتعرض لهذه المسألة في تفسيره ، ولكنه بدأ تفسيره للآية بما يدل على أنها نازلة في شأن القبلة في الصلاة ، وذكر في أثناء ذلك قول مجاهد في تفسير الذي فسّر فيه الوجه هنا بالقبلة ، ولم يتعقبه بشيء . ([12])

        وفسّر ابن عاشور الوجه بالذات ، وذكر أن هذا التفسير حقيقة لغوية ، ثم قال : ( وهو هنا كناية عن علمه فحيث أمرهم باستقبال بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك ، وهو أيضاً كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ، ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ) ([13]).

        وبعد هذا العرض الذي ظهر من خلاله اختلاف المفسرين في تفسير الوجه هنا ، وتباين آرائهم في مسألة إثبات الصفة لله U .

        وحتى لا يخرج الكلام عن حدود التفسير سأقتصر على ذكر موقف المفسرين الذين هم من المعروفين بسلامة منهجهم في هذا الباب ، وقد سبق ذكر موقف ابن جرير ، وابن كثير .

        قال السمعاني في تفسيره في أن ذكر بعض الوجوه المحتملة ، ومنها قول مجاهد : ( وقد ذكر الله تعالى الوجه في كتابه في أحد عشر موضعاً ، وهو صفة لله تعالى . وتفسيره : قراءته والإيمان به .)([14]) ولعله يقصد عدم الخوض في تأويله ، والحديث عن كيفيته ؛ لأنه قال في موضع آخر : ( والوجه صفة الله تعالى بلا كيف ، وجه لا كالوجوه .)([15])

        وذكر البغوي الوجوه الأربعة التي ذكرها ابن جرير .([16])

        وقال السعدي في تفسيره : ( فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى ، وأن لله وجهاً لا تشبهه الوجوه .)([17])

        وذكر ابن عثيمين أن المفسرين من السلف والخلف اختلفوا في تفسير الوجه في هذه الآية ، فقال بعضهم : المراد به وجه الله الحقيقي ؛ وقال بعضهم : المراد به الجهة . ثم قال : ( ولكن الراجح أن المراد الوجه الحقيقي ؛ لأن ذلك هو الأصل ، وليس هناك ما يمنعه ، وقد أخبر النبي r أن الله تعالى قبل وجه المصلي …)([18])

        وممن فصّل القول في هذه المسألة : شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ فقد قرر في أكثر من موضع أن هذه الآية ليست من آيات الصفات ؛ لأن آيات الصفات الصريحة لم يقع فيها نزاع بين السلف .

        قال : ( يقال : "أردت هذا الوجه" ، أى : هذه الجهة والناحية ، ومنه قوله ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أى : قبلة الله ، ووجهة الله ؛ هكذا قال جمهور السلف - وإن عدها بعضهم فى الصفات - ، وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر …)([19])

        وقال في سياق كلام له - ذكره جواباً لمن قال له من المخالفين : وجدنا ما يدل على أن السلف قد أولوا صفة الوجه - : ( فقلت : لعلك تعنى قوله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ؟

        فقال : نعم ؛ قد قال مجاهد والشافعي : يعنى قبلة الله .

        فقلت : نعم ؛ هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما ، وهذا حق ، وليست هذه الآية من آيات الصفات ، ومن عدّها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة ؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد ، حيث قال : ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ، والمشرق والمغرب الجهات ، والوجه هو الجهة ، يقال : "أيُّ وجهٍ تريده ؟ " ، أي : أيُّ جهة ، "وأنا أريد هذا الوجه" ، أي : هذه الجهة ، كما قال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾(البقرة: من الآية148) ؛ ولهذا قال : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ، أي : تستقبلوا وتتوجهوا .)([20])

        وقد زاد هذا الكلام بسطاً وتفصيلاً في موضع آخر .([21])



        النتيجة :

        بعد النظر والبحث في هذه المسألة لم أستطع الجزم بقول راجح في المراد بالوجه هنا ؛ فالمسألة عندي من المشكلات ، وقد خالف التلميذُ فيها شيخَه ، ، ولكل قول حجج قويه .

        ولكن باعتبار ما ذكره كل فريق من الحجج التي ترجح قوله ؛ أرى أن حجج ابن القيم التي ذكرها لتقرير القول الذي صححه أقوى وأكثر ، مع أن في بعضها نظراً .



        --------------------------------------------------------------------------------

        ([1] ) تفسيره هذا أخرجه الترمذي في سننه – كتاب التفسير – باب ومن سورة البقرة – رقم 2958 ، وابن جرير في تفسيره 2/534 . وهو صحيح عنه . انظر التفسير الصحيح للدكتور حكمت بن بشير ياسين 1/221 .

        ([2] ) انظر قوله في كتاب أحكام القرآن جمع البيهقي 1/64 .

        ([3] ) ذكر هنا وجهين ، وقد رأيت حذفهما .

        ([4] ) جزء من حديث أخرجه أبو داود – كتاب الصلاة – باب في كراهية البزاق في المسجد – رقم 480 ، وهو حديث صحيح أصله في الصحيحين . انظر صحيح البخاري – كتاب الصلاة – باب : حك المخاط بالحصى من المسجد – رقم 408 ، وصحيح مسلم – كتاب المساجد ومواضع الصلاة – رقم 548 .

        ([5] ) جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في مسنده 28/404-406 رقم 17170 ، الترمذي في كتاب الأدب – أبواب الأمثال – باب : ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة – رقم 2863 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب . وهو حديث صحيح . وانظر تخريجه بتوسع في تعليق محققي المسند 28/406-407 [ حاشية ] ، وفي تعليق محقق مختصر الصواعق 3/1022 [ حاشية ] .

        ([6] ) مختصر الصواعق المرسلة باختصار وتصرف يسير 3/1010-1022 .

        ([7] ) انظر جامع البيان 2/533-536 .

        ([8] ) المحرر الوجيز 1/335 باختصار وتصرف يسير جداً .

        ([9] ) انظر الجامع لأحكام القرآن 2/83-84 .

        ([10] ) انظر التفسير الكبير 4/20-21 .

        ([11] ) انظر البحر المحيط 1/577-578 .

        ([12] ) انظر تفسير القرآن العظيم 1/370-374 .

        ([13] ) انظر التحرير والتنوير 1/

        ([14] ) تفسير القرآن 1/129 .

        ([15] ) المصدر السابق 2/108 .

        ([16] ) انظر معالم التنزيل 1/140 .

        ([17] ) تيسير الكريم الرحمن ص57 .

        ([18] ) انظر تفسير القرآن الكريم – تفسير سورة البقرة 2/13-14 .

        ([19] ) مجموع فتاوي شيخ الإسلام 2/428-429 .

        ([20] ) انظر المصدر السابق 3/193 .

        ([21] ) انظره في المصدر السابق 6/15-17 .
        محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
        [email protected]

        تعليق


        • #4

          ===================
          أقول:
          ===================

          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



          جزاكم الله خيرا

          مضوع شيق و مهم

          /////////////////////////////////////////////////

          تعليق

          20,488
          الاعــضـــاء
          234,576
          الـمــواضـيــع
          43,649
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X