• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تحفة الزمن في تراجم قراء اليمن

      رابطة قراء اليمن

      تحفة الزمن في تراجم قراء اليمن (1)
      د. جمال ياسين

      الثلاثاء 22 جمادى الآخرة 1443هـ- الموافق 25 يناير 2022م


      المقرئ جمال الدين الأصبحي النظاري (ت 797هـ)

      - من قراء مدينة إب -


      اسمه ونسبه:

      الإمام المقرئ الفقيه جمال الدين محمد بن أبي بكر رضي الدين بن عمر بن منصور الأصبحي، النظاري، الشنيني، الإبي، اليمني.
      الأصبحي: نسبة إلى ذي أصبح، إحدى القبائل اليمنية. وأصبح أحد ملوك اليمن.
      النظاري: نسبة إلى قرية النظاري، من عزلة الحرث، من مديرية بعدان، من محافظة إب.
      الشنيني: نسبة إلى قرية شنين، من عزلة السحول، من مديرية المخادر، من مدينة إب.
      الإبي: نسبة إلى مدينة إب اليمنية.


      نشأته العلمية:

      درس القراءات السبع على والده العلامة المقرئ الفقيه رضي الدين الأصبحي وأجازه بها، كما تلقى على والده أيضًا العلوم الأخرى كالتفسير والفقه وعلوم اللغة وغيرها، حتى برع فيها وأجاد، ثم رحل بأمر والده إلى مدينة تعز؛ وذلك للقراءة على الإمام المقرئ جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي، فلازمه، وكان من أجل تلامذته، ولم يزل الفقيه جمال الدين يلتقط فوائد الإمام الريمي، مجتهدًا بالقراءة والتحصيل، حتى أجازه.


      سنده في القراءات السبع:

      قرأ الإمام المقرئ جمال الدين الأصبحي القراءات السبع على والده المقرئ الفقيه رضي الدين أبي بكر بن عمر الأصبحي، وهو على شيخ الإقراء في اليمن علي بن أبي بكر بن شداد الزبيدي، وهو على المقرئ أحمد بن يوسف بن محمد الريمي، وهو على المقرئ يوسف بن محمد الريمي، وهو على المقرئ علي بن عمر بن سويد بن أسعد القاسمي، وهو على المقرئ علي بن محمد بن علي بن همدان المعجلي، وهو على المقرئ سعيد بن أسعد بن حمير التباعي، وهو على المقرئ محمد بن إبراهيم بن أبي مشيرح الحضرمي، وهو على المقرئ علي بن عمر أبو الحسن الطبري، وهو على المقرئ أبي معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري، وهو بأسانيده المعروفة للقراء السبعة جميعًا.


      تدريسه وأعماله:

      بعد أن تلقى الإمام المقرئ جمال الدين الأصبحي العلم في مدينة تعز، انتقل بأمر والده إلى قرية (النظاري) في عزلة (الحرث) من ناحية (بعدان) ضاحية (إب)؛ للإقراء والتدريس والفتوى، وذلك مكان عمه الفقيه المقرئ بالقراءات السبع الفقيه شمس الدين علي بن عمر الأصبحي، والذي وافته المنية آنذاك، فلما وصل إليها أكرمه أهله واحتفوا به كما هو شأنهم بالاحتفاء بالقراء والعلماء دائمًا، فظل فيها يقرئ ويفتي زمنًا، ثم انتقل إلى مكان والده في قرية (شنين) في وادي (السحول)، فتناول معه الإقراء والتدريس والإفتاء، وكانت المسائل المـُشكلة ترد عليهما فيحلان إشكالها، ويوضحانها أتم إيضاح.

      وكتب الإمام المقرئ جمال الدين الأصبحي بخطه من الكتب ما لم يقدر عليه أحد من أهل وقته من شروح القراءات والفقه والحديث وغيرها، وضبطها أحسن ضبط، وكان يكتب المصحف الكريم فيفرغه في ثلاثة أيام.


      أدبه وشعره:

      كان المقرئ جمال الدين الأصبحي أديبًا شاعرًا كوالده، يرتجل الشِّعر؛ من ذلك أنَّ كلَّ واحدٍ منهما خَمَّسَ البيتين للإمام السبكي في مدح النووي وهما:

      وفي دار الحديث لطيف معنى ... إلى بسط لها أصبو وآوي
      عسى أني أمس بحر وجهي ... مكانًا مسه قدم النواوي

      فقال والده الفقيه رضي الدين:
      إذا ما شئت تسعد يا معنى ... وتسمع قولنا وتكون منا
      فدعنا عنك من سعدى ولبنى ... وفي دار الحديث لطيف معنى

      وقال الولد المقرئ جمال الدين:
      رأيت برقعة بيتين شعرا ... إلى السبكي تنسب نال أجرا
      فخمسها أبي لتكون ذكرى ... لمن يدعو بدنيا ثم أخرى

      وسافر الإمام رضي الدين وولده المقرئ جمال الدين إلى مكة المشرفة، فحجا، وزارا قبر النبي ، ثم رجعا إلى بلدهما فتذاكرا حجهما، فقال الإمام رضي الدين على البديهة شعرًا:

      يا ليت والله لنا كرة ... نجدد العهد بأم القرى

      فقال ولده المقرئ جمال الدين:
      وبعدها نثني إلى طيبة ... نجدد العهد بعالي الذرا
      فنسأل الله تعالى بما ... أنزل في الكتب ومن قد قرا

      فقال والده:
      يوفق الكل لمرضاته ... ويغفر للكل ما قد جرى

      فقال ولده:
      وصل ما هبت رياح الصبا ... على المصطفى خير من قد يُرى


      أبياته في مدح التبيان في آداب حملة القرآن:

      من شعر المقرئ جمال الدين أبيات مَدَحَ فيها كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي، قال فيها:

      نِعْمَ المؤانس يا أخي تبيان ... تلهو به إن فاتك الخلان
      يُقْرِئك علمًا ثم حُسن تأدبٍ ... وتطيب عند سماعه الأذهان
      جمع الإمام الحبر من قد زاره ... من ربنا عالي العلا رضوان
      لله صنَّفه وأخلص قصده ... فصفى له الإسرار والإعلان
      يا رب فانفعنا به وبقصده ... يا حي يا قيوم يا ديان
      واغفر لعبد مذنب قد قالها ... يا أكرم الكُرَمَاءِ يا رحمن
      وصلِّ الصلاة على النبي المصطفى ... ما كرَّتِ الأزمان والأحيانُ
      ما لاح برق ما تلألأ كوكب ... ما اهتز للريح الصِّبا أغصان


      منظومته في آداب القارئ:

      نظم المقرئ جمال الدين الأصبحي منظومة في آداب القارئ، وجعلها في (45) بيتًا، من جملتها الأبيات التالية:

      يا قارئ القرآن ما أنصفته ... إن لم تصنه عن ارتكاب العارِ
      تقرا الكتاب ولم تقم بحقوقه ... لم تخش توبيخ العزيز الباري
      يوم الزواحف والروادف والبَلَى ... والناس من هول الوقوف سَكَارِي
      ما أقبح القاري إذا هو جالس ... بمجالس الأوساخ والأقذارِ
      بين التلاعب والتداعب والِمرا ... والقيل والقهقاه والقرقارِ

      وفيها:
      فاقرأه شكرًا إن تكن من أهله ... وأدم عليه بكثرة التكرارِ
      بتدبر وتفكر وتصرفٍ ... وتبصر وتهجد الأسحارِ

      وآخرها قوله:
      يا رب صبرنا على الطاعات واعـ ... ـصمنا وجنبنا عذاب النارِ
      وتوفنا بعد الرضى عنا وسا ... محنا بحرمة صاحبٍ في الغارِ
      وبجاه أصحاب النبي وآله ... وبحرمة الأخيار والأنصارِ
      اغفر لنا والسامعين جميعهم ... من حرِّ نارك يا مجير الجارِ
      ثم الصلاة على النبي وآله ... ما لاح برق في دجى الأسحارِ


      وفاته --:

      مَرِضَ المقرئ الفقيه جمال الدين، فأتى إليه والده الفقيه رضي الدين، وأخاه عفيف الدين، يعودانه، فقال لهما: إني خرجت ذات ليلة أريد صلاة الصبح مع جماعة في المدرسة بـ (شنين)، فلما وصلت باب المدرسة الأوسط؛ إذ أنا بطائرين على الباب، أحدهما أبيض شديد البياض، والثاني أخضر، فقال لي أحدهما: السلام عليك ورحمة الله، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الطائر: لا إله إلا الله، فقلت: لا إله إلا الله، ثم سكت الطائر الأبيض، فقال الطائر الثاني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم إن الطائر الأبيض نكس رأسه إلى الأرض كأنه منشغل بشيء، والطائر الأخضر رفع رأسه ونظر إلي بعينين جميلتين، فما زال ينظر إلي ساعة، وهو يكاد أن يتكلم أو يضحك، ثم بعد ذلك طارا جميعًا إلى جهة القبلة، فبقيت معجبًا من أمرهما، ثم توضأت، ودخلت المسجد، فأول ما سمعت: قارئًا يقرأ: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، فأيقنت أني مَيِّت من ذلك المرض. فقال والده: يا ولدي لعل ذلك كان في المنام، فقال: لا والله -ومد بها صوته-، بل رأيتهما في اليقظة بعيني هاتين.. ثُمَّ دام عليه ذلك المرض أيامًا، ثُمَّ تُوفي وقت صلاة الضحى في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وسبعمائة. ودفن بمقبرة قرية (شنين).

      مصادر الترجمة:

      1. طبقات صلحاء اليمن، البريهي (ص 52-49).
      2. هجر العلم ومعاقله في اليمن، الأكوع (1054/2).
      3. مخطوطات للمؤلف.

      - معجم قراء اليمن من عصر صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر. د. جمال ياسين.
      أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بجامعة إب

    • #2

      رابطة قراء اليمن

      تحفة الزمن في تراجم قراء اليمن (2)
      د. جمال ياسين

      الثلاثاء 29 جمادى الآخرة 1443هـ
      الموافق 1 فبراير 2022م


      المقرئ محمد بن أحمد زايد (ت 1339هـ)

      - من قراء مدينة صنعاء -

      اسمه ونسبه:

      المقرئ محمد بن أحمد بن حسن بن الفقيه أحمد بن سعيد بن هادي بن زايد الصنعاني.
      يرجع نسبه إلى بني زايد بن جابر بن سعيد بن وجيه. سكنوا في هجرة (العِر) بالحيمة الداخلية. وما زال بها بقية باقية، وترجع أصولهم إلى خولان الطيال (العالية).


      ولادته ونشأته ورحلاته العلمية:

      ولد المقرئ محمد بن أحمد زايد بصنعاء سنة 1272هـ، ونشأ بها، وأخذ عن علمائها في فنون العلم من النحو، والصرف، والتفسير، والحديث، والأصول، والفروع، وعلى رأسها علم القراءات. حتى أصبح عالمـًا مقرئًا، يقصده طلبة العلم من كل مكان.

      كما ارتحل لتدريس ما تلقاه من العلوم في عدة مناطق يمنية، كالروضة، وعمران، وحراز، وغيرها. كما عمل مدرسًا بدار المعلمين التي أنشأها الأتراك سنة 1895م.

      وطلبه الإمام المتوكل على الله لتهذيب بعض أولاده، فسار إلى (قفلة عذر) من بلاد حاشد، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى صنعاء، وقد وثق ذلك في إجازته لأحد طلابه، وهو السيد أحمد بن عبد الرحمن الشامي، بقوله:
      "فلما نبت بي الديار وترامت بي الأسفار، وساقني القضاء والقدر إلى الإقامة في قفلة عذر لتعليم أولاد إمام الزمان ...".


      مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:

      وصفه شيخه في القراءات العشر العلامة المقرئ علي بن أحمد السدمي (ت 1364هـ) في إجازته له، بقوله:
      "الأريب اللوذعي النجيب، من انقادت لهمته أعناق الأتراب، وفاق عليهم بما علمه حتى ارتفع فوق السحاب، همة يا لها من همة، ورفعة يا لها من رفعة".

      وأضاف:
      "لقد استفدت على المشار إليه قبل التفوه بذكره أكثر مما استفاد علي، وأفادني ما لا يخطر لي على بال، مع المذاكرة في ذلك في جميع الأحوال، في البُكَر والآصال، فمع علو همته السامية ومرتبته العالية، طلب مني، وما أحق بأن أطلب منه، بأن أجيز له ما تلقنته وتفهمته حرفًا حرفًا من شيخي ...".

      ووصفه تلميذه العلامة المقرئ يحيى بن محمد الكبسي (1410هـ) في رسالة كتبها إليه، بقوله شعرًا:

      وأعني به تاج الهداة مُكَلَّلٌ ... هو الفذ والنجم المضيء ذوي العصرِ

      محمد الشيخ بن أحمد زايد ... هو الصدر في القراء ويا لك من صدرِ

      هو العالم النحرير والحبر الذي ... نلوذ به في المبهمات على الفكر

      سمي التقى من ذاع في الأفق فضله ... وضاع به حتى غدا سيد الغر

      كما وصفه أيضًا تلميذه العلامة المقرئ علي بن عبد الله الطائفي (ت1390هـ) - في رسالة كتبها إليه - بقوله:
      "قدوة العلماء المحققين، عمدة البلغاء المدققين، وافتخار العلماء الراسخين، ومفيد المحصلين والطالبين، العلامة الأفضل، والفهامة الأمثل، وحید الدهر، وفريد العصر، عز الإسلام، والبدر الساري في حنادس الظلام".


      شيوخه وتلاميذه:

      تلقى المقرئ محمد بن أحمد زايد القراءات، والعلوم الأخرى على عدد من شيوخ الجامع الكبير بصنعاء، كان من بينهم:
      المقرئ علي بن أحمد السدمي، والمقرئ علي بن أحمد الشرفي، والعلامة القاسم بن الحسن المنصور، والقاضي الحسين بن علي العمري، والقاضي محمد بن أحمد العراسي.


      وكان للمقرئ محمد بن أحمد زايد عدد كبير من التلاميذ، أنشد فيهم أبياتًا، فقال:

      وقد سار باسمي في الورى كل مهتد ... وكل إمام في القراءة مرشد

      رواتي من الحفاظ في كل بلدة ... لهم زجل بالذكر في كل مسجد

      وسل عنهم صنعا وعمران والذي ... بسفح ذمار ثم روضة أحمد

      كان من أبرز تلاميذه:
      المقرئ يحيى بن محمد الكبسي، والمقرئ علي بن عبد الله الطائفي، والمقرئ أحمد ناصر الخولاني، والفقيه أحمد بن حسين الطرماح، والعلامة محمد بن حسين العمري، والأمير الحسن بن الإمام يحيى حميد الدين، والأمير الحسين بن الإمام يحيى حميد الدين، والعلامة عبد الواسع بن يحيى الواسعي، والقاضي عبد الله بن أحمد الرقيحي.


      سنده في القراءات العشر:

      قرأ الإمام المقرئ محمد بن أحمد زايد القراءات العشر على المقرئ جمال الهدى علي بن أحمد السدمي، وهو على المقرئ علي بن أحمد الشرفي، وهو على المقرئ عماد الدين يحيى بن هادي الشرفي، وهو على المقرئ یاقوت بن عبد الله الحبشي، وهو على المقرئ هادي بن الحسين القارني، وهو على المقرئ علي بن عثمان العجمي، وهو على المقرئ عبد الله بن محمد بن يوسف، وهو على المقرئ محمد المسمى أفندي، وهو على المقرئ أحمد المسيري المصري، وهو على المقرئ ناصر الدين بن عبد الله الطبلاوي، وهو على المقرئ القاضي زکریا بن محمد الأنصاري، وهو على المقرئ صفي الدين أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن يوسف الشهاب، وهو على شيخ شيوخ الإقراء الإمام الحجة الحافظ أبي الخير محمد بن محمد بن الجزري، وهو بأسانيده المعروفة للقراء العشرة. جميعًا.

      وقد نظم المقرئ محمد بن أحمد زايد سنده هذا في قصيدة جعلها في (43) بيتًا، قال في أوائلها:

      لك الشكر يا من يسر الذكر للذكرِ ... ويا من تولى حفظه دائم الدهرِ

      وبعد صلاة الله ثم سلامه ... على خيرِ مختارٍ من الـمُجَّدِ الغُرِ

      محمدٌ الهادي البشيرِ وآلهِ ... وأصحابهِ أهلِ الفضائلِ والفَخرِ

      وبعدُ فخذ نظمًا مفيدًا مسلسلًا ... به سَنَدُ القُرَّا إلى الطاهرِ الطُهرِ

      قرأت على الشيخ المحققِ شيخنا ... جمال الهدى نجلِ البدورِ أولي البرِ

      عليُّ بنُ أحمدَ مَنْ سَمَا بذكائهِ ... على كلِّ تالٍ للكتابِ ومَنْ يُقْرِي

      عنِ الحافظِ المشهورِ بالفضلِ والتقى ... رئيس المشايخِ في القراءةِ في عصري

      أميرُ سرايا العلمِ والفاضل الذي ... غدا راويًا للسبعِ بل راوي العشرِ

      عليُّ بنُ أحمدَ شَرَّفَ الله ذاتهُ ... وجازاهُ عَنَّا بالأَدَا أفضل الأجرِ

      فوائدهُ في وقفِ حمزةَ قد جَلَتْ ... فمنْ روضِها فاجْنِ الثمارِ معَ الزَّهرِ

      ومنْ بحرهِ فانهلْ فَيَا لكَ مَوردًا ... يفوقُ على قَطْرِ الغمامةِ والنهرِ

      إلى أن قال:

      عنِ الأزرقِ القاري لورشٍ ومَنْ رَوَى ... لهُ المدُّ والتوسيطُ مَعْ ذلكَ القَصرِ

      وورشٌ وقالون لنافع والذي ... روى ليزيدٍ وهْوَ للعالمِ الحَبرِ

      وَذَاكَ ابنُ عباس الذي ذاعَ علمهُ ... روى لأُبَيّ وهو عَنْ خَاتَمِ الرسلِ

      عليهِ صلاةُ الله مَا هَبَّتِ الصَّبَا ... وتسليمُهُ مَا شَنَّتِ الـمُزْنُ بالقَطْرِ

      فتلكَ طريقٌ في الأداءِ لنافعٍ ... وإن شِئْتَ تُحصِي العَدَّ فانظُرْ إلى النَّشْرِ

      وخُذْ سَنَدَ الباقينَ عَذبًا مُسَلُسَلاً ... مِنَ النشْرِ والتَّيسِيرِ بِلا عُسْرِ


      مؤلفاته في القراءات:

      ألف المقرئ محمد بن أحمد زايد في علم القراءات عددًا من الكتب بين منظوم ومنثور، من أبرزها:

      ( 1 )
      الكوكب الدري شرح ناظمة الزهر

      وهو شرح جليل على المنظومة المسماة بـ (ناظمة الزهر في عد الآي) للإمام الشاطبي (ت 590هـ)، قال المؤلف في مقدمته:
      "وقد وصَلَتْ إليَّ هذه المنظومة، المشتملة على عد الآي مختومة، ولم أسمع بشرح لها مذكور، ولا كتاب يحل دقائقها مسطور، غير أنّها محتاجة إلى فتح بابها، وكشف نقابها، ومعرفة رموزها وخطابها، وكلما هممت أن أعلق عليها شرحًا ثبطني قل البضاعة عن الإقدام، ومنعني عن الانتصاب في هذا المقام، وكنت كما قيل:

      عذرًا فباعي في الصناعة قاصر ... وجيدي عن عقد البلاغة عاطلُ

      حتى سنح لي بعد الاستخارة، ومراجعة بعض الفضلاء، ما صمم به عزمي على الشروع في ما أردته، والإتيان على ما قصدته، وعلى المرء أن يسعى في الخير جهده، جعله الله سعيًا مقربًا إليه، وفعلَا مزلفًا لديه، وأسأله التوفيق في الأقوال والأفعال، وأن يعود على زللي بتجاوزه وغفرانه، وعلى خطلي بتلافيه وحنانه، وأن يجعلني ممن سعد بكتابه، وحظي فيه بجزيل ثوابه".

      وفي خاتمة شرحه هذا كتب أبياتًا مدح فيها ناظمة الزهر وناظمها الإمام الشاطبي، فقال فيها:

      وتمت وقد فاقت بألفاظها التبرا ... وقد جمعت في سلكها الدر والشذرا

      وقد كشفت آيات خلف وأبرزت ... فواصل آي باتفاقٍ علت قدرا

      بستة آلاف مع مائتين قل ... وعشرون مع ثنتين فاصدق بها الفكرا

      فلله در الشاطبي لقد حوى ... علومًا سرت في الغرب يا حبذا المسرى

      أحاط بعلم الذكر حرفًا وآية ... ورسمًا فطالِعها إذا شئت أن تقرا

      وخذ درسها وِردًا تنالُ به العُلى ... ودع ذكر سُعْدَى والتواصُلِ والهجرا

      ومن كان بالعلم الشريف اشتغالهُ ... فقد فاز في الدارين دنياه والأخرى


      وقد قام بتقريظ كتابه الكوكب الدري عدد من كبار الشيوخ والقراء، منهم الشيخ علي بن أحمد الشرفي، أثنى على الشرح، ووصف المؤلف بأنه: "إمام علوم زاهد من ذوي القدر".

      كما أثنى على الشرح الشيخ العلامة محمد بن حسن دلال، في أبيات قال فيها:
      أضأت بشرح الزهر ناظمة الزهرِ ... كذا خص بالتعريف بالكوكب الدري

      به شرحت أنوار كل منور ... بطالعه المنعوت في منهج الذكرِ

      جزى الله من أملاه خيرات فضله ... ونال من الإيمان نورًا على نورِ

      ومن مؤلفاته:
      ( 2 )
      منظومة الحاج في بيان ما اختلف فيه راويا نافع

      تتكون من (136) بيتًا. قال المؤلف في مطلعها:
      بدأت بمن أغنى وأقنى بعدله ... وأعطى ولم يمنن وأولى وأفضلا

      وأوزعني شكرًا لفضل عطاياه ... وحمدًا عليه مجملًا ومفصلًا

      وعممنا بالجود من كل وجهه ... وفعم حوض البر بالبر فامتلا

      وصلى إلهي في الصباح وفي المسا ... على من رق شأوًا بعيدًا من العلا

      كذاك على الآل الكرام وصحبه ... مصابيح الدجى داجي ما أهم وأشكلا


      كما دمج المؤلف بعض أبيات منظومته هذه بأبيات من منظومة الشاطبية، من ذلك قوله:
      إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ ... جهارا من الشيطان بالله مسجلا

      على ما أتى في النحل يسرا وإن تزد ... لربك تنزيها فلست مجهلا

      وقالون بين السورتين مبسملا ... وورش بلا نص على قول من تلا

      وصل واسكتن من غير نص لورشهم ... وبعضهم في الأربع الزهر بسملا

      ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسيف لست مبسملا

      ولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خير من تلا

      وصل ضم ميم الجمع قبل محرك ... وسكن لقالون بتخييره جلا

      وختم المنظومة بقوله:
      جمعت بحمد الله في خلف نافع ... من الحرز بعض ثم بعض مكملا

      فجاءت مائة تلت ثلاثون بعدها ... وست بلا ريب لمن قد تأملا

      وتم صلاة الله يتلو سلامه ... على أحمد والآل مني توسلا

      ومن مؤلفاته:
      ( 3 )
      شرح منظومة الشاطبية

      ( 4 )
      شرح منظومة عقيلة أتراب القصائد

      ( 5 )
      تحفة الأحباب شرح منظومة هداية المرتاب

      ( 6 )
      استدراكات على كتاب العقد الفريد والدر النضيد
      للإمام جمال الدين الملحاني (ت938هـ)


      وفاته رحمــه الله:

      انتقل المقرئ محمد بن أحمد زايد إلى جوار الله في يوم الجمعة غرة ذي الحجة الحرام سنة 1339هـ بصنعاء. ووري جثمانه الطاهر بمقبرة مَاجِل الدِّمَّة بصنعاء.

      وأرخ وفاته المؤرخ محمد زبارة في أبيات، منها:
      وغرة الحجة الشهر الحرام بصنعاء ... مات مفخرة القراءِ عن كَمَلِ

      محمد زاید شيخُ الشيوخِ حليف الـ ... ذكر والعلم في صبح وفي أصل

      عن سبعة بعد ستين لمولد شيخنا ... أجاب دعاء الدائم الأزلي


      ورثاه القاضي أحمد السكري بقصيدة، قال فيها:
      لَـهَفِي على العَلَمِ الإمام الأمجدِ ... بحر العلومِ ونور دينِ محمدِ

      عِزُّ الأنامِ وغًوثُ كلِّ مؤمِلٍ ... بَدرُ الهُدى وشمسُ كلِّ مُوَحِّدِ

      غيثٌ مغيثٌ أو عُبَابٌ زاخرٌ ... أو طَودُ حِلْمٍ قُدوة للمُقتَدِي

      عَلَّامَ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَغَرِيبَةٍ ... ومُبِينُ مُشْكِلِهِ بِنَصٍّ مُسْنِدِ

      وَرَعٌ سَحِيحٌ وَاحتِمَادٌ کَامِلٌ ... بِعِبَادَةٍ وَزَهَادَةٍ وَتَهجُّدِ

      لَولَا التَأَسِّي بِالنَّبِيِّ محمدٍ ... لَبَكَيْتُهُ أبَدًا بِدَمْعٍ سَرْمَدِيّ

      فَاللُه يَجْزِيهِ الثَّوَابَ بِمَنِّهِ ... فَي جَنَّةِ المَأْوَىَ بِأَعلَى مَقْعَدِ


      من مصادر الترجمة:

      تحفة الإخوان، الجرافي (ص 109)، لامية نبلاء اليمن، زبارة (ص 80، 79)، نزهة النظر، زبارة (ص 544)، مصادر الفكر، الحبشي: (ص 42)، مخطوطات للمؤلف أفاد عنها حفيده أ. إبراهيم زايد، مخطوطات للمؤلف في حوزتي مصورات عنها.
      معجم قراء اليمن
      من عصر صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر
      د. جمال ياسين
      أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بجامعة إب

      تعليق


      • #3

        رابطة قراء اليمن


        تحفة الزمن في تراجم قراء اليمن (3)
        د. جمال ياسين

        الثلاثاء 7 رجب 1443هـ الموافق 8 فبراير 2022م


        المقرئ الفقيه محمد بن حسن فرج (ت 1306هـ).

        - من قراء مدينة الحديدة -


        اسمه ونسبه

        المقرئ جمال الدين محمد بن حسن بن سعد بن فرج بن حسن بن فرج بن يوسف، الفقيهي، الحديدي، اليمني. ينتهي نسبه إلى قضاعة بن معد بن عدنان.

        الفقيهي: نسبة إلى بيت الفقيه في تهامة اليمن.
        والحديدي: نسبة إلى مدينة الحديدة.


        ولادته ونشأته العلمية

        ولد المقرئ الفقيه جمال الدين محمد بن حسن فرج ببلده (بيت الفقيه) سنة 1240هـ، ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم وجوده وحفظه، وأخذ علم القراءات، والفقه، والحديث، والأصول، والتفسير، والنحو، والمعاني، والبيان، والفرائض، والحساب، والعروض، والمنطق، والتوحيد، وأصول الحديث، وعلم الرجال، والصرف، وسائر العلوم المتداولة بين الناس، كعلم البديع، والجدل، وغيرهما، عن شيخه، ومربيه، السيد، العلامة، المشهور، مفتي بيت الفقيه، والمرجع إليه في وقته، رزق بن رزق بن يحيى العلوي (ت1291هـ)، وتخرج به.

        فمن مقروءاته عليه منظومة الزبد، ومنهاج النووي، وشرح ابن دقيق العيد على عمدة الأحكام، والملحة وشرحها لبحرق، وحاشية السيد على ابن الحاجب، وجمع الجوامع مع شرحه في أصول الفقه، وشرح التلخيص في المعاني والبيان والبديع، والمطلع شرح إيساغوجي في المنطق، ومؤلف ابن مالك في العروض والقوافي، ومنظومة الجزازية في العروض، وغير ذلك، وقد سمع صحيح البخاري من شيخه مرات عديدة، وسمع منه كثيرًا من كتب السير وكتب علم القراءات.

        كما قرأ وأخذ على غيره من سائر العلماء الأعيان على اختلاف طبقاتـهم وتباين صفاتـهم وحقائقهم، أخذ عليهم في جميع العلوم، وبارى في ميادين السبق والفهوم، وحاز القدح العالي، ونال المرتبة العليا.

        وكان شيخه السيد رزق يحبه، ويجله، ويكرمه، ويقربه، ويقول له: "أنت منا بمنزلة الوالد من الولد، بل منزلة الروح من الجسد"، وكان هو على غاية الأدب والتواضع مع شيخه، وقد أجازه وأذن له بالتدريس والإفتاء في حياته، ولما توفي شيخه تصدر هو للإقراء والتدريس والإفتاء. وأطلق عليه علماء عصره لقب "شيخ الإسلام".


        أعماله ومناصبه

        تولى شيخ الإسلام جمال الدين بن فرج الإفتاء ببلده بيت الفقيه، خلفًا لشيخه رزق العلوي، وكان لا شغل له ولا التذاذ إلا بالعلم والمطالعة، وأوقاته كلها مشغولة بالتدريس والإقراء والإفتاء والتصنيف، وقصد القراءة من كل ناحية، وسارت بفتاويه الركبان، من كل قاصٍ ودان، وقُبلت عند العلماء الأعيان، قلَّما تجود بمثله الأزمان. فقد أتى بما لم يأت به الأوائل، وكم ترك الأول للآخر.


        سنده في القراءات القرآنية

        قرأ شيخ الإسلام جمال الدين محمد بن حسن فرج على العلامة رزق بن رزق بن يحيى العلوي، عن العلامة محمد بن المساوى الأهدل، عن العلامة عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن والده، عن العلامة صفي الدين أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن المقرئ العلامة الفقيه يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن المقرئ عبد الله بن محمد بن عبد الباقي المزجاجي، عن شيخ القراء عبد الله بن عبد الباقي العدني، عن والده المقرئ عفيف الدين عبد الباقي العدني، عن المقرئ أحمد بن يحيى الشاوري، عن المقرئ محمد بن أحمد جمال الدين المعروف بمفضل الملحاني، عن المقرئ محمد بن أبي بكر بن علي بدير، عن المقرئ أبي محمد عبد الله بن محمد الناشري، عن شيخ القراء والمحدثين الإمام الحجة الحافظ أبي الخير محمد بن محمد بن الجزري، وهو بأسانيده المعروفة للقراء العشرة. جميعًا.


        تلامذته

        أخذ عنه كثيرون زهاء ثلاثمائة، إذ ورد عليه لطلب العلم الركبان من نواح شتى، كصبيا، وغامد، وزهران، وبلاد عسير، وبلاد الجبرت – في الحبشة – وبلاد البربر- المغرب العربي - ومن بلاد مصر، ومن لحج، والحجرية، وجبال ريمة، ومن أهل المراوعة، والمنصورية، ومن حضرموت، وغيرها من البلدان الشاسعة والقريبة. وأكثرهم تخرجوا به وصاروا قراء وفقهاء وعلماء.

        فكان منهم:

        المقرئ الفقيه الحسن بن هادي الشاوري، والعلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن الأهدل، والعلامة على محمد شنده، والسيد عبد الله جمالي بن عبد الباري الأهدل، والسيد طاهر بن عبد الله البحر القديمي، والعلامة عبد الله بن علي بن إسماعيل السندي، والحسن بن هادي الشكوري، والسيد محمد عبد القادر الأهدل، والمكين عبد القادر البحر القديمي، والأمين عبد القادر البحر القديمي. وغيرهم.


        ثناء العلماء عليه

        قال عنه المؤرخ الوشلي:
        " كان متضلعًا من العلوم، تولى الفتوى ببلده المذكورة، واشتهر بالتدريس، وانتشار الفتوى، وقصد للقراءة من كل ناحية".


        وقال فيه تلميذه العلامة الأمين بن عبد القادر البحر القديمي في تاريخه:
        "شيخنا وشيخ مشايخنا الإمام الأستاذ، علامة الزمان في سائر الفنون".


        ووصفه العلامة المؤرخ الغزي بقوله:
        "الشيخ العلامة، شيخ المعقول والمنقول، والفروع والأصول، مربي السالكين، وعمدة المحققين، ذو القدر الرفيع".


        منظوماته في علم القراءات

        كان شيخ الإسلام المقرئ الفقيه جمال الدين محمد بن فرج كثير الاعتناء بالنظم، كما كان دقيقًا في اختيار الكلمات والمعاني، ونظم في أكثر من فن من فنون العلم، كما أنَّه شرح أغلب منظوماته، فمن منظوماته:
        1. منظومة في أسماء الله الحسنى، سماها: المورد الأهنا في أسماء الله الحسنى.
        2. منظومة في المجاز.
        3. منظومة في الفصل والوصل.
        4. منظومة في المعاني والبيان.
        5. منظومة في الجبر والمقابلة.

        وفي علم القراءات تعددت منظوماته، فمن ذلك:

        1) منظومة في وقوفات النبي .
        جعلها في (13) بيتًا، قال في أولها:

        يا سائلاً نَظْمَ وقُوفَاتِ النَّبيّ ... فَاسْتَمْلِهَا لِكُل شيخٍ وصَبِيّ

        في سورَتَي بَقَرَةٍ والمائدة ... فاستبقوا الخيرات هَاكَ الفَائِدَة

        وأَجَلًا من قَبْلِهِ ثُمَّ قَضَى ... بسورةِ الأنعامِ فَاسْأَلِ الرِّضَا

        أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَإِنَّهُ لَحَقْ ... بِيُونُسْ كَمَا بِهِ العَقْدُ نَطَقْ

        وقال في آخرها:

        وَسَلْ لِنَاظِمِ الوقوفِ مَغفِرة ... وخير دنياه وخير الآخرة

        والحمد لله على إتمامه ... ثم صلاة الله مع سلامه

        على النبي الهاشمي المقتفى ... وآله وصحبه أهل الوفا

        والتابعين نـهجهم من الورى ... ما قامت الدنيا على ساق الثرى


        2) منظومة في أسانيد القراء السبعة ورواتهم.

        جعلها في (40) بيتًا تقريبًا، وكتب عليها شرحًا. يقول المؤلف في أولها:

        بدأت ببسم الله نظمي أولا ... وأثني بحمد الله ذي المجد والعلا

        وأهدي صلاةً مع سلام على الذي ... يقوم مقام الحمد في الحشر مقبلا

        إلى أن قال:

        جمعت بها بعض الأسانيد موجزا ... ومختصرا كي لا يكون مطولا

        ذكرت رجالا أسند النقل عنهم ... أئمتنا كل إلى من توصلا

        وضعت رموزًا أحرفًا عنهمُ وعن ... من السند العالي إليهم موصَّلا

        وكانت حروف البدء في كلماته ... رموزهم والواو يأتيك فيصلا


        3) أبيات في أسماء القراء السبعة ورواتهم: قال فيها:

        خذ السبعة القراء ومن عنهم روى ... فنافع قالون وورش قرينه

        وقنبل والبزي لابن كثيرهم ... أبو عمرو الدوري وسوس أمينه

        ولليحصبي الشامي أعني ابن عامر ... هشام وعبد الله أضحى يعينه

        لعاصم الكوفي حفص وشعبة ... كسائي له حفص وليث معينه

        لحمزة خلاد له خلف يلي ... وتم بحمد الله حمدًا يزينه


        من شعره وأدبه

        كان شيخ الإسلام المقرئ جمال الدين ابن فرج أديبًا شاعرًا، من ذلك أنه كتب أبياتًا في الوعظ والرقائق، ضمن فيها سورة الإخلاص، قال فيها:

        يا مذنبًا ارع الإله الباري ... (قل) سيدي ثـَقُلَتْ عَلَيْ أوزاري

        فأغث غريقًا من بحور ذنوبه ... (هو) مرتج لك خائفًا من نار

        فاغفر وسامحني فإنك سيدي ... (الله) خير مُسامِحٍ غَفَّارِ

        إن لم تَجُد بالعفو عن ذنبي فلا ... (أَحَدٌ) يجود ولا يُقِيلُ عِثَارِي

        إنَّ القلوب من الذنوب تَكَدَّرَتْ ... (الله) يغسلها من الأوزارِ

        إني صَمَدْتُ إليك يا من إِسْمُهُ (الـصـْ ... صَمَدُ) الرؤوف بعبده الـمُحتارِ

        فأجر عُبَيْدَكَ من عذاب جهنم ... (لم) يَرْجُ غيرك يا عزيز الجَارِ

        وأَزلْ مصائب ذا الزمان فلم يَزَل ... (يَلِد) الزمان مصائب الأوزارِ

        فأجر لما جاء الزمان به (ولم ... يُولَد) بِعَصْرٍ مثل هذا الجارِ

        هُونٌ جَرَى في وقتنا هذا (ولم ... يَكُنِ) النظيرُ (له) على الأَعمَارِ

        وبحق مَنْ رَكِبَ البُراق ولم يكن ... (كفؤًا) له يُحصى من الأبرارِ

        وبسورة الإخلاصِ خَلِّصْنَا فما ... (أحدٌ) حَواه قَبْلُ في الأَشْعَارِ

        هذا وكم لصاحب الترجمة من مطارحات ومناظرات مع أدباء عصره، منهم: السيد العلامة محمد بن داود حجر، والسيد العلامة محمد بن إسماعيل شرعان، وغيرهم.


        مؤلفاته وآثاره العلمية

        شرع شيخ الإسلام المقرئ جمال الدين محمد بن فرج في الترصيف والتأليف، فمهر فيه وبـهر، وكان له فيه دربة، وقلم سيال، وقصده الناس للاستفتاء من شتى الجهات، وسارت بفتاويه الركبان شرقًا وغربًا.

        وكان من أعظم مؤلفاته (الفتاوى) المسماة بـ (النفحة العطرة والروضة النضرة في فتاوی ابن فرج المشتهرة). قيل عنها: "لم ينسج على منوالها". تقع في أربع مجلدات مخطوطات ضخام، كل مجلد فيه خمسمائة صفحة.

        وله كثير من المؤلفات في أنواع العلوم، كلها غرر، فمنها:

        1. رأب الصدع في القراءات السبع.
        2. الوسيلة بخدمة صاحب الوسيلة. شرح على منظومة مشحم في مواضع الصلاة على النبي .
        3. نيل الوطر في الجمع بين الصلاتين من غير عذر ولا مطر.
        4. تحرير المقال إلى أرباب الأموال.
        5. القول النظر في حياة الخضر.
        6. الأقوال المرضية في الملقبات الفرضية.
        7. إغاثة المحتاج شرح أبيات الشجاج.
        8. السراج الوهاج بشرح خطبة المنهاج.
        9. الدرر البواهي شرح أبيات الأوامر والنواهي. في علم الأصول.
        10. منحة الوهاب شرح قواعد الإعراب.
        11. التاج المعلّم شرح السلّم. في المنطق.
        12. شرح المقولات العشر. في المنطق.
        13. كشف اللبس عن معنى الحواس الخمس. قيل فيه: "لم يوجد له نظير في معناه ومبناه".
        14. تحفة المعاني لنيل فضل رتبة المعالي.
        15. الصباح الناسك لإيضاح المناسك.
        16. المواهب السنية شرح البيقونية.
        17. الإيضاح بالإتقان في المنازل والأزمان.
        18. أقصى الأماني في البيان والبديع والمعاني.
        19. الأقوال الواضحة فيما يتداوله الناس في طلب قراءة الفاتحة.
        20. وسيلة الحبيب إلى أحاديث إتحاف اللبيب.
        21. القول الحَريّ شرح أبيات البحتري. في النحت.
        22. مصنف في الجبر والمقابلة.

        وغير ذلك من التصانيف كرسائل، ومسائل، وتوسلات، وقصائد، وضوابط نحوية، ولغوية، وفقهية.


        وفاته رحمـه الله

        توفي شيخ الإسلام المقرئ جمال الدين محمد بن حسن فرج ليلة الجمعة لخمس وعشرين خلت من ربيع الآخر سنة ست وثلاثمائة وألف. رحمة الأبرار وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار. آمين.


        من مصادر الترجمة

        1. نشر الثناء الحسن، الوشلي (189-187/3).
        2. أئمة اليمن، زبارة (115-113/1).
        3. هجر العلم ومعاقله في اليمن، الأكوع (235-234/1).
        4. مصادر الفكر، الحبشي (ص ۲۲۷۷).
        5. المحاسن المجتمعة، با ذيب (ص183-178).
        6. مخطوطات للمؤلف.

        معجم قراء اليمن
        من عصر صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر
        د. جمال ياسين

        أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بجامعة إب

        تعليق


        • #4
          رابطة قراء اليمن

          تحفة الزمن في تراجم قراء اليمن (4)
          د. جمال ياسين
          الثلاثاء 14 رجب 1443هـ- الموافق 15 فبراير 2022م

          المقرئ الوزير الناصر بن المهلا (ت1081هـ)
          - من قراء مدينة حجة -

          اسمه ونسبه
          المقرئ الوزير القاضي العلامة الناصر بن عبد الحفيظ بن عبد الله بن المهلا بن سعيد بن محمد بن علي بن أحمد القدمي النيسائي، الشرفي، الأنصاري، الخزرجي، اليمني.
          الشرفي: نسبة إلى بلاد (الشرف الأعلى)، في مديرية (المحابشة)، من مدينة حجة.


          ولادته ونشأته
          ولد ونشأ بهجرة قرية (الشَّجْعَة)، وتتلمذ على والده القاضي العلامة عبد الحفيظ المهلا (ت 1077 هـ)، وهو العالم الذي رحل إليه طلاب العلم من الآفاق للقراءة لديه في تلك الهجرة المباركة، فأخذ عنه في الفقه، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، وأصول الفقه، وأصول الدين، واللغة، والفرائض، والتفسير، والمنطق، وغيرها من أنواع العلوم، وأجازه بها.

          كما قرأ القرآن الكريم برواية نافع على العلامة المقرئ مهدي بن عبد الله البصير. وأجازه بالقراءات السبع المقرئ محمد بن صالح الأصابي. وأخذ عن العديد من علماء عصره، وأجازوه، ممن يطول تعدادهم، وأجاد علومًا كثيرة، ثم تصدر للتدريس.
          أعماله
          جعله الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم وزيرًا له، وكان يجله ويحترمه لما لمسه فيه من اتساع في العلوم والمعارف. وكانت له معه مباحث ومجالس خاصة، تحتوي على بحث عظيم في جميع العلوم.

          قال المحبي: "وكان استوزره الإمام المؤيد بالله، فانتظم الأمر أيام وزارته، وتصرفت الأيام طوع إشارته. فأحسن الله له نيل وطره، وفخر بالظهور على من انحط خطره عن خطره. وهو صاحب رأيٍ سديد".
          كما انشغل جُلَّ حياته بالإقراء وتدريس العلوم، وكان طلبة العلم يفدون إليه من نواح عدة وأماكن متفرقة.


          مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
          وصفه المحبي بقوله: "إمام الاجتهاد كان، له من التمكين ودقة النظر في كل مبحث، ومعرفة بالمقاصد والمآخذ، وإخراجه للمسائل من غير مظنتها، وحل المشكلات، وفتح المقفلات، شأن عظيم، وأمر شهير في الأقاليم".

          ووصفه أيضًا في بقوله: "حامل راية الاجتهاد وناصرها، وقاطف أغصان البدائع وهَاصِرُها. منظور بالمهابة والجلال، مدلٌّ بالخصال البارعة والخلال. وله الخاطر الوقاد بتَلَسُّنِ لـَهَبِهِ، والفكر النَّقادُ لذَهَبِ القول ومَذْهَبِهِ".

          وقال عنه القاضي ابن أبي الرجال: "أحد العلماء العاملين، محقق كامل بليغ ... وهو من أَنْبَلِ العلماء، وأحسنهم طريقة وسماحة وتواضعًا واطلاعًا على العلوم".

          ووصفه العلامة المؤرخ محمد زبارة بقوله: "كان مرجع العلماء المجتهدين، وبركة أفاضلهم المحققين، وله الأنظار الثاقبة في المباحث الدقيقة".

          وقال عنه والده عبد الحفيظ: "هو مرجع العلماء المجتهدين، وبركة أفاضلهم المحققين، وله نظر في المباحث الدقيقة بما تُفْتَحُ به المقفلات، وتُحَلُّ به المشكلات".

          ومن ذلك ما كتبه الأديب حسن بن علي بن الحسن النّعمي – وكان من فضلاء الزمن وأدبائه وعلمائه وشعرائه - ما كتبه إلى القاضي الناصر بن عبد الحفيظ المهلا، يتشوق إلى لقياه بقوله:

          أَلا بِاللَّه يَا نَفَسَ الخيالِ ... أَعِدْ لِي ذكرَ سَالفِةَ اللَّيَالِي

          وأَتْحِفني بِذكر أُهَيلِ نَجْدٍ ... وَمَا قد مَرَّ فِي تِلْكَ الخِلالِ

          فَإِنِّي إِنْ ذَكَرْتُ زمَانَ وَصْلِي ... وَمَا قد مَرَّ مِنْ حُسْنِ اتصَالي

          بِمنْ أهواه فِي عَيْشٍ خصيبٍ ... وَأَيَّامٍ حلالها قد حَلَا لِي

          أكاد أذوب من وَلَهي عَلَيْهِ ... وأضربُ بِالْيَمِينِ على الشِّمَالِ

          وأَصْبُو للرُّبوعِ وساكنيها ... وَأبقى فِي افتكارٍ واشتغالِ

          وَأَرْجُو الله يَجمَعَنا قَرِيبًا ... بِذَاتِ النَّفَسِ لَا طَيْفَ الخَيالِ
          إلى أّنْ قال:

          أَخِلَّاءٌ وأحبابٌ وَأهلٌ ... وَأَصْحَابٌ عَلَوا رُتَبَ الكَمَالِ

          وَفِيهِمْ نَاصِرُ الدّين الـمُرَجَّى ... لحلِّ المشكلات مِنَ السُّؤَالِ

          ترَاهُ مُذ نَبَا كَلِفًا بِجمعٍ ... لآثارِ النَّبِي وَخيرِ آلِ

          وَإِنْ أمْلى تَدَفَّقَ مِثل بَحرٍ ... تَدَفًّقً بالجواهرِ واللآلي

          فَفِي الْمَعْنى وَفِي المغنى عَظِيمٌ ... جليلٌ فِي الْمقَالِ وَفِي الفعالِ

          حَبَاهُ الله مِنْهُ بِكُل خيرٍ ... وفَضَّلَه على كُلِّ الرِّجَالِ

          وَأَرْجُو الله يحبُوني قَرِيبًا ... بِأَنْ أَضْحَى وعَزمتُهُ قُبَالِي
          سنده في القراءات السبع
          قرأ المقرئ الوزير الناصر بن عبد الحفيظ المهلا القراءات السبع على المقرئ محمد بن صالح الأصابي اليمني، وهو على المقرئ أحمد بن أبي الفتح الحكمي اليمني، وهو على المقرئ سراج الدين عمر بن علي الشوافي اليمني، وهو على المقرئ محمد بن أبي سعيد المدني، وهو على المقرئ محمد بن شرف الدين التستري، وهو على المقرئ شمس الدين الكيلاني، وهو على شيخ القراء وحجة الإقراء الإمام محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، وهو بأسانيده المعروفة إلى أئمة القراءة. جميعًا.


          شيوخه وتلاميذه
          أخذ المقرئ الناصر بن المهلا عن شيوخ كثيرين منهم:
          والده العلامة عبد الحفيظ بن المهلا، وجده العلامة عبد الله بن المهلا، والمقرئ الفقيه مهدي بن عبد الله البصير، والعلامة محمد بن الصديق الخاص السراج الحنفي الزبيدي، وغيرهم.

          وأخذ عنه جمع من علماء الزمان، وقصده الطلبة من الأقطار، وانتفع به جمع عظيم من علماء الأمصار، ورحل إليه طلبة العلم من أماكن وبلدان متعددة للقراءة عليه.

          فكان ممن أخذ عنه:
          أولاده: القاضي العلامة الحسين بن الناصر المهلا، والعلامة الحسن بن الناصر المهلا، والقاضي والعلامة علي بن الناصر المهلا، وأخذ عنه: العلامة الفقيه يحيى بن أحمد الشرفي، والفقيه المقرئ عز الدين بن دريب بن المطهر، والقاضي العلامة أحمد بن صالح بن أبي الرجال، والعلامة المقرئ عامر بن عبد الله، والمقرئ أحمد بن الحسين بن إبراهيم، وأحمد بن عبد الله الشرفي، وغيرهم.


          مؤلفاته وآثاره العلمية

          ألف المقرئ الوزير الناصر بن المهلا مؤلفات عديدة، اشتهرت في الآفاق، منها:
          1. المقرر النافع الحاوي لقراءة نافع.
          2. المحرر المختصر من المقرر.
          3. أرجوزة في الفقه.
          4. تكميل منظومة البوسي في الفقه.
          5. مختصر الأوائل.
          6. مختصر الياقوت المعظم.
          7. طبقات الزيدية.
          8. ومنها مؤلف أجاب به عن الإمام المؤيد بالله محمد بن إسماعيل في مباحث نحوية شريفة.

          وله أجوبة مسائل يطول تعدادها.


          شعره وأدبه
          لقد كان المقرئ الوزير الناصر ابن المهلا أديبًا شاعرًا.
          قال المحبي واصفًا أدبه وشعره: "وله في الأدب وأنواعه باعٌ مديد. وشِعره صور محاسنه مجلوة، ونثره سور بدائعه متلوة".

          فمن شعره ما كتبه إلى العلامة المقرئ يحيى بن أحمد الشرفي، عاتبًا عليه في تأخره عن الدرس؛ لشُغلٍ عَرَضَ له، قال فيه:

          أحبابنا ما لهذا الهجرِ من سَبَبٍ ... وما الذي أوْجَبَ الإعْراضَ وا عَجَبَا

          يمْضِي الزمانُ ولا نحْظَى بقُرْبكمُ ... على الجِوارِ وكَوْنِ الجارِ ذَا قُرْبَى

          وليس شيءٌ على الـمُشْتاقِ أصْعبَ مِنْ ... بُعْدِ اللقاءِ إذا مُشْتاقُهُ قَرُبَا

          فَصَانَكَ اللهُ يا سِبْطَ الأكارمِ أَنْ ... يكونَ وُدُّك للأحْبابِ مُضْطرِبَا

          هذا وإنِّيَ أدْري أَنَّ قَصْدَكَ لِي ... وأنت معْ ذاكَ شَيْخي عَكْسُ ما وَجَبَا

          لكنَّه لم يكنْ منِّي لحقِّكمُ ... جهلٌ ولكنَّ عُذْرِي عنك ما عَزُبَا

          وطلب منه العلامة المقرئ يحيى بن أحمد الشرفي يومًا أن يرسل له مؤلفه المحرر المختصر من المقرر في قراءة نافع، فأرسله إليه وكتب معه أبياتًا قال فيها:

          سلامُ اللهِ ما هَمر السحابُ ... ففاحَ عَبِيرُ زَهْرٍ مُستطابُ

          وإكرامٌ وإنْعامٌ على مَنْ ... له في المجدِ مَرْتبةٌ تُهابُ

          على يحيى الذي ما نَال كَهْلٌ ... عُلومًا نالَها وكذا الشبابُ

          وبعدُ فإنَّ أشْواقِي إليكمْ ... كثيرٌ ليس يحصُرُها كتابُ

          وتقْصُر ألْسُنُ الأقلامِ عَنْ أَنْ ... تقومَ بوَصْفِها وكذا الخطابُ

          فيا ابْنَ مَدينةِ العِلمِ التي لمْ ... يكُن غيرُ الوَصِيِّ لتْلك بابُ

          ومَن حاز المَكارِمَ والمَعالي ... فمنه قُل بَدا العجَبُ العُجابُ

          إليك أتى الـمُحرَّرُ في حَياءٍ ... لتُصْلِحَ منه ما العلماءُ عابُوا

          وتنظُرَهُ بعينِ البِشْرِ حتى ... يزولَ إذا وجدْتَ به اضْطرابُ

          فمَن قد زارَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ ... حَقِيقٌ أن يُلانَ له الجَنابُ

          ورَاجِعْ في عبارتِه أُصولًا ... لديْك بِحِفْظِها كُشِف الحِجابُ

          وإنِّي طالبٌ بَسْطًا لعُذْرٍ ... ويشملُني دُعاؤكم الـمُجابُ

          فما لي غيرُ شِعْبِ الآلِ شِعْبٌ ... وإن حًسُنتْ بزَهْرتِها الشِّعابُ

          ودُمْ واسْلَمْ مُعافىً في نعيمٍ ... مُقيمٍ والقَرابةُ والصِّحابُ

          فكتب إليه العلامة المقرئ يحيى بن أحمد الشرفي:

          سلامٌ لا يُحيِط بهِ حِسابُ ... ولا يُحْصِي فضائِلَه كِتابُ

          ولو أنَّ البِحارَ له مِدادٌ ... ولم يبْرَح له الدَّهرَ اكْتِتابُ

          سلامٌ مِن فَتِيت المِسْك أذْكَى ... ودُون مَذاقِ سَلْسَلِه الرُّضابُ

          سلامٌ حَشْوُهُ وُدٌّ مُصَفّىً ... يرُوقُ فما بتكْديرٍ يُشابُ

          ورحمةُ ربِّنا الرحمنِ تُهْدَى ... مع البَركاتِ ما انْهَمَرَ السَّحابُ

          إلى مَن لم يزَلْ للمجدِ خِدْنًا ... ولم ينْفَكَّ بينهما اصْطِحابُ

          حَليفُ مَحاسنِ الشِّيَمِ الذي لم ... يُدنِّسْ مجدَه مُذ كان عَابُ

          سَلِيلُ أكابرِ العلماءِ مَن لم ... يكُن كنِصابِ فضلِهمُ نِصابُ

          حُماةُ شريعةِ الـمُخْتارِ مِن أنْ ... تُضامَ وأَنْ يُخامِرَها اضْطِرابُ

          وأوحدُ أهلِ هذا العصرِ طُرًّا ... بما قد قُلْتُه لا يُسْتَرابُ

          أليْسَ مُقصِّرًا عن نَيْلِ أدْنَى ... عُلاه الشِّيبُ منهم والشَّبابُ

          وَجِيهُ الدِّين ناصرُه فما إِنْ ... يَزالُ له بنُصْرتِه احْتسابُ

          حَماه اللهُ من كَيْد الأعادِي ... وأرْغَم أنْفَهم عنه وخَابُوا

          وأبْقاه الإلهُ لنا مَلاذًا ... له في العِزِّ مَرتبةٌ تُهابُ

          وبعدُ فإنه قد جاء منه ... كتابٌ سَرَّني منه الخِطابُ

          بلغْتُ به من الفرَحِ الأَمَانِي ... وزايلنِي برُؤْيته اكْتئابُ

          وفَى بالدِّين والدنيا جميعًا ... فما لي غيرُ ما فيه طِلابُ

          وكيف فَطَيُّه مُلْك عظيمٌ ... يدُوم فما يُخافُ له ذَهابُ

          هو الذُّخْرُ الذي من لم يحُزْه ... ذخائرُه وإن كثُرتْ تُرابُ

          وذاك العِلمُ أفْضلُ ما تحلَّتْ ... به نَفْسٌ وأفضلُ ما يُصابُ

          وقد أهديْتَ منه لنا نصِيبًا ... به منَّا تطوَّقتِ الرِّقابُ

          جمعْتَ به الـمُحرَّرَ من علومٍ ... جَلاها أهْلُها طابتْ وطابُوا

          فنِلْتَ بما أنَلْتَ عظيمَ فضلٍ ... ومغفرةً ويهْنِيك الثَّوابُ

          ولا برِحتْ فضائلُك اللَّواتِي ... عَلوْنَ بها لنا يعلُو جَنابُ

          ودُمْتَ مُسلَّمًا ما لَاحَ مجدٌ ... وَفَاحَ عبيرُ نَشْرٍ يُسْتطابُ

          ولما وفد القاضي أحمد بن صالح بن أبى الرجال إليه أيام إقامته في حضرة الإمام المؤيد بالله أخذ عنه علومًا كثيرة، وقرأ عليه كثيرًا من المصحف بروايتي قالون وورش، وسأله يومًا نظم شيء يكون فيه له كالضابط المرجوع إليه عند الحاجة، فوضع له المقرئ الناصر أرجوزة، قال في أولها:

          سَأَلْتَنِي يَا ابْنَ أَبي الرِّجَالِ ... يَا سَاميًا في رُتَبِ الكَمَالِ

          يَا مَنْبَع السُؤْدد والمعالي ... ومَعدِنَ العلمِ الشريفِ العالي

          وَأَنتَ في هَذَا السُّؤَالِ عندي ... كَسَائلٍ كَيفَ طَرِيق نَجْدِ

          أَهَلْ طَوِيلٌ ذَاكَ أَمْ قصيرُ ... تَعَلُّلًا وَهُوَ بهَا خَبِيرُ

          شَرَعْتُ في قَاعِدَةٍ تَمَهَّدَ ... غازلها الْيَاقُوتَ والزبرجدَ

          قد كُنتُ ألفتُ بهَا المقررا ... ثمَّ اختصرتُ بعدهُ المحررا

          فحينَ مَا استعجلتَ مِنِّي مَا تَرى ... فعلتُها مُسارِعًا مُبَادِرا

          وإِنْ تَكُنْ عَلى الصَّوَابِ فَهُوَ مِنْ ... إِفضالِ مَوْلَانَا الإِمامِ المؤتمنْ

          فإِنَّها قد جُمِعَتْ في حَضرَتِه ... ونِعمة قَد نِلتُها مِنْ دَعوَتِه

          مَعَ اشتغالي بِكِتَابِ التَّذكِرة ... وَغَيرهَا بعد العِشَاء الآخِرَة

          وفي النَّهَارِ لم أَجِد وقتًا يَسَعْ ... فاقبَل مِنَ الـمُهْدِي إليك مَا جَمَعْ

          ثمَّ بَدَأَ بالمقصودِ مِنَ المنظومة فقال:

          المدُّ أَنواعٌ فَجَاءَ مُتَّصِلْ ... يَا أّيُّها الاِنسانُ هَذا مُنْفَصِلْ
          .... إلى آخرها.

          فقال القاضي أحمد بن أبي الرجال:

          أَنْهَلَنِي مِنْ بَحْرِهِ وَعَلا ... من قدحه بين الورى الـمُعَلَّى

          وَزَفَّ لي خرائدَ المعَاني ... قَدْ قُلِّدَتْ قلائدَ الجُمانِ

          عين الزَّمَانِ أوحَد الأنامِ ... مَنْ قَدْرُهُ على السِّماكِ سامِي

          لَا زَالَ في أُفْقِ الْعُلُومِ طالعًا ... ونوره في العَالمين ساطعًا

          ولم يَزلْ للصالحاتِ أَهْلا ... حَاوي الكَمَالِ النَّاصِرُ المهلا

          أملأنا في النَّحْو والتصريفِ ... ومَلأَ الآفَاقَ بالتأليفِ

          لأَنني سَأَلتُهُ تَدْرِيسَهْ ... لي في الْعُلُوم الجمَّةِ النَّفيسَهْ

          فَقَالَ لي لما سَأَلتُ أَهْلَا ... لِظَنّهِ كَوْنِى لِذاكَ أَهْلَا
          .... إلى آخرها.

          وللمقرئ الناصر من السماعات والإجازات على والده وجده المجتهدين وغيرهما ما يطول تعداده.


          وفاته رحمـه الله

          انتقل المقرئ الناصر بن عبد الحفيظ المهلا إلى جوار الله في يوم الجمعة غرة شهر صفر سنة 1081هـ. في هجرته قرية (الشَّجْعَة)، من بلاد (الشَّرف الأعلى)، من مدينة حجة. تعالى وإيانا والمؤمنين.. اللهم آمين.


          من مصادر الترجمة

          مجمع البحور، ابن أبي الرجال (2/478- 479)، خلاصة الأثر، المحبي (4/446-447)، ملحق البدر الطالع، زبارة: (2/222)، طبقات الزيدية الكبرى، ابن القاسم (3/1168-1170).


          معجم قراء اليمن
          من عصر صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر

          د. جمال ياسين


          أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بجامعة إب

          تعليق

          20,451
          الاعــضـــاء
          234,395
          الـمــواضـيــع
          43,564
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X