• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • من تفسير آيات الأحكام: تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر عليه غير الله تعالى.

      تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر عليه غير الله تعالى.
      قال تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة/173)
      (بيّن تعالى ما حرّمه عليهم من الخبائث المستكرهة، التي تنفر منها الطباع السليمة، أو ممّا فيه ضرر واضح للبدن، فذكر تعالى أنه إنما حرّم عليهم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر الخبائث، كما حرّم عليهم كل ذبيحة ذبحت للأصنام أو لآلهتهم المزعومة، وكلّ ما ذُكر عليه اسم غير الله، لكنّ إذا اضطر الإنسان، وألجأته الحاجة إلى أكل شيء من هذه المحرمات، غير باعٍ بأكله ما حرم الله عليه، فليس عليه ذنب أو مخالفة ولا متجاوز قدر الضرورة، لأن الله غفور رحيم، يغفر للمضطر ما صدر عن غير إرادة، رحيم بالعباد لا يشرع لهم ما فيه الضيق والحرج). ([1])
      قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: لا تُحرموا على أنفسكم ما لم أحرمه عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله منَ البحائر والسوائب ونحو ذلك مما يحرمه الكفار، بَل كلوا ذلك، فإني لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنزير، ومَا أهلّ به لغيري. ([2])
      وهذا إشارةٌ إلى دلالة أسلوب القصر في " إنما"، والتي توجهها هنا قرينة الحال، فالحديث عن تحريم ما لم يحرمه الله، وتوحيد مصدر التشريع الموازي لتوحيد الألوهية يوجِّه القصر الذي تفيده أداة " إنما"، وإنْ لا فالمُحرَّمات أشياء زيادةٌ على هذه المذكورة هنا كما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ... الآية [المائدة: 3].
      قَالَ أَبُو بَكْرٍ الجصاص في الأحكام:
      الْمَيْتَةُ فِي الشَّرْعِ: اسْم الحيوان الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمُذَكَّى ، وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِأَنْ يَمُوتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لِآدَمِيٍّ فِيهِ وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً لِسَبَبِ فِعْلِ آدَمِيٍّ إذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ لَهُ وَسَنُبَيِّنُ شَرَائِطَ الذَّكَاةِ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في آية المائدة.
      وَقوله: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ دليلٌ عَلَى تَأْكِيدِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ سَائِرَ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ. وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا (الأحناف) لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَيْتَةِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَا يُطْعِمُهَا الْكِلَابَ وَالْجَوَارِحَ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا مُعَلَّقًا بِعَيْنِهَا مُؤَكِّدًا بِهِ حُكْمَ الْحَظْرِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُخَصَّ شَيْءٌ مِنْهَا بِدَلِيلٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. ([3])
      وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تَخْصِيصُ مَيْتَةِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْإِبَاحَةِ.
      فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالسَّمَكُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ).
      وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ جَيْشِ الْخَبَطِ: (أَنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إلَيْهِمْ حُوتًا فَأَكَلُوا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ لَمَّا رَجَعُوا أَخْبَرُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لهم: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ تُطْعِمُونِي)
      وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي إبَاحَةِ السَّمَكِ غَيْرِ الطَّافِي (قلتُ: والطافي من الحوت جوّزه مالك وغيره ومنعه العراقيون) وَفِي الْجَرَادِ (قلتُ: وفي الميت دون قتله من الجراد خلاف، منعه مالك وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم. والخلاف من مسائل الفروع في كتب الفقه).
      وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومِ آيَةِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ.
      وبقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَّقِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). ([4])
      قال الزمخشري: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دما، لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث-وإن أكل لحما في الحقيقة، قال اللَّه تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا. ([5])
      وقد ذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمّه وخرج ميتا استنادا إلى أنّه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وقد خالفه في ذلك صاحباه والشافعيّ وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه.
      وذهب مالك إلى أنه إن تمّ خلقه ونبت شعره، أكل، وإلا لم يؤكل.
      والحجة لهم ما ورد منقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»
      وهو يفيد أن ذكاة أمه تنسحب عليه.
      وقد قال من ينتصر لأبي حنيفة: إنّ الحديث كما يحتمل ما ذهبتم إليه، يحتمل معنى آخر، هو: أن ذكاته كذكاة أمه، فيكون على حدّ قوله:
      فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكنّ عظم السّاق منك دقيق
      وإذا احتمل ذلك فلا يخصّص الآية.
      ويبعد هذا ويؤيد رأى الجمهور أنّ الحديث ورد في سياق سؤالٍ فكان فتوى قاطعة، وإليه ذهب فقه الحديث، فقد ورد عن أبي سعيد، أنه صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال: «إن شئتم فكلوه، إنّ ذكاته ذكاة أمّه». ([6])
      **
      قوله تعالى: والدَّمَ يراد به المسفوح كما قيَّدتْه الآية الأخرى، وحمل العلماء المطلق على المقيد:قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 145].
      قال ابن عرفة: الدّمُ المسفوح نجس بإجماع، وكذلك الذي يخرجه الجزار من منحر الشاة بعد سلخها والدّم الذي يبقى في العروق طاهر (بإجماع، وأمّا ما انتشر من العروق على اللحم ففيه قولان والمشهور أنه طاهر) كذا قال اللّخمي وغيره. ([7])
      وورد عن عائشة أنها قالت: لولا أن الله قال: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً لتتبّع الناس ما في العروق. قلتُ-جامعه: والحقيقة أن تتبع ذلك ذلك مما يروث الحرج في الدين، فالحمد لله رب العالمين.
      ومن لطائف العربية قولهم في المثل: (لم يُحْرَم من فُصِد له) فجرى ذلك مثلا لمن نال بعض المقصد، أي: لم يحرم القِرَى (واجب الضيافة) من فُصِدت له الراحلة فحظي بدمها. وقال يعقوب: تأويل هذا أنّ الرجل كان يضيف الرجل في شدّة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه، ويشحّ أن ينحر راحلته، فيفصدها، فإذا خرج الدم سخّنه للضيف إلى أن يجمد ويقوى فيطعمه إيّاه. ([8]) وهو من الدم المسفوح الذي حرَّمه الإسلام.
      قوله تعالى: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ويدخل شحمه وبقية أجزائه في حكم لحمه: إمّا تغليبا أو لأنّ اللحم يشمل ذلك لغة، لأنه ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلده. وعرف غلبة استعماله على رطبه الأحمر. وهو هنا على أصله في اللغة. وإمّا بطريق القياس على رأي، لأنّه إذا حرّم لحمه الذي هو المقصود بالأكل-وهو أطيب ما فيه-كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ([9])
      فإن قلتَ: هلا قيل: إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال: لحم الخنزير؟ قلتُ: الجواب عن ذلك أن الخنزير غيرُ مقدورٍ عليه إلا بالاصطياد، والاصطياد فيه في غالب أمره إنما يكون للحمه، فعلق بما هو المقصود فيه غالبا بخلاف الميتة فإن النفوس تفر منها وتكره لحمها فالمحرم جميعها. ([10])
      قوله تعالى: : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ،فإنه لمّا حرّم ما يضرّ الجسم ويؤذي النفس، حرّم ما يضر القلب ويؤذي التوحيد في النفس، فكان التحريم في الأول للرجس المادي ثم انتقل لتحريم الرجس المعنوي فقال: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي: ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.
      قال القاسمي: وأصل (الإهلال) رفع الصوت أي: رفع به الصوت للصنم ونحوه، وذلك كقول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزّى.
      وذكر القرطبيّ عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنّه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها، فنحرت فيه جزورا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم. وذكر أيضا عن عائشة : أنها سئلت عمّا يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم.
      والقصد سدّ ما كان مظنّة للشرك.
      قال النوويّ في (شرح مسلم): فإن قصد الذابح-مع ذلك-تعظيم المذبوح له، وكان غير الله تعالى-والعبادة له، كان ذلك كفرا. فإن كان الذابح قبل ذلك مسلما، صار بالذبح مرتدّا.([11])
      وروى البخاريّ «في كتاب الذبائح والصيد» عن عائشة قالت: إن قوما قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت عائشة: وكانوا حديثي عهد بكفر.انتهى
      فكأنّ المحرَّم ليس ما لم يُعْلَم (أو خفي علينا) أن اسم الله ذكر عليه بل الذي عُلِم أنّ غير اسم الله قد أعلن عليه، وهو ما دلَّ عليه ظاهر الآية وما أهل لغير الله به والإهلال إعلان.
      وروي عن عليّ قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلّون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. ([12])
      وفيه خلافٌ وهو: أهذا يشمل ذبائح النصارى التي ذكروا عليها اسم المسيح فتكون محرمة، أم لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟
      بالرأى الأول قال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي، ومالك، ونُقِل عنه الكراهة.
      وبالثاني قال عطاء، ومكحول، والحسن والشعبي، وسعيد بن المسيّب، وأشهب من المالكية.
      وسبب اختلافهم: أنه وردت هذه الآية، ووردت الآية: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5] وكلاهما يصح أن تخصّص الأخرى، فيصح أن يكون المعنى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ما لم يذكر اسم غير الله عليه، بدليل: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
      ويصحّ أن يقال: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب. بدليل قوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ.
      فمن ذهب إلى الأول حرّم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح، ومن ذهب إلى الثاني أجازها، ويمكن أن يرجّح الثاني بأن الآية نزلت في تحريم ما كان تذبحه العرب لأوثانها، وتكون في معنى قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3]. انتهى([13])
      وقد ذكر الفقهاء أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم، وعد منه الأستاذ محمد عبده--ما يجري في الأرياف كثيرا من قولهم عند الذبح -لا سيما ذبح المنذور -بسم الله، الله أكبر، يا سيد، يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه.
      (قال) وكيفما أولته فهو محرم، ومثل ذكر السيد ذكر الرسول أو المسيح ; إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه ممن لم يخلق ولم ينعم. ([14])

      قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
      فيه ضبطٌ للقدر الذي يقف عنده المضطر حين يدعوه الاضطرار إلى تناول شىء من هذه المحرّمات، فلا يفتعل الاضطرار، ولا يركب الأمور التي يعلم أنها ستدخله مداخل الاضطرار وهو قادر على ركوب غيرها فإذا دخل منطقة الاضطرار من غير بغى، فلا ينال من هذه المحرمات إلا القدر الذي يمسك عليه حياته، من غير العدوان ومجاوزة الحدّ. ([15])
      والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة.
      وفيه حفظٌ لأصلٍ في الشريعة الإسلامية:
      أولهما: أنَّ شرع الله تعالى بُنى على التيسير كما يأتي في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، وغيرها من الآيات الكثيرة، والسنة وتحليل مقاصد الشريعة التي تدل قطعياً على أن الإسلام مناطه التيسير، ودفع الحرج عن الناس، والرحمة أصل كل شرائعه.
      ولذلك جاءت القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات) فيصير المحظور في حال الضرورة التي تهدد (الدين أو النفس أو العقل أو العِرض أو المال = وهى المقاصد التي حفظتها الشريعة في استقراءٍ عام لأحكامها)؛ يصير المحظور مباحاً بشرط عدم القصد إلى اصطناع حالة الضرورة للتحايل على الشرع، وهو المقصود بقوله تعالى: غير باغٍ وكذلك عدم تجاوز مقدار ما يحفظ المقصد، وهو المقصود بقوله تعالى: ولا عادٍ. وهذا ما قرره علماء الفقه بقولهم في القاعدة: (الضرورات تُقدَّر بقدرها) بلا تحايلٍ، ولا تجاوز في استباحة ما حرمه الله.
      فالذي انقطع في صحراء قاحلة أو سجنٌ وأرغم ولم يجد غير الميتة أو لحم الخنزير، أبيح له حفظا لحياته أن يأكل فقط ما يقيمه حتى ينجو بلا تجاوز، وكذلك من قطعه العطش ولم يجد غير الخمر... وهكذا.
      وهذا يؤكد صفة " الواقعية" و" القابلية للتنفيذ" التي اختصتا بها شريعة الإسلام وجعلتها صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ، ولك البشرية، وتحت كل الظروف.
      فليست الشريعة الغراء مثالية أو بعيدة عن طبيعة البشر واحتياجاتهم وضروراتهم، ولا تأمر بما لا يُستطاع، بل هي المرنة التي تراعي الظروف والطوارئ.
      ولذلك عقَّب الآية بما يدل على إتاحة الرخصة للمضطر بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ أي لمن أخذ بالرخصة حال الضرورة بغير تجاوز، ثم أردفها باسمه العظيم رحيم أي في تشريعه للناس وعلمه باحتياجاتهم وظروفهم.

      دقائقٌ ولطائف. (1) قال الشيخ محمد عبده:
      ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر (غفور) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يُقال: إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات. والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود. والله أعلم. ([16])
      (2) فسر السيوطي في (الجلالين) -نهجا على تأويل بعض المفسرين-كلمة (باغٍ) بالخارج على المسلمين، و (عادٍ) بالمعتدي عليهم بقطع الطريق؛ (قال): ويلحق بهم كل عاص بسفره كالآبق والمكاس، وعليه الشافعي.
      قال الأستاذ محمد عبده: ولا خلاف بين المسلمين في أن العاصي كغيره يحرم عليه إلقاء نفسه في التهلكة، ويجب عليه توقي الضرر، ويجب علينا دفعه عنه إن استطعنا. فكيف لا تتناوله إباحة الرخص؟!
      ثم إن المناسب للسياق أن تحدد الضرورة التي تجيز أكل المحرَّم، وتفسير الباغي والعادي بما ذكرنا هو المحدِّد لها، وهو موافق للُّغة ([17]) كقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ما نبغي -أي ما نريد-وفي الحديث الصحيح (يا باغي الخير هلم) أي طالب الخير، وفي التنزيل ولا تعد عيناك عنهم (الكهف/ 28) أي: لا تتجاوزهم إلى غيرهم.
      فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحل ويحرم من الأكل، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمة.
      وإنما كان هذا التحديد لازما لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا هو وُكِّل إليهم بلا حد ولا قيد، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حد الضرورة، فعُلِم من قوله: غير باغٍ ولا عادٍ كيف تُقَدَّر الضرورة بقدرها، والأحكام عامة يخاطب بها كل مكلف لا يصح استثناء أحد إلا بنصٍ صريحٍ من الله سبحانه أو رسوله. ([18])

      (3) المذكور في الآية ليس في الحقيقة من باب الرخصة ([19]) وإن بدا ظاهر الآية كذلك.
      ولكنه بانضمامه إلى الآية الأخرى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195) ومقاصد الشريعة التي استنبطها العلماء الربانييون بحفظ النفس يصير (عزيمةً) ([20]) بحيث لو ترك المضطر الذي يخشى الهلاك أكل لحم الخنزير والميتة صار عاصيا آثما. وللأمر تفصيلٌ عميق في أصول الفقه، وانظر موافقات الشاطبي.
      (4) نجد في عظمة التشريع الإسلامي تحريم ما يضر الإنسان ويودي بحياته، فعلاوة على كونه تعبدا لله الخالق الآمر؛ فيه حفظ للإنسان وفعل ما فيه مصلحته التي يعملها البارئ سبحانه، فتأمل.
      وربما تكون الحكمة في تحريم ما ذكر في الآية: أما الميتة فلأنها قذرة نتنة، ولما فيها من ضرر، لأنها إمّا أن تكون قد ماتت لمرض قد أفسد تركيبها. وجعلها لا تصلح للبقاء. وإما لسبب طارئ.
      فأما الأولى: فقد خبث لحمها. وتلوث بجراثيم المرض، فيخاف من عدواها ونقل مرضها إلى آكليها. وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارّة في جسمها.
      ولذلك يوجب الاسلام ذبح الحيوان بطريقة معينة (= ذكاة الحيوان أو تذكيته) للتخلص من دمة، لما في الدم من مكروبات وجراثيم لذلك كانت حكمة الاسلام في تحريم أكل الميتة لما يحويه جسدها من هذه الجراثيم والميكروبات التي أتاح لها موت الجسد الانتشار فيه وتشكيل خطورة بالغة جراء أكلها.
      وأمّا الدم المسفوح، فماذا يقول العلماء عن الدم؟ يحمل الدم سموماً، وفضلاتٍ كثيرة، ومركباتٍ ضارة، ذلك لأن إحدى وظائفه هي نقل فضلات الجسم وسمومه إلى أجهزة الإخراج ليتم التخلص منها، وأهم المواد التي يحويها الدم هي البولينا (اليوريا) وهي المُخرَجات النهائية الناتجة عن تقويض البروتينات.
      فإذا ما تناول الإنسان كمياتٍ من الدم، فإن هذه المركبات تمتص في الجسم مرةً أخرى بدلا من إخراجها، ويرتفع مقدارها في الجسم، إضافةً إلى المركبات التي تنتج عن هضم الدم ذاته، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة اليوريا وتكوين مركبات نوشادر حمضية في الدم، وبالتالي إلى حدوث اعتلالٍ دماغي ينتهي بالغيبوبة، وهذا ما يحدث أيضاً نتيجة بلع الانسان لكميات كبيرة من دمه، نتيجة نزف من المرىء أو المعدة او الأمعاء.
      وكذلك يعتبر الدم وسطاً ملائماً جداً، لنمو أنواع كثيرةٍ من الجراثيم القاتلة، وقد استفيد من هذه الخاصة في صنع مزارع الجراثيم من الدم.
      هذا ما يقوله العلماء حول الدم حينما حرّمه الله عزَّ وجل، حرَّمه لحكمةٍ بالغةٍ.
      وأما لحم الخنزير، فلأن غذاءه من القاذورات والنجاسات، وهو حيوان دنئ الخصال فينجس لذلك... ولأن فيه ضررا، فقد استكشف الأطباء أنّ لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، ويظهر أيضا أن المتغذي من لحم الخنزير قد يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة.
      يحمل جسم حيوان الخنزير مما يحمله من الأمراض الفتاكة طفيليات تعيش فى أمعائه وفى عضلاته مثل الدودة الشريطية التي تعيش على هيئة أكياس مثل دودة """ التريخيينا """ ويبلغ طولها داخل الكيس من (2) الى (3) أمتار إذا انفصل منها جزء اكتمل ليصنع كيسا ودودةً كاملةً ليكمل دورته المميتة، وهى موجودة أيضا داخل عضلات حيوان الخنزير.
      وعندما تصل الأكياس الموجودة في لحم الخنزير الى معدة الانسان ويتم الهضم تنطلق اليرقات فتخترق جدار المعدة لتصل الى الدورة الدموية، وعن طريقها تصل الى جزاء من الجسم وأخطرها طبعا المخ ثم القلب والكبد والرئتين، وهى حينئذٍ مميتة. فالأكياس التي تصل الى العضلات تنمو وتعمل اكياسا ينشأ عنها آلاما روماتيزمية مبرحة في العضلات المصابة من الإنسان مثل اللسان والحنجرة وعضلات الصدر بين الاضلاع والحجاب الحاجز والفكين والاذرع والأرجل وعضلات جدار البطن ويصاحب هذه الالام تورم واحتباسا للماء في الوجه وازدياد في عدد كرات الدم البيضاء وخصوصا الايزونوفيلية .
      وقد تكون اعراض التسمم الناشىء أثناء فترة تكيس اليرقات شديدة (= anaphylaxis) مع ظهور اعراض في الجهاز التنفسي أو غيبوبة اذا كان عدد اليرقات في الرئتين كبير....والذى يستوجب التفكير في حكمة الخالق سبحانه في تحريم لحم الخنزير أن هذه الأكياس لا يُعرف لها علاجٌ شافي حتى الآن، فمضادات الديدان المعروفة تسبب موت الدودة في طور نشاطها داخل الأعضاء المهمة مما يؤدي إلى انفجارها ودمار العضو أو صنع تلف قاتل داخل الكبد او القلب أو الرئتين . ([21])


      [1])) روائع البيان للصابوني.

      [2])) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (3/ 317)

      [3])) واقتضى عموم تحريم الميتة المنع من دبغ جلدها، لولا الخبر المخصّص( قلتُ: حيث روى مالك بسنده عن عبد الله بن عباس أنه قال: «مر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشاة ميتة كان أعطاها مولاة لميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: أفلا انتفعتم بجلدها؟ فقالوا: يا رسول الله، انها ميتة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنما حرم أكلها»، ورواه البخاري في الزكاة، ومسلم وشرح النووي (كتاب الحيض)، وفي رواية لمسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر).
      واقتضى ظاهر الآية أيضا تحريم الانتفاع بدهن الميتة، وروى فيه محمد ابن إسحاق، عن عطاء، عن جابر قال: لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك فقالوا: يا رسول الله، إنا نجمع هذه الأوداك ( = الأوداك: جمع ودك وهو دسم اللحم) وهي من الميتة وغيرها، وإنما هي للأدم والسفن، فقال صلّى الله عليه وسلم:« لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» (= رواه ابن ماجة)، فبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أن الله تعالى إذا حرم شيئا حرمه على الإطلاق، ودخل تحته تحريم البيع.. وذكر عن عطاء أنه قال: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهذا قول شاذ.( قلتُ- جامعه: ولعل حجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل، بدليل سابقها، وأن حديث شاة ميمونة يعارض حديث جابر، فوجب أن يرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل). انتهى أحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي (1/ 38) بتصرف يسير للشرح.

      [4])) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (1/ 132)

      [5])) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 215)

      [6])) رواه أبو داود في السنن (3/ 18) ، في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (2827) ، والترمذي في الجامع الصحيح (4/ 60) ، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (1476).

      [7])) تفسير ابن عرفة (2/ 506) بتصرف

      [8])) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 474)

      [9])) المرجع السابق (1/475)

      [10])) تفسير ابن عرفة (2/ 506)

      [11])) ذكر ذلك في الكلام على حديث عليّ : لعن الله من ذبح لغير الله. أخرجه مسلم في: الأضاحيّ، حديث 43 ونصه: عن أبي الطفيل، عمر بن واثلة قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسرّ إليك؟ قال فغضب وقال: ما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسرّ إليّ شيئا يكتمه الناس. غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. قال فقال: ما هن، يا أمير المؤمنين؟ قال: قال «لعن الله من لعن والده. ولعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من آوى محدثا. ولعن الله من غيّر منار الأرض»

      [12])) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 476) بتصرف يسير.

      [13])) نقلا عن دكتور علي السايح في تفسير آيات الأحكام.

      [14])) تفسير المنار (2/ 80)


      [15])) التفسير القرآني للقرآن (1/ 190)


      [16])) تفسير المنار (2/ 81)


      [17])) بَغَيْتُهُ أبْغيهِ بُغاء وبُغًى وبُغْيَةً، بضَمِّهِنَّ، وبِغْيَةً، بالكسر: طَلَبْتُهُ، كابْتَغَيْتُهُ وتَبَغَّيْتُهُ واسْتَبْغَيْتُهُ.والباغِي: الطَّالِبُ. وعَدا عليه عَدْواً وعُدُوًّا وعَداءً وعُدْواناً، بالضم والكسر، وعُدْوَى، بالضم: ظَلَمَهُ،
      كَتَعَدَّى واعْتَدَى وأعْدَى، وهو مَعْدُوٌّ ومَعْدِيٌّ عليه.انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي (ص: 1309، 1263)

      [18])) تفسير المنار (2/ 80)

      [19])) الرُّخْصَة: هِيَ لُغَةً عبارَة عَن التَّوسعَة واليسر والسهو.
      وَشَرِيعَةً: اسْم لما يُغير من الْأَمر الْأَصْلِيّ لأمرٍ عَارض إِلَى يسر وَتَخْفِيف، كَصَلَاة السّفر لَقَوله تَعَالَى: إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا ....
      ثمَّ الرُّخْصَة نوعان:
      الأول: مَا يظْهر التغاير فِي حكمه مَعَ بَقَاء وصف الْفِعْل وَهُوَ الْحُرْمَة.
      أَي: يرْتَفع الحكم وَهُوَ الْمُؤَاخَذَة مَعَ بَقَاء الْفِعْل محرما كإجراء كلمة الْكفْر على اللِّسَان فِي حَالَة الْإِكْرَاه مَعَ اطمئنان الْقلب بِالْإِيمَان، وَإِتْلَاف مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فِي حَالَة الْإِكْرَاه والمخصمة، وكإفطار صَوْم رَمَضَان بِالْإِكْرَاهِ يُرَخَّص لَهُ الْإِقْدَام فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَعَ بَقَاء حُرْمَة الْفِعْل، حَتَّى لَو امْتنع وبذل نَفسه تَعْظِيمًا لنهي الله فَقتل أَو مَاتَ جوعا يُثَاب على ذَلِك بِبَقَاء وصف الْفِعْل مُحرَّما.
      الثاني: مَا يظْهر التَّغْيِير فِي الحكم وَفِي وصف الْفِعْل أَيْضا، وَهُوَ أَن لَا يبْقى الْفِعْل محرَّما كشرب الْخمر وَتَنَاول الْميتَة فِي حَال الْإِكْرَاه أَو المخمصة للآية التي أباحت ذلك ورفعت الحرج عن الفعل بنصها فمن اضطر غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه (البقرة/173)، فَفِي هَذَا النَّوْع ارْتَفَعت الْحُرْمَة والمؤاخذة جَمِيعًا حَتَّى لَو امْتنع فَقتل أَو مَاتَ جوعا يُؤَاخذ بِهِ.
      والرخص لَا يُقَاس عَلَيْهَا، وَإِذا شاعت قد يُقَاس عَلَيْهَا كَمَا تقرر فِي الْأُصُول.
      راجع الكليات للكفوي (ص: 472) بتصرف

      [20])) الْعَزِيمَة فِي أَحْكَام الشَّرْع مَا هُوَ مَشْرُوع مِنْهَا ابْتِدَاء من غير أَن يكون مُتَّصِلا بأمر عَارِض.. انظر أصول السرخسي (1/ 117).

      [21])) - علة تحريم لحم الخنزير.
      بيّن الله العلّة في تحريم لحوم الخنزير في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ)؛ أي أنه نجس، وهو ضار ومؤذٍ ونتن، وهذه العلة تُعتبر علةً ذاتيّةً؛ فهي قائمة لا تنفكّ أبداً عن لحم الخنزير.
      وهذا يوضح أن العلّة في التحريم ليست علّةً عارضةً أو علّةً مُكتسبةً. فالعلة العارضة، كأكل الخنزير للقاذورات والقمامة والنفايات، يحدث في بعض الدول دون غيرها؛ لأن الدول في الغرب يُطعمون الخنزير الأعلاف الطيبة، ويُربّونها في حظائر صحيّة ونظيفة ومُغلقة ومُكيّفة، وعندها تنتفي العلة العارضة.
      وكذلك العلة في كون الخنزير رجس أيضاً ليست مُكتسبةً؛ فلا تزول بزوال سببها، كإصابتة الخنزير ببعض الأمراض، مثل الأمراض الطُفيليّة، والأمراض البكتيريّة، والأمراض الفيروسيّة؛ لأنّ هذه الأمراض مُكتسبة ويُمكن السيطرة عليها سواءً بالعلاج بالمُضادّات الحيويّة التي تُستخدم ضدّ مُسبّبات الأمراض السابقة، أو باستخدام اللّقاحات الوقائيّة، وهي شائعة الآن وتُستخدَم بشكل واسع، وبهذا كلّه تنتفي العلل المُكتَسبة ولا تكون عللاً صالحةً للتّحريم.
      بانتفاء العلة العارضة وانتفاء العلّة المُكتسَبة ينتفي الحكم، وفي ذلك تكذيب لكلام الله تعالى الذي يتلوهُ المسلمون إلى قيام الساعة، وتبقى العلة الذاتيّة هي العلّة التي لا تنفك أبداً عن لحم الخنزير، وهي كونه نجساً في ذاته، وضارّاً ذاتيّاً، ومُؤذياً لمن يأكله أو يتعامل معه؛ بالتربية أو يتعامل مع لحمه جزارةً وأكلاً، فالعلة في كون الخنزير رجس هي الأصل في الحكم الشرعيّ وبقائه.
      - أضرار لحم الخنزير والفرق بين لحم الخنزير واللحم الحلال.
      يحتوي لحم الخنزير على الدهون بكميّة كبيرة، ويمتاز بأن الدهن فيه يدخل ضمن الخلايا العضليّة، كما تتواجد خارج خلاياه في الأنسجة الضامّة، بينما لحوم الأنعام تنفصل فيها الدهون عن النسيج العضليّ ولا تتموضع الدهون في باقي. وقد أثبتت الدراسات العلميّة أن الإنسان حينما يتناول دهون الحيوانات التي تأكل العشب فإن دهون الحيوانات آكلة العشب تُستَحلب في أمعاء الإنسان وتُمتَص وتتحوّل إلى دهون إنسانيّة، أمّا حينما يأكل لحوم الحيوانات التي تفترس وتأكل اللحوم فإن استحلاب دهونها يكون عسيراً في أمعاء الإنسان، ويتمّ امتصاص جُزيئات مادّة الغليسريدات الثلاثيّة الموجودة في دهن الخنزير كما هي إلى الأمعاء دون أن تتحول أو تترسّب في أنسجة جسم الإنسان، فتبقى كدهون حيوانيّة أو خنزيريّة.
      ومن المُثير للدّهشة ملاحظة د.هانس هايترش التي يقول فيها إن الذين يأكلون شحوم الخنزير من أيّ منطقة من جسم الخنزير فإنّها تترسّب عند الإنسان في نفس المنطقة ذاتها عند الإنسان الآكل للحم الخنزير، وهكذا وجد د.هانس أنّ النّساء اللواتيّ يأكلن فخذ لحم الخنزير يُشاهد بكل وضوح لديهن تشوّه في الفخذين والإليتين، والكولسترول الناتج عن تحلّل لحم الخنزير في جسم الإنسان يظهر في دمه على شكل كولسترول جزئيّ؛ أي أنّه كولسترول كبير الذرّة، ممّا يُؤدّي ارتفاع الضغط الدمويّ بكثرة، ويُؤدّي كذلك إلى تصلُّب الشرايين، وهما عاملان من عوامل الخطورة التي تُعتَبر تمهيداً لاحتشاء عضلة القلب.
      وقد توصل البروفيسور Roff إلى أنّ الكولسترول الموجود في الخلايا السرطانيّة الجوّالة يُشابه الكولسترول الذي يتشكّل عند تناول لحم الخنزير، ويُعتَبر لحم الخنزير لحماً غنيّاً بالمُركّبات التي تحتوي على نسبة عالية من الكبريت، ممّا يُؤثّر على قابليّة امتصاص الأنسجة الضامّة للماء، فتُصبح الأنسجة الضامّة كالإسفنج وتَكتسب شكلاً كيسيّاً واسعاً، ممّا يُؤدّي إلى تراكم بعض المواد المُخاطيّة في الأوتار وفي الأربطة والغضاريف، ويُؤدّي ذلك إلى ارتخائها، ممّا يُهيّئ للإصابة بالالتهابات، وخاصة الالتهاب المعروف بالتهاب المفاصل التنكسيّ؛ وهو يُصيب المَفاصل بين الفقرات خاصّةً، ويُؤدّي كذلك إلى تنكّس في العظام.
      والأنسجة المُحتوية على الكبريت تُصاب بالتعفّن والتخمّر، وتنتج عنها روائح كريهة تفوح بسبب انطلاق غاز كبريت الهيدروجين، وحتى الآنية المُحتوية على لحم الخنزير، وبالرغم من أنّها ربما تكون مُحكمة السدّ إلا أنّه يتوجّب إخراجها من الغرفة بعد أيام بسبب الروائح الكريهة.
      وبالمقارنة مع اللحوم الأخرى تم إخضاعها لنفس التجربة، وُجِدَ أن لحم البقر مثلاً كان أبطأ تعفُّناً بشكل ملحوظ من التعفّن الكبير والسريع الذي يُصيب لحم الخنزير، ولم تنطلق من لحم البقر تلك الرّوائح النّتنة التي تنطلق وتفوح من لحم الخنزير.
      ويحتوي لحم الخنزير كذلك على نسبة تُعتَبر نسبةً عاليةً من هرمونات النموّ ذات تأثير أكيد تُؤهّب وتُمهّد للإصابة بخامة النّهايات، وكذلك لها تأثير في زيادة نموّ دهون البطن (الكرش)، وكذلك زيادة مُعدلات النموّ خاصّةً الأنسجة المُهيِّئة للنموّ والتطوّر السرطانيّ.
      - وعن الأمراض التي يُسبّبها لحم الخنزير الخنزير.
      يختصّ مُنفرداً بنقل 27 مرضاً وبائيّاً إلى الإنسان، وصحيح أن بعض الحيوانات تُشاركه في نقل بقية الأمراض، لكن الخنزير يبقى المَخزن والمَصدر الرئيسيّ لنقل هذه الأمراض.
      ويمكن أن تنتقل هذه الأوبئة من الخنزير إلى الإنسان بعدّة طرق:
      يمكن أن تنتقل عن طريق مُخالطة الخنزير أثناء تربيته أو أثناء التّعامل مع مُنتجاته، وهذه الأمراض والأوبئة تُصيب في أغلبها المهنيّين الذين يعملون مع الخنزير أو يتعاملون مع لحم الخنزير، وهم عمال الزّرائب والمجازر وكذلك البيطريّون. يمكن أن تنتقل هذه الأوبئة والأمراض عن طريق تلوّث الطّعام وتلوث الشّراب بفضلات الخنزير، ومن هذه الأمراض الديدان والشّعيرات الحلزونية وغيرها.
      يمكن أن تنتقل هذه الأوبئة والأمراض عن طريق تناول لحم الخنزير ومُنتجاته، وهذا يُؤكّد ما توصّل إليه العلماء؛ وهو أنّ الحظر المفروض على المسلمين بألا يُلامسوا لحم الخنزير أو يأكلوه ليس بحاجة إلى تبرير بعد كل هذه الأمراض التي تُصيب الإنسان نتيجة تعامله مع الخنزير، سواء كمهنة أو تناول لحمه.
      المراجع :
      - مجموعة من طلاب العلم (19-8-2001)، "العلة في تحريم أكل لحم الخنزير"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 14-3-2017.
      - أ.د/ حنفي محمود مدبولي (من أبحاث المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بتركيا 1432هـ -2011م )، "الإعجاز العلمي في تحريم لحم الخنزير"، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنّة، اطّلع عليه بتاريخ 24-2-2017م ص307 وما بعدها.
      - موقع الإسلام سؤال وجواب (9-4-2004)، "نصراني يسأل عن سبب تحريم لحم الخنزير"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 14-3-2017.




      د/ محمد عبد المعطي محمد.

    • #2
      السلام عليكم
      نشكركم على هذا المقال المحترم
      ولكن الطبيعي أن نقول سمعنا وأطعنا لكل ما حرمه أو حلله الله لنا
      لأن كثرة الأسئلة والحاجة لسبب التحريم قد يجعل الإنسان يدخل في وساوس
      حتى وإن كان للشئ المحرم فائدة او طعمه حلو لسنا بحاجة له وسمعنا وأطعنا
      ولكن أحترم هذا المقال كثيراً وأشكرك عليه
      شهاب الدين محمد بن هاشم

      تعليق

      20,488
      الاعــضـــاء
      234,750
      الـمــواضـيــع
      43,732
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X