• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • أنا لله عبد وإليه راجع

      بسم الله الرحمن الرحيم
      إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
      من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
      وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
      صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
      وبعد:
      الأيام تدور سراعاً والوقت يمضي بسرعة خيالية لا مثيل لها وكل ذلك إنما هو محسوب علينا ويمضي من أعمارنا وينقضي من آجالنا فماذا أعددنا للنهاية؟ وماذا عملنا ليوم القيامة وبأي عمل سيختم لنا به فتكون خاتمتنا حسنة أو سيئة؟
      وبأي وجوه سنقابل الله؟.وبأي أرجل سنقف بين يدي الله جل في علاه
      ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ *مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾.
      لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله رب العرش العظيم كم أسرفنا وعصينا؟ وكم أذنبنا وأخطآنا؟
      كم تجاوزنا حدودنا وتعدينا طريقنا وسلكنا مسالك تغضب ربنا؟ وكم من ذنوب عملناها ولازلنا نعملها ونصر عليها؟ فرحماك يا ربنا بنا.
      يقول الله ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].
      فلا يغرنا حلم الله عنا ولا تهلينا دنيانا عن آخرتنا ولا نجعل روتين الحياة يسيطر علينا فإن الله قادر على تعذيبنا بذنوبنا وقادر على إنزال سخطه وعذابه بنا إن لم نرحم أنفسنا ونتوب إلى ربنا ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: 61] ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65] ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 54] ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
      كلنا اليوم إلا من رحم الله نعيش في غفلة عظيمة وبعد عن الله وتنكب واضح وبعد بيّن عن منهج الله فكيف سيرحمنا الله أو يصلح أحوالنا ونحن بعيدون كل البعد عن دينه ومنهجه نعادي أوليائه ونوالي أعدائه وننتمي إلى مناهج ضالة وفرق منحرفة بعيدة كل البعد عن دين الله وهدي رسوله ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22] ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 76].
      كم منا وفينا وفي مجتمعنا من هو مضيع للصلاة تاركاً لها أو متساهلاً في أدائها يصليها ويتركها فكيف يرحمنا ربنا وقد ضيعنا الصلاة التي هي عمود الدين وأهم فرائضه. كيف تتنزل علينا الرحمات أو تحل فينا البركات والفساد بكل أنواعه وأشكاله ينخر فينا ويستشري في أوساطنا بلا حسيب ولا رقيب دون أن نأمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر ونتصارح ونتناصح إلا ما رحم الله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104] ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 112].
      إنه عمر سينقضي لا محالة وسينتهي بلا شك ولا ريب ولكن السؤال الذي يبقى ولابد له من إجابة كيف النهاية؟ وكيف سنلقى الله فيحاسبنا عن عمر كامل وسنوات طويلة بكل ما فيها من خير وشر وصغائر وكبائر وأول وآخر ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7] ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 8] ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].إننا في زمنٍ عضُود، تغلَّبَت فيه المصالحُ الذاتيَّةُ عند كثيرٍ على القِيَم الدينية، وقُدِّمَت المنافعُ الشخصيَّة على المعايير الأخلاقية.
      تحكَّم في النفوس حبُّ الدنيا، والاستغراقَ في السَّير وراءَ زخارِفها، أصبح الولاءُ عند كثيرٍ من الناس لهذه الدنيا الفانية، عليها يُوالون ويُعادون، ومن أجلها يُقدِّمون ويُؤخِّرون، بسببها يتصارَعون، ومن أجلِها ولتحصيلِها يتنازَعون. من غلبَ حبُّ دُنياه على حبِّ دينه، وقدَّم شهواته على طاعة مولاه؛ فقد وقعَ في حبائلِ الشيطان الجِسام، ومصائدِه العِظام، يقول ربُّنا - - ناهيًا المُسلمَ عن هذه السبيل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فاطر: 5].
      روى البخاري عن النبي - - أنه قال: «تعِسَ عبدُ الدينار، تعِسَ عبدُ الدرهم، تعِسَ عبدُ الخميصة، تعِسَ عبدُ الخَميلة، إن أُعطِيَ منها رضِي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ».
      ما أحوجَنا في هذا العصر وقد طغَت فيه الحياةُ الماديَّةُ المُتوحِّشة، وعُبِد فيه الدرهمُ والدينارُ، وتحكَّمَت المناصبُ والولايات على نفوس بعضٍ، فأغوَتهم عن سَنن الشريعة وطريق العدالة.
      ما أحوجَنا جميعًا إلى مراجعةٍ للنفوس، ومُعالجةٍ لأمراضها الخطيرة، وأدوائِها القبيحة، مُتذكِّرين مواعِظ الوحيَيْن، مُمتثِلين لقِيَمهما، سالِكين رِضا الرحمن الرحيم، مُهتدِين بسُنَّة النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم.
      تعقَّلُوا - رحمكم الله - حديثًا جليلاً من سيدِنا ونبيِّنا محمد - -؛ عن أبي الدرداء - - قال: خرج علينا رسولُ الله - - ونحن نتذكَّر الدنيا، نتذكَّرُ الفقرَ ونتخوَّفُه، فقال: «آلفقرَ تخافُون؟! والذي نفسي بيده؛ لتُصبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يزيغَ قلبَ أحدكم إزاغةً إلا هي»؛ أي: إلا هذه الحياة «وايْمُ الله! لقد تركتُكم على مثل البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء». حديثٌ عظيمٌ، علَمٌ من أعلام النبوَّة، يُعالِجُ وضعَنا الخطيرَ في هذا الزمان، حديثٌ يُبيِّنُ أن أسبابَ المَيْل عن الحقِّ، وأن أشدَّ عوامل الانحِراف عن الطريق المُستقيم، وأن أعظم أبواب الفتن: تحكُّم الدنيا في القلوب، والإغراق في نَيْل شهواتها الفانِية، ولذَّاتها المُضمحِلَّة. إن تعلُّق القلوب بالدنيا وملذَّاتِها إن لم يكن محكومًا بالحقائِق الإيمانية، والأخلاق الإسلامية؛ فإنه يجرُّ العبدَ إلى كل صفةٍ ذميمةٍ وفعلةٍ قبيحةٍ، وإلا فهل بخِلَ من بخِلَ عن الزكاة المفروضة إلا بسبب حبِّ الدرهم والدينار؟! هل حصلَ ظلمُ العباد إلا بسبب تغليبِ هذه الدنيا الفانِية وحبِّ شهواتها المُضمحِلَّة؟! هل ارتكَسَ بعضٌ في جريمةِ الكذِبِ والغشِّ والخِداع والحسَد إلا بسبب سيطرة هذا الحُطام الفانِي؟!
      فحبُّ الدنيا رأسُ كل خطيئةٍ، حبُّ الدنيا لِذاتِها بدون تقيُّدٍ بأحكام الإسلام رأسُ كل خطيئةٍ، روى البخاري عن أبي سعيدٍ - - قال: قال رسولُ الله - -: «إن أكثرَ ما أخافُ عليكم: ما يُخرِجُ الله لكم من بركات الأرض». قيل: وما بركاتُ الأرض؟ قال: «زهرةُ الدنيا».
      يا أيتها الأمة المسلمة! لا تُساوِمي على دينك بشيءٍ من زخارِفِ هذه الدنيا ولو كان عظيمًا، تكن السعادةُ والعزَّة والاستقرار والأمن.....يا مَن أعمَته الدنيا وآثرَ حُطامَها، فسفَك الدماَء المعصومة، وهتَك الأعراضَ المصُونة، وسلَبَ الأموالَ المُحترَمة، كلُّ ذلك من أجل هذه الدنيا؛ لقد أجرمتَ جُرمًا عظيمًا، وعصيتَ جبَّارًا كبيرًا، فراقِب ربَّك، وعُد إلى رُشدك، وتذكَّر مصيرَك.
      - يا مَن غرَّته هذه الدنيا، فسعَى لجمعِها من الحلال والحرام! اتَّق اللهَ قبل فواتِ الأوان، قبل مُفارقَة المال والأهل والأوطان.
      - يا مَن يتعاملُ بالرِّبا وينشُره في التعامُلات بين المُسلمين! خفِ اللهَ - -، واحذَ سخطَه، فأخذُه أليمٌ شديدٌ.
      - يا مَن أطلقَ العَنانَ من أبناء المُسلمين لقنوات الفضائِح ونشرِها بين إخوانِه المُؤمنين! تُب إلى ربِّك، تذكَّر قولَ الله - -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 19].
      - يا أحبابَ القنوات الماجِنة! ألم يأنِ أن ترجِعوا إلى ربِّكم وأنتم ترَون الفتنَ تُحيطُ بالمُسلمين من كل جانبٍ؟! ألا تخشَون من عقوبةٍ عاجِلةٍ في مالٍ أو في نفسٍ، أو من عاقبةٍ سيئةٍ في الآخرة؟! فحينئذٍ لاتَ حين ساعة مندَم. ربُّنا - - يقول عن الذين طغَوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، قال ربُّنا - -: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 13، 14].
      - يا مَن زيَّنَت له نفسُه الأمَّارةُ بالسوء المُتاجَرةَ بالوظيفة، فأصبحَ من المُرتَشين المُفسِدين! تذكَّر لعنةَ الله على هذه الأعمال الإجرامية، والأعمال القبيحة. اعلَم أن ما تأخذُه نارٌ وشنارٌ وعارٌ، فبادِر بالتوبة، وعاجِل بالأوبَة.
      - يا مَن يغشُّ في تنفيذ المشاريع العامَّة التي تختصُّ جميعَ المُسلمين! إن جمعتَ بسبب هذا الغشِّ أموالاً طائِلةً ودُنيا ضخمة، فاعلَم أن ما لك منها إلا ما أكلتَ وشربتَ ولبِستَ، واعلَم حينئذٍ أن اللهَ لك بالمِرصاد، فحريٌّ أن تُبتلَى بعقوبةٍ عاجِلة، ما يُنتظَر من الوعيد الشديد في الآخرة لمن هذا عملُه. وإلا فغشُّ المُسلمين جميعًا أمرٌ عظيمٌ، جُرمٌ جسيمٌ، كما دلَّت عليه النصوصُ الشرعيةُ، والبعضُ يتهاوَنُ بهذا؛ لأنه قد يكون ليس عليه رقابةٌ من المخلوق، وينسَى رقابةَ الخالق.
      - يا مَن يتربَّحُ بوظيفته في الأموال العامَّة التي هي للمُسلمين سابقًا ولاحِقًا! تذكَّر الآخرة، اعلَم أنك مُفارِقٌ هذه الدنيا الفانِية، ومُقبِلٌ على دارٍ باقِية، تذكَّر موقفَك أمام الملِك الجبَّار، تذكَّر السؤالَ في القبر، تذكَّر أن كل مُسلمٍ من الأجيال الحاضِرة والمُستقبَلة سيكون خصمًا لك فيما تلاعبتَ فيه من الأموال العامَّة. ألم يقُل النبيُّ - -: «كلُّ لحمٍ نبَت من سُحتٍ فالنارُ أولَى به، إن أقوامًا يتخوَّضُون في مالِ الله بغير حقٍّ، فلهم النارُ يوم القيامة».
      - يا مَن غرَّه منصِبُه فأصبحَ يظلِمُ من أجل البقاءِ في هذا المنصِب والمُحافَظة عليه، فتجِدُه يُؤذِي من يُعادِيه من الخلق، وينفعُ بهذا المنصِب من يهوَى لقرابةٍ أو صداقةٍ؛ اعلَم أن المنصِبَ لا يبقَى. إن الوظائف - كما قال القائلُ -:
      إن الوظائفَ لا تدومُ لواحِدٍ .....إن كنتَ تُنكِرُ ذا فأينَ الأولُ؟
      إن الأيامَ دُوَل، فإياك يا صاحبَ المنصِب من تصرُّفات الخِيانة، وتضييع الأمانة؛ فالمنصِبُ من الولايات العامَّة إنما هو لتحقيق مصالِح المُسلمين، ودرء المفاسِد عنهم، فإياك أن تُحابِي أحدًا عن أحد، أو أن تجعلَ المنصِبَ غنيمةً لمصالِحك ومصالِح أقارِبك. كُن أمينًا في تصرُّفاتك، عدلاً في أفعالك وقراراتك، فلئن غفلَت عينُ المُراقبة النِّظاميَّة عنك، فاعلَم أن ربَّك يعلمُ خائِنةَ الأعيُن وما تُخفِي الصدور؛ فشرُّ الناس من ضرَّ دينَه بنفع دُنيا غيره، ولا يهلَكُ على الله إلا هالِكٌ.
      قال - -: «كل الناسِ يغدُو؛ فبائِعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها»؛ رواه مسلم.
      أي: كل إنسانٍ يسعَى بنفسِه في هذه الحياة؛ فمنهم من يبيعُها لله - - بطاعتِه والتقيُّد بأوامره، فيُعتِقَها حينئذٍ من العذاب.ومنهم من يبيعُها للشيطان وللدُّنيا والهوَى، باتباع ذلك وتغليبِه على أمور دينِه، فيُوبِقَها حينئذٍ؛ أي: يُهلِكُها.
      تأخذنا الدنيا وتلهينا، لدرجة أننا ننسى الهدف منها، وأنها مجرد مرحلة للاختبار قبل الحياة السرمدية الأبدية، فإما إلى جنة وإما والعياذ بالله إلى نار، وبينهما حياة القبور.عن عثمان بن عفان ، قال: سمعت رسول الله يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعد أشد».
      ورحم الله الربيع بن خيثم فإنه قد حفر في داره قبرًا فكان إذا وجد في قلبه قسوة دخل فيه فأضطجع ثم يصيح ويصرخ «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ »، ثم يرد على نفسه: يا ربيع قد رجعت فاعمل.
      لذا مهما شغلتنا الدنيا، علينا أن نعد أنفسنا لحياة القبر، حتى نثبت أنفسنا للسؤال، يقول المولى : «يُثَبّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الحياة الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ » (إبراهيم:27)، حتى لا نكون من الذين قال الله فيهم: « وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ » (الأنعام: 93).فللقبر أهوال استعاذ منها النبي الأكرم ، حيث كان يقول داعيا: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر.
      وما كان النبي يستعيذ من القبر إلا لما فيه، ففيه ظلمة شديدة كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه فقال: «إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله منورها لهم بصلاتي عليهم».
      كما له ضمة لا ينجو منها أحدا، كبيرًا كان أو صغيرًا، صالحًا كان أو طالحًا، ولو نجى منها أحد، لنجى منها سعد بن معاذ، الذي تحرك لموته عرش الرحمن، وشهد جنازته سبعون ألفًا من الملائكة وفتحت له أبواب السماء، فهو سكن موحش بالطبع لمن نسي نفسه في الدنيا، قال تعالى: « وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (المؤمنون: 100).
      فالحياة الحقيقة، هي الحياة التي لا موت فيها، وهي الحياة التي لا شقاء فيها، وهي الحياة التي لا متاعب فيها، كل متاعب الدنيا تنتهي عند الموت أما الآخرة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
      يقول بعض العلماء أنه من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيّاً فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة عاش فيها حياة طيبة، ومن أدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، ومن أدخل النار فإنه كما قال الله : ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾[ سورة الأعلى: 13 ]
      أي أصعب حياة ألا تكون مع الموتى فتستريح، وألا تكون مع الأحياء فتسعد:
      ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾[ سورة الأعلى: 13 ]
      الشيء بالشيء يذكر وأصعب حالة تحياها الأمة حالة اللا سلم و اللا حرب، ليست في سلم عميم فتنطلق للعمل، وليست في حرب فتفوز بالحرب، لا سلم ولا حرب، وأعداء الأمة يريدون لهذه الأمة أن تعيش هذه الحياة، لا سلم ولا حرب.
      الحياة الآخرة كما وصفها القرآن الكريم، هي الحياة الحقيقية:
      ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
      الحياة التي تليق بنا، الحياة التي تليق بالإنسان المخلوق الأول، الحياة التي أرادها الله لنا، الحياة التي خلقنا الله من أجلها، الحياة الأبدية، الحياة التي يسعد فيها الإنسان بقرب الواحد الديان، هي الحياة الحقيقية:
      ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾[ سورة العنكبوت: 64 ]
      الآخرة دار القرار :
      هي دار القرار:﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾[ سورة غافر: 39 ]
      متاع زائل، متاع طارئ:﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾
      [ سورة غافر: 39 ]
      مثلاً: إنسان يتعين في بلد لعام واحد، أي بيت يسكنه، بعد أن تنتهي مهماته خارج مدينته يستقر في بيت لائق، الحياة الآخرة هي دار القرار، هي الحيوان، هي الحياة الحقيقية، لا موت، ولا مرض، ولا ابن عاق، ولا زوجة سيئة، ولا دخل قليل، ولا طاغية ظالم:
      ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .(سورة العنكبوت: 64 ]
      هي دار القرار.
      الإنسان في الآخرة مسؤول عما قدمت يداه في الحياة الدنيا، أي أن كل إنسان سيسأل عن تفاصيل ما ابتلي به في الحياة الدنيا، ما موضوع الابتلاء؟ كل شيء أعطاك الله إياه، وكل شيء زوي عنك موضوع ابتلاء، أنجبت أولاداً مادة امتحانك أولادك، هل ربيتهم؟ هل عرفتهم بالله؟ لم تنجب أولاداً ماذا فعلت؟ أنت مسؤول عما أعطاك وعما زوي عنك، وفي بعض الأدعية الرائعة:" مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ، الآن وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ".
      أنت بين حالين إما أن شيئاً تحبه فوصلت إليه فليكن في سبيل الله، والدليل:
      ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾[سورة القصص: 77]
      ابتغ بعلمك الدار الآخرة، ابتغ بمالك الدار الآخرة، ابتغِ بمنصبك الدار الآخرة:
      ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِن الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾[سورة القصص: 77]
      أيها الأخوة، في الدنيا يمكن وليس مستحيلاً أن تتفلت من عقاب أعمالك، هناك طغاة ملؤوا بلادهم قتلاً وسفكاً، ولما ماتوا كان لهم احتفال كبير جداً، ممكن أن تتفلت في الدنيا من عقاب الله لحكمة أرادها الله، ولكن الآخرة:﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
      [ سورة الحجر: 92-93]
      مسؤولية الفرد في الدنيا و الآخرة :
      الإنسان في الحياة الدنيا مسؤول عن نفسه أولاً، عن علمه ماذا عمل به؟ عن ماله ممَ اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ عن مكانته؟ مسؤول عن أسرته، عن أولاده، عن زوجته، عن أمه وأبيه، عن أرحامه، بل مسؤول عن أمته، كيف؟ هل اخترت اختصاصاً ينفع أمتك أم اخترت اختصاصاً يفسد شباب أمتك؟ ممكن، مسؤول عن أمته في أعمال ساقطة تفسد الشباب والشابات، أنت مسؤول أيها الشاب عن أمتك، والأمة مسؤولة عن الفرد هل أعطينا هذا الفرد حقه؟ هل أعناه على أن يكون عزيز النفس أم أذللناه بدخل لا يكفيه أياماً معدودة؟ والحاكم مسؤول عن محكوميه، والقوي مسؤول عن الضعفاء، والغني مسؤول عن الفقراء، وكل جيل مسؤول عن الأجيال اللاحقة، هل ترك لها علماً أم ترك لها فناً ساقطاً؟ المسؤولية واسعة جداً، والأمة مسؤولة عن بقية الأمم، الله جعلنا وسطاء بيننا وبين خلقه، هل نقلنا لهم هذا الدين صحيحاً أم شوهنا صورة الدين عند الآخرين؟ الإنسان مسؤول عن بقية المخلوقات لأنه خليفة الله في الأرض:(( الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
      [ رواه أبو يعلى عن ابن مسعود]
      هذا في الآخرة موضوع آخر، الإنسان بمفرده يتحمل نتيجة عمله:
      ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى *وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾
      [ سورة النجم: 39-41]
      لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة:
      (( من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ))[ مسلم عن جابر ]
      زادك في هذا الرحيل
      يا من أيقن قلبك بطول السفر، وعلمت أنك إلى الله عائد ومحتضر، لا تناقض بأعمالك يقينك، ولا تدع الغفلة تنخره وتضعفه، حتى تنسيك زادك ومعادك.
      فإن أقواماً أنستهم الغفلة زاد الرحل فقال الله لهم عند القدوم عليه: لَقَدْ كُنتَ فيِ غَفْلَةٍ مّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَومَ حَدِيِد (ق:22).
      قال الفضيل بن عياض لرجل: ( كم أتت عليك؟ ) قال: ستون سنة، قال: ( فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ )، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: ( أتعرف تفسيره !؟ تقول: أنا لله عبد وإليه راجع، فمن علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول، فليٌعِدّ للسؤال جواباً ). فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: ( يسيرة ). قال: ما هي؟
      قال:( تحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وبما بقي ).
      وأنت أخي أيضاً عبد لله.. وعائد إليه.. يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِح إلى رَبِكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (الانشقاق:6).. أحسن فيما بقي يغفر الله لك ما مضى.. ربك حليم غفور.. تواب كريم.. يحب التائبين.. ويبدل سيئاتهم حسنات.. ويعفو عن الخطايا والزلات..
      فبادر أخي.. بتوبة صادقة مع الله.. أظهر له فيها عزمك على طاعته.. وندمك إلى معصيته.. وحبك لدينه.. واسأله برحمته فإنه لا أحد أرحم منه.. وبإحسانه ونعمه.. وبين له ضعف حيلتك.. وشدة افتقارك إليه.. واعلم مهما كانت ذنوبك.. فهو يغفر الذنوب جميعاً.
      أسرع أخي بالتوبة.. فإنه زاد الرحيل الأول.. وبدونها لن تظفر بزاد. بادر قبل بغتة المنية.. وحلول الحسرة والعذاب ! قًل يَا عِباديَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رّحْمة الله إنَّ الله يَغْفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأنيُبوا إلى رَبِكُمْ وَأسْلُموا لهُ مِن قَبْلِ أن يَأتَيِكُمُ الْعَذَابُ ثُمّ لا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبعُوا أحْسَنَ مَا أُنزَلَ إِلَيَكُم مّن رَّبّكُم من قَبل أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أن تَقُولَ نَفْس يَا حَسْرتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ الله وَإن كُنتُ لَمنَ السَّاخِرِينَ (56) أو تَقُولَ لَو أَنّ الله هَدَاني لَكُنتُ َمنَ المُتَّقِينَ (56) أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَو أَنَّ ليِ كرّة فَأكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (الزمر:53-57).
      أخي.. الإنابة الإنابة.. قبل غلق باب الإجابة.. الإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة. ما أحسن قلق التواب.. ما أحلى قدوم الغياب ! ما أجمل وقوفهم بالباب !
      أسأت ولم أحسن وجئتك تائباً وأنى لعبد من مواليه مهربُ
      يؤمل غفراناً فإن خاب ظنه فما أحد منه على الأرض أخيبُ
      أخي.. غدك قريب.. فانظر ما قدمت له.. يَا أيُهَا الْذيِنَ آمَنُوا اتَّقُوا الله ولْتَنظُرْ نَفْس مَّا قَدَّمتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إنَّ الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ (الحشر:18).
      قال ابن كثير : ولتَنَظُر نَفْس مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي: ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم.. واعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم لا تخفى عليه منكم خافية ) (تفسير القرآن العظيم:4/365).
      قال إبراهيم التميمي : ( مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي أي نفس: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً. قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي ).
      واعلم أخي أن خير زادك في الرحيل هو زاد التقوى.. وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، وهي: اسم جامع لكل ما يحبه ويرضاه من القيام بفرائضه، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه، والمسارعة إلى محابه.
      فصحح أخي مسارك.. وابذل جهدك لمعرفة حقيقة أعمالك.. أين تصرف نظراتك؟
      وأين تخطو خطواتك؟ وبم تتكلم لفظاتك؟ وما هي آمالك وخطراتك؟
      فاجعل أخي التقوى زادك.. واحذر الغفلة فإنها تنسيك حقيقة سفرك.. وتغريك بزخرف الدنيا وتمنيك بالإقامة الزائفة.أعظم ما يملكه الإنسان ويحرص على تحصيله في هذه الحياة هو الإيمان الإيمان الذي تتحقق به للإنسان سعادة الدارين، والفوز والفلاح في الحياتين، فلا سعادة في الدنيا إلا بالإيمان، ولا فلاح من العذاب في الآخرة إلا بالإيمان؛ بالإيمان تعرف حقيقة الخلق وحكمة الوجود، وتشعر بلذة وطعم الحياة، وتتصل بخالق الأرض والسماء، ويستقيم سيرك على درب الحياة، وتعرف كيف تتعامل مع الكون والحياة من حولك.وحينما تغادر الحياة في الرحلة الإلزامية، والسفر الإجباري الذي كتبه الله تعالى على كل مخلوق -لا بد من الرحيل إلى دار القبور، لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الموت- حينما تلزم بالارتحال، وتخرج من الدنيا رغم أنفك.
      لهوت وغرتك الأماني وحينما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر
      والآخر يقول:
      ما للمقابر لا تجيب إذا رآهن الكئيب
      حفر مسقفة عليهن الجنادل والكثيب
      فيهن أطفال وولدان وشبان وشيب
      كم من حبيب لم تكن عيني لفرقته تطيب
      غادرته في بعضهن مجندلاً وهو الحبيب
      في تلك الرحلة لا تنتفع بشيء: لا مال، ولا ولد، ولا جاه، ولا منصب، ولا رتبة، ولا مرتبة، ولا ينفعك في تلك اللحظات الحرجة وفي تلك الأيام الصعبة إلا الإيمان، في بيت الوحشة والظلمة والدود، لا ينفع هناك أحد.
      يا من بدنياه اشتغل وغرَّه طول الأمل
      وقد مضى في غفلة حتى دنا منه الأجل
      الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل
      لا ينفعك في القبر وعرصات القيامة إلا الإيمان: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] لا ينجو من تلك الأهوال إلا أهل الإيمان.يوم تزفر جهنم، وتتزين الجنة: وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:31 - 34].
      هنا الفخر والمجد والشرف والعزة، هنا الفوز والفلاح أيها الإخوة! لكن لمن؟ لمن آمن وعمل صالحاً، ولكن: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].
      فتحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى و ما بقى.
      والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
    20,451
    الاعــضـــاء
    234,540
    الـمــواضـيــع
    43,638
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X