• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • القضاء والقدر

      قال الخطابي - : قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه ، معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره ، وليس الأمر كما يتوهمونه ، وإنما معناه : الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم ، وصدورها عن تقدير منه ، وخلقٍ لها خيرها وشرها . والقدر : اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر ، يقال : قدَرت الشيء ، وقدَّرت ، خفيفة وثقيلة ، بمعنى واحد . والقضاء في هذا معناه الخلق ، كقوله تعالى : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ( فصلت : 12 ) ، أي خلقهن . وإذا كان الأمر كذلك : فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور ، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار ، فالحجة إنما تلزمهم بها ، واللائمة تلحقهم عليها .
      وجماع القول في هذا الباب : أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر ، لأن أحدهما بمنزلة الأساس ، والآخر بمنزلة البناء ، فمن رام الفصل بينهما ، فقد رام هدم
      البناء ونقضه . ا.هـ المراد منه ( 1 ) .
      فعلى هذا : فالقدر هو علم الله الأزلي بما تكون عليه المخلوقات . وأما القضاء فمعناه : إيجاد الله تعالى الأشياء حسب علمه وإرادته ؛ وهما متلازمان .
      والقضاء له وجهان : أحدهما تعلقه بالرب سبحانه ونسبته إليه ، فمن هذا الوجه يرضى به كله . والثاني : تعلقه بالعبد ونسبته إليه ، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به ، وإلى ما لا يُرضى به . ومثال ذلك : قتل النفس - مثلاً - له اعتباران : فمن حيث إنه قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه ، وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره ، يرضى به . ومن حيث إنه صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره ، وعصى الله بفعله ، يسخطه ولا يرضى به . أفاده ابن القيم ، وهو كلام نفيس في بابه ، مَنْ تنبه له اتضحت له كثير من معضلات هذه القضية . وبالله تعالى التوفيق .

      1 ) انظر معالم السنن : 7 / 69 ، 70 ( مع مختصر السنن للمنذري ) .
      د . محمد عطية

    • #2
      مسألة
      اعلموا - رحمكم الله - أن الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها بتقدير من الله ؛ وهذا هو مذهب السلف قاطبة . لما قال الله تعالى : ] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ ( الحجر : 21 ) ، وقال U : ] وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا[ ( النساء : 78 ) فهذا جواب الله تعالى على من قال : إن الحسنة - وهي الخصب والرزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك - من عند الله ؛ وأما السيئة - وهي القحط والجدب ونقص الثمار والزروع وغير ذلك - من الرسول e ، أي : بسبب اتباعهم له واقتدائهم بدينه . قال ابن كثير : أي الجميع بقضاء الله وقدره ، وهو نافذ في البر والفاجر ، والمؤمن والكافر . ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب ، وقلة فهم وعلم ، وكثرة جهل وظلم : ] فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [ . ا.هـ [1] .
      وروى مسلم عن أبي هريرة t قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله e في القدر ، فنزلت : ] يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ .إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[ ( القمر : 48 ، 49 )[2]. قال النووي : في هذه الآية الكريمة والحديث ، تصريح بإثبات القدر ، وأنه عام في كل شيء ، فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله ، مرادٌ له .ا.هـ [3] .
      وعليه : فالإيمان بالقدر فرض لازم وهو : التصديق الجازم بأن الله تعالى فعال لما يريد ، قدر كل شيء من خير وشر ، فلا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج عن مشيئته ، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ، ولا يصدر إلا عن تدبيره ، ولا محيد لأحد عن القدر ، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ ، وأن الله أمر العباد ونهاهم ، وجعل لهم إرادة واختيارا ، فأعمالهم - وإن لم تجاوز ما في اللوح المحفوظ - من كسبهم واختيارهم ، يؤاخذهم الله بها ويحاسبهم عليها ، وأنه سبحانه يهدي من يشاء برحمته ، ويضل من يشاء بحكمته ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر .
      [1] تفسير ابن كثير : 1 / 453 .
      [2] مسلم ( 2656 ) ؛ ورواه أحمد : 2 / 444 ، 476 ، والبخاري في خلق أفعال العباد : ص 28 ، والترمذي ( 2157 ، 3290 ) ، وابن ماجة ( 83 ) ، وابن حبان ( 6139 ) .
      [3] المنهاج شرح مسلم : 16 / 205 .

      د . محمد عطية

      تعليق


      • #3
        مسألة
        القدر سرٌ من الأسرار الإلهية التي استأثر الله بها ، فلايقف عليها أحد مهما بلغ علمه ومقامه ؛ ولذا فمرجع الفصل فيها الأدلة من الكتاب والسنة .
        ولهذا السبب قال رسول الله e : " إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا " [1]، وقال طاووس اليماني - : اجتنبوا الكلام في القدر ، فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم .ا.هـ . وقال البغوي - : والقدر سر من أسرار الله ، لم يُطْلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل ، بل يعتقد أن الله خلق الخلق ، فجعلهم فريقين : أهل يمين خلقهم للنعيم فضلاً ، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلا . فنسأل الله التوفيق لطيب المكتسب ، ونعوذ به من سوء المنقلب بفضله . انتهى المراد منه [2] .
        وقال أبو المظفر السمعاني - : سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة ، دون محض القياس ومجرد العقل ، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ، ولم يبلغ شفاء النفس ، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب ، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت دونه الأستار ، اختص الله به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم ، لما علمه من الحكمة ، وواجبنا أن نقف حيث حُد لنا ولا نتجاوزه ، وقد طوى الله تعالى علم القدر عن العالم ، فلم يعلمه نبي مرسل ، ولا ملك مقرب ، وقيل : إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ، ولا ينكشف قبل دخولها . ا.هـ[3].
        وقد أحسن من قال :
        إنما الغــــــــيب كــتاب صــــــــانـــه ... عـن عـــيون الخـــلق رب العــالمين
        ليس يبدو للناس منه سوى ... صفحة الحاضر حينًا بعد حين

        [1] رواه الطبراني في الكبير ( 10448 ) ، وأبو نعيم في الحلية : 4 / 108 عن ابن مسعود ، وقال الهيثمي في المجمع 7 / 202 : وفيه مسهر بن عبد الملك ، وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح ا.هـ . ورواه ابن عدي : 7 / 25 ، وله شاهد عن ثوبان عند الطبراني في الكبير ( 1427 ) ، وآخر عن ابن عمر عند ابن عدي : 6 / 162 ، فالحديث بمجموعها حسن أو صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 559 ) .
        [2] انظر شرح السنة : 1 / 144 ، 145 .
        [3] نقلا من شرح مسلم : 16 / 196 .


        د . محمد عطية

        تعليق


        • #4
          مسألة
          إن من
          القدر مايكون محتومًا ،وهوالثابت ؛ ومنه ما يكون مصروفًا بأسبابه ، وهو الممحو ؛ ودليل المحو والإثبات قوله تعالى : ]يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[ ( الرعد : 39 ) . قال ابن تيمية - : قال العلماء : إن المحو والإثبات في صحف الملائكة ، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ، ولا يبدو له ما لم يكن عالما به ، فلا محو فيه ولا إثبات . وأما اللوح المحفوظ ؛ فهل فيه محو وإثبات ؟ على قولين . والله تعالى أعلم . ا.هـ [1] .

          والمحو والإثبات في اللوح المحفوظ - عند من قال به - لا يعنيان تغيرا في علم الله تعالى ، إذ هو عالم بما يمحوه وما يثبته ، وما علم أن سيكون فلابد أن يكون ، كذلك المحو والإثبات ليس عبثاً ، بل لحكمة ، كإجابة دعاء ، وإظهار أثر صلة الرحم ، ونحو ذلك . وقد نقل ابن كثير - - عـن ابن عباس t قال : ] يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ[ إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت . وعن عمر t أنه قال وهو يطوف بالبيت ويبكي : اللهم إن كنت كتبت عليَّ شِقوة أو ذنباً فامحه واجعله سعادة ومغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب . وعن ابن مسعود وأبي وائل شقيق بن سلمة بنحو هذا الدعاء . ثم قال : ومعنى هذه الأقوال : أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت ما يشاء ، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه أحمد عَنْ ثَوْبَانَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e : " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ " ، ورواه النسائي وابن ماجة [2]. وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر [3] . وفي حديث آخر : إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض ( [4] ) .ا.هـ .
          وقال ابن حجر - : ما سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل ، والذي يجوز عليه التغيير والتبديل ، ما يبدو للناس من عمل العامل ، ولا يبعد ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي ، فيقع فيه المحو والإثبات ، كالزيادة في العمر والنقص ، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات . والعلم عند الله . ا.هـ . وقد سبقه إلى تقرير ذلك المازري وغيره [5] .
          قال الألوسي - - ما ملخصه : إذا كان المحو والإثبات بالنسبة لما في أيدي الملائكة فلا فرق بين السعادة والشقاوة ، والرزق والأجل ، وبين غيرها من المقادير في أن كلا يقبل المحو والإثبات . وإن كانا بالنسبة إلى ما في العلم ، فلا فرق - أيضاً - بين تلك الأمور وبين غيرها ، في أن كلا لا يقبل ذلك ، لأن العلم إنما تعلق بها على ما هي عليه في نفس الأمر ، وإلا لكان جهلا ، وما في نفس الأمر مما لا يتصور فيه التغير ولا التبدل ، فكأن المعنى : يمحو ما يشاء محوه ، ويثبت ما يشاء إثباته ، مما سطر في الكتب ، وثابت عنده في العلم الأزلي ، الذي لا يكون شيء إلا على وفق ما فيه . ثم إن في دعاء ابن مسعود وأخبار وآثار لا تُحصى كثرة ما هو ظاهر في إمكان التغيير .. ثم قال : ويبدو أن الأمر أكبر من أن نحيط به علما ، وأنه لا يسلم من أراد أن يفهم صفات الله من خلال واقع الإنسان وصفاته ، وما على الموفق إلا أن يقطع لتعلق علم الله أزلا بالأشياء على وجه الإحاطة ، وأنه لا يطرأ أي تغيير على ذلك أبدا ، وأن المحو والإثبات يدوران مع ما أثبت الله في اللوح ، ولا يخرجان عما علمه أزلا بحال . ا.هـ [6] . والعلم عند الله تعالى .
          [1] - مجموع الفتاوى : 14 / 492 .
          [2] انظر تفسير ابن كثير : 2 / 449 . والحديث رواه أحمد : 5 / 277 ،280 ، 282 ، والنسائي في الكبرى مختصرا كما في التحفة ( 2093 ) ، وابن ماجة ( 90 ، 4022 ) . ورواه الطبراني في الكبير : 2 / 100 ( 1442 ) ، وابن حبان ( 872 ) ، والحاكم : 1 / 493 ، وصححه ووافقه الذهبي . ورواه البغوي في شرح السنة ( 3418 ) ، وحسنه الحافظ العراقي كما نقله عنه البوصيري في ( الزوائد ) .
          [3] روى البخاري (2067) ، ومسلم ( 2557 ) ، عن أنس مرفوعا : " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " . ورواه أحمد : 3 / 156 ، وأبو داود ( 1693 ) .
          [4] رواه الطبراني في الأوسط ( 2498 ) ، والحاكم : 1 / 492 ، 493 ، وصححه من حديث عائشة ، وقال الهيثمي في المجمع 10 / 146 : وفيه زكريا بن منظور ، وثقه أحمد بن صالح المصري ، وضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات . ا.هـ . وحسنه الألباني في صحيح الجامع ( 7616 ) .
          [5] فتح الباري : 11 / 488 ، والمنهاج شرح مسلم للنووي : 16 / 213 .
          [6] انظر روح المعاني : 13 / 170 .
          د . محمد عطية

          تعليق

          20,451
          الاعــضـــاء
          234,390
          الـمــواضـيــع
          43,562
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X