• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • بين الدعاء والتفويض

      التفويض لغة : من فوض إليه الأمر ، أي وكله ورده إليه وجعله الحاكم فيه .
      وشرعًا : براءة وخروج من الحول والقوة ، وتسليم الأمر كله إلى مالكه . قاله ابن القيم - .
      والمقصود هنا رد الأمر إلى الله ، والتسليم بقضائه مع الرضا ، وترك الدعاء مع الاستسلام لأمر الله .
      وقد تنازع القوم في الدعاء والتفويض ؛ أيهما أفضل ؟ وهل ينافي الدعاء التفويض والرضا ؟
      فقال بعضهم : السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم ، والرضا بما سبق من اختيار الحق سبحانه أولى . قالوا : فالراضي لا يدعو ، فإن دعا فقد أحب خلاف ما أحب الله ، فليس براض . واحتجوا بأن امرأة بها لمم سألت رسول الله - - أن يدعو لها فقال : " إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ " ؛ وسألته الأنصار أن يدعو الله أن يكشف عنهم الحمى ، فقال : " مَا شِئْتُمْ ؛ إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَدْعُوَ اللهَ لَكُمْ فَيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا " ؛ وقال نبي الله - - مخبرًا عن الله سبحانه : " مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ " .
      وكما قالوا :
      وتمنعني الشكوى إلى الناس أنني ... عليلٌ ، ومن أشكو إليه عليلُ
      وتـمنعـــني الشــــــكوى إلى الله أنـــه ... عــلـــيم بما ألـــقاه قـــبل أقـــــــــــــــولُ
      وقالت طائفة : لا يدعو إلا بطاعة ينالها ، أو خوف سخط ، فإنه من دعا سوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا .
      وقالت طائفة : له أن يدعو الكشف لأي حال كانت : للطاعة أو الراحة العاقبة ، وفي كل ذلك هو مطيع ، ودعاؤه للطاعة لا للراحة أفضل ، ولا يخرجه دعاؤه للراحة عن الرضا ولا ينقصه منه . وقال آخرون : دعاؤه بغير الطاعة ينقصه عن الرضا ، واحتجوا بأن رجلاً أعمى قال : يا رسول الله ! علمني دعاء أدعو به ليرد الله عليَّ بصري ، فقال : " وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " ، فأبى ، فعلمه دعاء ، فرد الله عليه بصره .
      وقالت طائفة : الدعاء في نفسه عبادة ، قال - - : " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ " ، والإتيان بما هو عبادة أولى من تركه ، فإن لم يُسْتَجبْ له فقد قام بحق ربه ، لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية ، فالراضي لا يدعو إلا بخير .... وللحديث صلة .
      ( من كتابي : فقه الدعاء )
      د . محمد عطية

    • #2
      والحق أن الدعاء لا ينافي التفويض أو الرضا ، والرسول e وهو صاحب أعلى مقام في الرضا والتفويض ، لم يترك الدعاء في رخاء ولا شدة ، بل كان له e أدعية يومية راتبة ، وأخرى مرتبة بأوقات وأحوال علمها للأمة . وسأفرد أمثلة من أدعيته e في فصل مستقل بإذن الله تعالى .
      وقد أمر الله تعالى عباده بالدعاء في آي ذوات عدد ، منها قوله تعالى : ]وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ ( غافر : 60 ) ، ومنها : ] فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [ ( غافر : 14 ) ، ومنها : ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [ ( النمل : 26 ) ، ومنها : ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [ ( البقرة : 186 ) .
      وحث الرسول الكريم e أمته على الدعاء ، وبين لهم فضله ومكانته ، في مثل قوله e : " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ " ، وقوله : " لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ " [1]، وقوله : " مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ " [2]، إلى غير ذلك من الأحاديث .
      وقد كان النبي e كثير الدعاء ، وتلك الحال التي اختارها ، فلا ينبغي للمسلم أن يختار عليها ، ولا أن يتركها ابتغاء غيرها من الأحوال ، لشبهة من الشبهات .
      بل كان ذلك حال الأنبياء جميعاً ، وقد ذكر القرآن أدعية كثيرة لرسل الله ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وأنهم كانوا يلجئون إلى الله بالدعاء في حوائجهم الخاصة ، وفي الدعاء على المعاندين المستكبرين من أقوامهم .
      ومثال الأول : دعاء إبراهيم وموسى وزكريا ويونس وأيوب ؛ ومثال الثاني : دعاء نوح ولوط وموسى عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه .... وللحديث صلة .

      [1] حديث حسن : رواه أحمد : 2 / 362 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 712 ) ، والترمذي ( 3370 ) ، وقال : حسن غريب ، وابن ماجة ( 3829 ) ، والحاكم : 1 / 490 ، وصححه ووافقه الذهبي ، من حديث أبي هريرة .
      [2] رواه البخاري في الأدب المفرد ( 658 ) ، والترمذي ( 3373 ) ، وأبو يعلى ( 6655 ) ، ورواه أحمد : 2 / 477 ، وابن ماجة ( 3828 ) بلفظ " من لم يدع الله .. " ، والحاكم : 1/491 ، وصححه ، وقال ابن كثير في تفسيره : 4 / 78 : إسناده لا بأس به ، وحسنه الألباني في صحيح الأدب ( 512 ) ، والصحيحة : (2654) .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #3
        ولعل ذلك لما في الدعاء من استشعار الذل بين يدي العزيز ، والخوف بين يدي الجبار ، والفقر بين يدي الغني المغني ، والحاجة بين يدي الكريم الجواد ، والضعف بين يدي القوي المتين ، والرجاء بين يدي الرحمن الرحيم الغفار الحليم ، وذلك روح العبادة وأسها وغايتها .
        ومن هنا رجح جمهور العلماء أفضلية الدعاء ، وقالوا : إنه لا ينافي التفويض والتسليم . والله يحب تذلل عبيده بين يديه ، وسؤالهم إياه ، وطلبهم حوائجهم منه ، وشكواهم إليه ، وعياذهم به منه ، وفرارهم منه إليه ، كما قيل :
        قالـوا أتشكـو إليه ... ما ليس يخفـى عليه
        قلـت ربي يرضـى ... ذل العـــــــبيد لــديــه
        وقد نقل الحافظ في ( الفتح ) عن القشيري - رحمهما الله - الخلاف في المسألة قال : اختلف أي الأمرين أولى : الدعاء أو السكوت والرضا ؟ فقيل الدعاء لكثرة الأدلة ، لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار ، وقيل : السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل .ا.هـ قال ابن حجر - رحمه الله : قلت : وشبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قُدِّر له ، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور فهو تحصيل حاصل ، وإن كان على خلافه فهو معاندة . والجواب عن الأول : أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار . وعن الثاني : أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة . وفائدة الدعاء : تحصيل الثواب بامتثال الأمر ، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء ، لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها . ا.هـ [1] .
        قلت : وقد يتضمن الدعاء تفويضًا ، ولعل ذلك هو الأفضل ، وكثيرا ما نجده في أدعية الأنبياء ، ومثاله : دعاء زكريا u : ]وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَاتَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [ ( الأنبياء : 89 ) ، و ] رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [ ( آل عمران : 38 ) ، فقد سأل في دعائه الذرية الطيبة ، مفوضاً أمرها إلى العليم الخبير ، فلم يحدد نوع الذرية ذكورًا أو إناثًا ، ولعل في ذلك إشارة إلى أن طيب الذرية ليس بالذكورة أو الأنوثة ، وإنما بصلاحها ونفعها ، وكم رأينا ذكورًا غدوا وبالاً على أهليهم ، وإناثا جُعلن خيرا لأهلهن ، وقد روي في تفسير قوله تعالى : ] وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [ ( الكهف : 80 ، 81 ) ، أن الله رزقهما جارية ، فنشأت صالحة ، فتزوجها نبي من الأنبياء ، والعلم عند الله تعالى .
        بيد أن زكريا u حدد في دعاءٍ آخر نوع الذرية : ] وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [ ( مريم : 5 ، 6 ) ، لأن المقام مقام الرجال ، قال الله تعالى : ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ ( النحل : 43 ) ، فكان هذا سببا وجيهًا لتحديد النوع ، والله تعالى أعلم .
        وكذلك دعاء أيوب u قال : ]أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[ ( الأنبياء : 83 ) ، وقال : ]أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ[ ( ص : 41 ) ، فقد أظهر حاله الذي انتهى إليه من الضر ، ولم يصرح بطلب الشفاء ، بل توسل برحمة الله تعالى ، وفوض أمر الشفاء إليه ، تأدبًا وإظهارًا للرضا ، واستسلامًا لقضاء ربه سبحانه .
        هذا هو التفويض في الطلب ، وهناك تفويض آخر في الثناء ، يظهر جليا في دعاء النبي e : " اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " [2].
        ففي هذا الدعاء : توسل النبي e إلى الله بصفاته سبحانه ، ثم بأفعاله جل وعلا ، ثم بذاته العلية ، ثم فوض الثناء على الله إليه تعالى ، فمهما بلغ المرء من فصاحة ، وأوتي من بلاغة ، فلا يستطيع أن يحصي ثناءً على الله العظيم ، ففوض صاحب أفصح لسان وأوضح بيان e ، والذي أوتي جوامع الكلم ، فوض الثناء على الله تعالى إليه سبحانه ، فالله جل وعز كما أثنى على نفسه .
        [1] انظر فتح الباري : 11 / 95 .
        [2] رواه أحمد : 6 / 58 ، 201 ، ومسلم ( 486 ) ، وأبو داود ( 879 ) ، والترمذي ( 3493 ) ، والنسائي (1100 ، 1130 ) ، وابن ماجة (3841) عن عائشة ؛ ورواه احمد : 1 / 96 ، 118، وأبو داود في ( 1427 ) ، والترمذي ( 3566 ) ، والنسائي ( 1747 ) عن علي .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #4
          هذا وقد جمع بعضهم بين الدعاء والرضا والتسليم ، فنقل الحافظ في ( الفتح ) عن القشيري قال : وقالت طائفة : ينبغي أن يكون داعيا بلسانه ، راضيا بقلبه . قال : والأولى أن يقال : إذا وجد في قلبه إشارة الدعاء فالدعاء أفضل ، وبالعكس . قال الحافظ : قلت : القول الأول أعلى المقامات ، أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه ، والثاني لا يتأتى من كل أحد ، بل ينبغي أن يختص به الكُمَّل . ا.هـ [1] .
          وأما قول النبي e للمرأة التي كانت تصرع : "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ" وكذلك ما في معناه من الأحاديث التي احتج بها من فضَّل التفويض على الدعاء ، فليس فيه دليل لمن ذهب إلى أن السكوت أفضل من الدعاء ، بل غاية ما فيها : أن الصبر على البلاء عظيم أجره ، كبير فضله ، فهو يوجب الجنة ؛ والصبر مأمور به ، والدعاء أيضًا ، وقد يكون الحال يقتضي الصبر ، فيكون الصبر أولى وأفضل ، وأما من لا يقوى على الصبر المطلوب ، فالدعاء في حقه أولى وأفضل ، لأن في الجزع تسخطاً على القضاء والابتلاء ، وقد يستوي الطرفان ، وقد يدعو المرء مع الصبر دون جزع . ولعل هذا هو أفضل المقامات كما سبق من كلام الحافظ ابن حجر ، والعلم عند الله تعالى .
          [1] انظر فتح الباري : 11 / 95 .
          د . محمد عطية

          تعليق

          20,451
          الاعــضـــاء
          234,365
          الـمــواضـيــع
          43,556
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X